العنوان شؤون إسلامية: أين الثورة الإرتيرية من الإسلام؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 24-أكتوبر-1978
مشاهدات 71
نشر في العدد 417
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 24-أكتوبر-1978
• ابتعدت الثورة الإرتيرية عن الإسلام فانحرفت..
• الصليبية والشيوعية قسمت الثورة إلى جبهات ثلاثة..
• هذه الجبهات الإرتيرية تنادي بدولة علمانية..
• إرتيريا بلد إسلامي.
• ما موقف الثورة من الإسلاميين؟
• أيها الثوار الإرتيريون اتقوا الله!
أرتيريا بلد مسلم عربي، وقع تحت نير الاستعمار الإيطالي الذي طمع بخيراته وثرواته وموقعه الاستراتيجي على البحر الأحمر الذي تمتد سواحله عليه مسافة ألف كيلو متر.
استمر الاستعمار الإيطالي جاثما فوق أرتيريا حتى خسرت في الحرب العالمية الثانية فورثتها إنجلترا عام ١٩٤١، وبناء على رغبة أمريكية إنجليزية مشتركة صدر عام ١٩٥٠ قرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة يقضي بضم أرتيريا إلى أثيوبيا باتحاد فيدرالي دون استفتاء أو تخيير.
تحول هذا الاتحاد شيئًا فشيئا إلى استعمار إثيوبي كامل عام ١٩٦٠ قضى على جميع حقوق الشعب الإرتيري بعد سلسلة من عمليات الاضطهاد والعدوان على الشعب الإرتيري وعلى الدستور الفيدرالي الذي أقرته هيئة الأمم المتحدة.
الثورة:
لم يجد الشعب الإرتيري بدا من الثورة المسلحة دفاعًا عن دينه ومقدساته وحقه واستقلاله فقام بثورته عام ١٩٦١.
ولكن هذه الثورة لم تترك لتسير في الطريق الواضح الذي يجب أن تسير عليه إذ امتدت إليها أيدي الصليبية والشيوعية وغيرهما فبدأت الانحرافات في مسارها، وأدت هذه الانحرافات إلى قيام ثلاث جبهات منفصلة مختلفة الاتجاهات، ربما يمكنها أن تعبر عن إرادة الشعب الإرتيري في تحرير أرضه واستقلاله، ولكنها لا تعبر عن إرادته في التمسك بإسلامه.
أسباب الانحراف:
هناك أسباب عدة لانحراف فصائل الثورة وقيام جبهات منفصلة نستطيع أن نوجزها بما يلي:
- لم تكن هذه المنطقة بعيدة عن أعين الصليبية والصهيونية اللتين أرادتا ضرب الشعب الإرتيري من الخارج والداخل:
فمن الخارج: ضربت الثورة الإرتيرية بوساطة القوات الأثيوبية الغربية مستعينة بالغربيين و"الإسرائيليين" زمن أسد يهوذا هيلاسلاسي، وبوساطة القوات الأثيوبية الماركسية مستعينة بكوبا والاتحاد السوفياتي واليمن الديمقراطية الشعبية وغيرها في زمن - منغستو -، وبوساطة المضايقات التي وجدتها من بعض الدول العربية المجاورة.
ومن الداخل: فقد ضربت بزرع أناس من الصليبيين والماركسيين وأذنابهم يدعون النضال والتحرير بينما يضمرون كل العداوة لهذا الشعب المسلم ولجميع المسلمين في كل أنحاء العالم فبذروا بذور الفرقة والشقاق في صفوف الثوار الإرتيريين وشتتوا فكرهم بين اتجاهات شتى.
- خاف بعض ضعاف النظر من الثوار الإرتيريين من محاربة العالم لهم إذا أعلنوها ثورة إسلامية خالصة لله، وخافوا أن يمنعهم الناس لذلك من المساعدات وأسباب النصر متناسين أن النصر من عند الله، ولقد رأيت بعضا من هؤلاء ودار حوار في ذلك المجلس حول هذا الأمر بالذات فلم يستجيبوا للنصائح المخلصة التي كانت تحذرهم من النصارى وتحثهم على إعلان ثورتهم ثورة إسلامية خالصة..
- وعندما ابتعد الثوار الإرتيريون عن طريق الله وأبعدوا الوجه الإسلامي لثورتهم اضطروا للاستعانة بالمصادر الأرضية المتمثلة بأنظمة الحكم المختلفة في الدول العربية وبالمعسكرين الشيوعي والغربي، الأمر الذي أثر على قيادات الثورة الإرتيرية فقسمها شيعا وأحزابا، كل حزب يتبع النظام الذي يتلقى منه المساعدات ويتبنى أيديولوجيته وفكره ومبادئه.
الانقسامات والتفرقة:
وكان من نتاج هذا الضعف الإيماني والانحرافات في الرؤية في الثورة الإرتيرية أن انقسمت إلى جبهات ثلاث:
١ - جبهة التحرير الإرتيرية - المجلس الثوري -، وهي ذات خط ماركسي ونسبة غير المسلمين فيها ٥٠ بالمائة.
٢ - الجبهة الشعبية لتحرير أرتيريا وهي صليبية تتستر بوجه ماركسي ونسبة النصارى فيها ٩٠ بالمائة.
٣ - قوات التحرير الشعبية الإرتيرية وهي ذات أكثرية إسلامية إلا أنها بعيدة عن الإسلام غير واضحة الرؤية.
