; سيروا مع الهمم العالية | مجلة المجتمع

العنوان سيروا مع الهمم العالية

الكاتب حامد التوره

تاريخ النشر الثلاثاء 23-ديسمبر-1997

مشاهدات 93

نشر في العدد 1281

نشر في الصفحة 59

الثلاثاء 23-ديسمبر-1997

 

للهمة عدة تعريفات منها قولهم: «ما هم به من أمر ليفعل».

والهمة: هي الباعث على الفعل، وتوصف بعلو أو سفول، وقيل: علو الهمة: «هو استصغار ما دون النهاية من معالي الأمور».

وقال ابن القيم في مدارج السالكين: «والهمة فعل من الهم وهو مبدأ الإرادة ولكن خصوصًا بنهاية الإرادة فالهم مبدؤها والهمة لها يتبعها». 

ولشيخ الإسلام ابن تيمية كلام جميل عن الهمة وعلوها حيث قال: «علو الهمة: أن لا تقف دون الله ولا تتعوض بشيء سواه، ولا ترضى بغيره بدلًا منه، ولا تبيع حظها من الله، وقربه والأنس به، والفرح والسرور والابتهاج به بشيء من الحظوظ الخسيسة والفانية، فالهمة العالية على الهمم: كالطائر العالي على الطيور لا يرضى بمساقطهم، وهي لا تعلو إلى المكان العالي فتجتذب منه وإنما تجتذب من المكان السافل فعلو همة المرء عنوان فلاحه وسفول همته عنوان حرمانه».

النية قبل العمل

يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: إنما الأعمال بالنيات، فكم من عابد ليس له من عبادته إلا التعب والسهر والجوع، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «من هم بالحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة» البخاري.

ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «من سأل الله الشهادة بصدق بلّغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه» مسلم. ويقول بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم: «ما من امرئ تكون له صلاة بليل فغلب عليه النوم إلا كتب له أجر صلاته وكان نومه صدقة عليه» النسائي.

تفاضل الناس بتفاوت هممهم يقول المولى عز وجل: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾ (الليل: 4).

والهمة رزق من الله عز وجل والله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، ومن حكمته سبحانه أن فاضل بين خلقه في قواهم العلمية كما فاضل بينهم في قواهم العملية.

يقول الشاعر:

على قدر أهل العزم تأتي العزائم      وتأتي على قدر الكرام المكارم

وتعظم في عين الصغير صغارها     وتصغر في عين العظيم العظائم

قال بعض الصالحين للربيع بن خيثم: «لو أرحت نفسك»، قال: راحتها أريد.

وقال أحد الصالحين من طلب الراحة ترك الراحة، أي أنه في طلب راحة الآخرة ونعيمها في الجنة ترك راحة الدنيا من كسل وتوان ونوم، قال الصديق أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه «والله ما نمت فحلمت ولا توهمت فسهوت، وإني لعلى السبيل ما زغت»، أي والله شغلته حروب الردة والفتوح وإرساء جهاز دولة الخلافة إلى حد أنه لا يتسنى له أن يستغرق في نومه ولا يتاح له أن يحلم.

وقد قيل للإمام أحمد رحمه الله: متى يجد العبد طعم الراحة؟ فقال: «عند أول قدم في الجنة». فوالذي لا إله إلا هو إن الإنسان ليتحسر على ساعة مرت به في الدنيا لا لأنه عصى الله فيها، وإنما لأنه لم يعمرها بذكر الله -عز وجل- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس يتحسر أهل الجنة على شيء إلا على ساعة مرت بهم لم يذكروا الله -عز وجل- فيها».

وهذا سيف الله المسلول خالد بن الوليد -رضي الله عنه- يتحسر لموته على فراشه فقد قال لما حضرته الوفاة: «لقد شهدت كذا وكذا حقًّا وما في جسدي موضع إلا وفيه ضربة سيف أو طعنة رمح أو رمية سهم، ثم هأنذا أموت على فراشي حتف أنفي كما يموت البعير فلا نامت أعين الجبناء».

من أسباب الارتقاء بالهمة

1-العلم بالبصيرة: فالعلم يصعد بالهمة ويرفع طالبه من حضيض التقليد، ويصفي النية.

ذكر القصاص أن رجلًا خطب امرأة ذات منصب وجمال، فأبت لفقره، وقلة حسبه، ففكر بأي الأمرين ينالها أبالمال أم الحسب؟ فاختار الحسب، وطلب له العلم، حتى أصبح ذا مكانة فبعثت إليه المرأة تعرض نفسها، فقال: لا أوثر على العلم شيئًا.

2-طلب الآخرة: قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾ (الإسراء: 19).

وقال صلى الله عليه وسلم: من كان همه الآخرة، جمع الله له شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا راغمة، ومن كان همه الدنيا، فرّق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب الله له (1).

3-كثرة ذكر الموت لأنه يدفع إلى العمل للآخرة، والتجافي عن دار الغرور، ومحاسبة النفس، وتجديد التوبة، وإيقاظ العزم على الاستقامة.

4-الدعاء: لأنه سنة الأنبياء، وجالب كل خير، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «أعجز الناس من عجز عن الدعاء»، الحديث (2) وقال صلى الله عليه وسلم: «إذا تمنى أحدكم فليكثر، فإنما يسأل ربه» (3)، ولما رأى رسول الله من ابن عباس ما دل على ذكائه دعا له: «اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل» (4)، وكان من دعائه عقب الصلاة: «اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» (5).

5-التحول عن البيئة المثبطة: إن للبيئة المحيطة بالإنسان أثرًا جسيمًا لا يخفى، فإذا كانت بيئة مثبطة داعية إلى الكسل والخمول وإيثار الدون فإن على المرء أن يهجرها إلى حيث تعلو همته، كي يتحرر من تأثيرها، وينعم بفرصة الترقي إلى المطالب العالية (6).

الهوامش:

  1. رواه ابن ماجه عن زيد بن ثابت، وصححه الألباني في الصحيحة رقم 948.
  2. رواه الطبراني في «الأوسط» والبيهقي في «الشعب» وصححه الألباني في «صحيح الجامع»  رقم 1055. 
  3. رواه ابن حبان وصححه، والطبراني في «الأوسط»، وقال الهيثم «ورجاله رجال الصحيح»  أ ه من «المجمع»  (10/ 150).
  4.  رواه البخاري.
  5. رواه أبو داود والنسائي، وصححه النووي.
  6. والهجرة تكون فرضًا واجبًا إذا كانت من دار الكفر إلى دار الإسلام. 
الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 318

81

الثلاثاء 21-سبتمبر-1976

من شذرات القلم

نشر في العدد 1891

70

السبت 27-فبراير-2010

المجتمع المحلي (العدد 1891)

نشر في العدد 1387

69

الثلاثاء 08-فبراير-2000

المجتمع التربَوِي- العدد 1387