وليت الأمر وقف عند هذا الحد من الانقسام إنما وصل أمر هذه الجبهات الثلاث إلى التباهي بالعلمانية مرددة لحن الوحدة الوطنية حتى أن الجبهة الأخيرة - ومع أنها ذات أكثرية مسلمة - فقد أعلنت في مؤتمراتها في الأرض المحررة من أرتيريا في فبراير عام ۱۹۷۷ ما يلي:
يجب أن نجد صيغة وطنية وميثاقا وطنيّا تقدميا يتجاوز الطائفية، ويجنب أرتيريا حالة لبنان ويقرر فصل الدولة عن الدين مع إقرار حرية العبادة وحرية التعليم الديني. وقد صرح بذلك أيضًا عثمان صالح سبي حديثًا لمجلة الدستور وقال: إنه يريد دولة علمانية اشتراكية يتمتع فيها كل السكان بحقوق متساوية..
ولا ندري كيف خفي ذلك عن لجنة نصرة أرتيريا في عمان عاصمة الأردن فادعت أن قوات جبهة التحرير الشعبية الإرتيرية تطالب بإسلام أرتيريا وعروبتها وذلك في نداء لها لمساعدتها من قبل المسلمين. ولا ندري أيضًا ما فائدة انتصارها إذا ظلت متمسكة بأهدافها؟ وما فائدة الإسلام من دولة علمانية اشتراكية؟ وما فائدة المسلمين من ذلك؟ إذ سوف يستبدلون السيف الأثيوبي بالسيف الشيوعي أو الاشتراكي.
النتيجة الحتمية:
وكان من نتائج هذا كله، وبعد سبعة عشر عاما من الثورة المسلحة وبعد سبعين ألف شهيد ونصف مليون لاجئ، إنها طعنت من حيث آمنت وضربت من حيث ظنت النصر، ففي زمن هيلاسلاسي كانت تضرب من المعسكر الغربي، والآن في زمن منغستو الذي استبدل بالمساعدات الأمريكية مساعدات شيوعية مادية وبشرية آتية من كوبا وروسيا وألمانيا الشرقية وحتى اليمن الجنوبية الشعبية العربية وغيرها. ويتم ذلك على مرأى من الدول العربية والعالم أجمع.
وهكذا لم تستفد الثورة الإرتيرية من التخلي عن هويتها الإسلامية الأصيلة واستبدالها بهوية أخرى قومية أو اشتراكية أو غير ذلك.
وليس هذا الموقف العدائي الذي وقفه كل من الشرق الشيوعي والغرب الصليبي، والصهيونية مع هذا وذاك ضد الثورة الإرتيرية لا لشيء إلا لأنها ثورة شعب مسلم. في قوته قوة للإسلام وهذا أمر لا يريده شرق ولا غرب ولا يهود، وهذا جعل التركيز عليها شديدا، الأمر الذي جعل الثورة الإرتيرية يتجاذبها اتجاهات عدة شيوعية وصليبية وقومية وأخيرًا الإسلام.
الإسلاميون وجبهات الثورة.
إن الجبهات الثلاث - على اختلافها متفقة على العلمانية، والعلمانية تعني الدولة اللادينية، وفي هذا كما لا يخفى ضرر كبير على الإسلام والمسلمين الذين صاروا بين نارين:
نار الإثيوبيين من أمامهم ونار إخوانهم الإرتيريين من خلفهم والذين لم يتورعوا أن يستخدموا شتى أنواع المضايقات لهؤلاء الإسلاميين حتى السجن والاغتيال وقد صرح بذلك عثمان صالح سبي حديثًا لمجلة الدستور. وهؤلاء الإسلاميون إنما يعوزهم قيادة إسلامية تعضدهم وتؤيدهم وتحميهم، وهذا لا يمكن إلا إذا أصرت الدول الإسلامية أو المنظمات الإسلامية على ذلك كل الإصرار.
كلمة مخلصة إلى الثوار الإرتيريين
أيها الثوار، لقد انطلقتم في ثورتكم هذه تريدون التحرر والاستقلال وكان عليكم أن تعلنوها ثورة إسلامية خالصة، إلا أنكم خشيتم أن يتهمكم الناس - والله أحق أن تخشوه - بالطائفية أو الرجعية أو غير ذلك، وخشيتم أن يمنعوكم من المساعدة وألا يقفوا معكم في معركتكم فيطول بكم طريق الكفاح ويبتعد عنكم النصر فماذا جنيتم؟ ولم تجنوا سوى انتصارات مبدئية ثم تفرقة وجمود وابتعاد عن النصر وحرب مسلطة عليكم من غرب ثم من شرق الذي حرصتم على إرضائه. لقد اشتريتم رضى الناس برضى الله فسخط الله عليكم وأسخط عليكم الناس.
أيها الثوار أعلموا أن العداوة آتية إليكم من الشرق والغرب واليهود على سواء لسبب واحد وهو أنكم مسلمون، لذلك لم يبق أمامكم سوى العودة إلى الله والتمسك بحبله وإعلاء كلمته ولا يهمنكم ما تلاقونه في سبيل ذلك من انقطاع مساعدات ومن انقضاض نصاری، فهؤلاء لن يزيدوكم إلا ضعفا واعتمدوا بعد الله على أنفسكم أولًا وعلى إخوانكم المسلمين في جميع أنحاء الأرض، فإنهم لن يبخلوا ـ إذا وجدوكم قد أعلنتموها ثورة إسلامية خالصة وليكن شعاركم دائما: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: 7). و - ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾. (الأنفال: 10).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل