العنوان المدارس الأهلية في ماليزيا.. ودورها الحضاري في بناء الهوية الإسلامية لشعب الملايو (٢).. تطور رغم التحديات
الكاتب د. نورالله كورت
تاريخ النشر السبت 17-نوفمبر-2012
مشاهدات 72
نشر في العدد 2027
نشر في الصفحة 34
السبت 17-نوفمبر-2012
- في عام ١٩٩٥م تأسس مركز خاص لتطوير المدارس الأهلية في «كلنتان» فبدأت تستعيد دورها الحضاري واعترفت الحكومة بشهاداتها وسمحت بتعيين الخريجين.
- لم يمثل ظهور نظام التعليم الحديث عبر المدارس الحكومية في «كلنتان» تهديدًا لنظام التعليم التراثي الحلقي الذي لا يزال يحظى بقبول المسلمين والداعين للحفاظ عليه.
بقيت المدارس الدينية التي يتم التدريس فيها باللغة العربية إلى حد كبير موجودة في ماليزيا إلى يومنا هذا، وتشرف عليها مؤسسة الشؤون الإسلامية الكلنتانية (YIK)، وهي الجهة الوحيدة المسؤولة عن التعليم في حكومة الولاية، وقد تشرفت أنا شخصيًا بالعمل فيها مدرسًا للغة العربية والعلوم الإسلامية لمدة خمس سنوات من ۱۹۹۳ إلى ۱۹۹۸م، قبل انتقالي إلى ولاية جوهر باهرو، ثم إلى العاصمة كوالالمبور بنفس الوظيفة مع بعض الترقيات العلمية والأكاديمية ولله الحمد والمنة.
وقد أشرنا في المقال السابق إلى أن بعض المدارس غيرت نظام التعليم التراثي التقليدي إلى نظام التعليم الحديث، ومنها على سبيل المثال:
١ - فوندوق بنوت فايون حيث تغيرت إلى المدرسة الإسلامية عام ١٩٥٨م.
٢ - فوندوق الحاج محمد نور كامفون بوت وتحولت إلى مدرسة سعادة القرآن عام ۱۹۷۰م بالمصطلح المعاصر للمدرسة.
وتجدر الإشارة إلى أن ظهور نظام التعليم الحديث عبر المدارس الحكومية في كلنتان، لم يكن يعني تهديدًا لنظام التعليم التراثي الحلقي أو التلقي التقليدي، والذي كان معمولًا به في المدارس الأهلية، حيث إن النظام التراثي لا يزال قائمًا في المجتمع مما يدل على حيويته وقبوله من قبل المسلمين، بالإضافة إلى وجود الداعين للحفاظ على هذا النظام بشكل فعال إلى اليوم، رغم إدراك بعضهم لتحديات العصر ومتطلبات المجتمع مما أدى بهم إلى قبول مبدأ الجمع بين النظامين في آنٍ واحد في نهاية المطاف، كما هي الحال في كثير من المدارس الأهلية في تركيا اليوم، وهذه خطوة جيدة لابد منها حتى لا تبقى هذه المدارس في ركب الجمود القاتل.
وهكذا استطاعت المدارس الحفاظ عـلـى وجـودهـا رغم التحديات الداخلية والخارجية.
التحدي الأكبر
ولعل أكبر تحدٍ واجه المدارس الأهلية في الآونة الأخيرة في ماليزيا عدم اهتمام الحكومات المركزية أو المحلية بها على الوجه المطلوب، مما ترك أثرًا سلبيًا لدى المجتمع نحو المدارس الأهلية، وأضعف الرغبة في الالتحاق بها، حيث كثيرًا ما لا يجد المتخرج منها عملًا في وقت تزداد فيه تحديات العصر التكنولوجية من جانب، وتحديات المعيشة من جانب آخر، وهناك تحد آخر لا يقل أهمية وهو عدم وجود الشخصية المناسبة التي يمكن أن تخلف الشيخ المؤسس بعد وفاته.
ورغم تلك التحديات، فإن هناك بعض المدارس الأهلية لم تستسلم للواقع، ولم ترضخ للتحديات الداخلية والخارجية على حد سواء، ونجحت في جذب الطلاب والطالبات، واستمرت في مواصلة تطورها وتقدمها بالطرق التقليدية، مثل:
1- فوندوق تروسـان فـاسـر تومبوه «Pondok Terusan Pasir Tumbuh التي تأسست عام ١٩٤٥م.
٢ - فوندوق لوبوك تاباه Pondok Lubuk Tapah»»
٣- فوندوق سوناي دوريان «Pondok Sungai Durian»
فما زالت في طليعة المدارس الأهلية التي يرغب أبناء المجتمع الكلنتاني وغير الكلنتاني للدراسة فيها.
وفي عام ١٩٩٥م وباهتمام خاص، وجهود شخصية من قبل العالم الفاضل الحاج نك عبد العزيز بن نك مات رئيس حكومة كلنتان من ۱۹۹۱م وإلى اليوم، تأسس مركز خاص لتطوير ونهوض المدارس الأهلية في كلنتان تحت اسم «Pusat Pembangunan Pondok Berhad PPPB». وبفضل الله ثم جهود هذا المركز، وبإشراف مباشر من رئيس حكومة كلنتان تطورت المدارس الأهلية في الولاية بشكل كبير، وبدأت تستعيد دورها القيادي والحضاري، كما أن الحكومة أدركت وجوب الاعتراف بالإجازات العلمية التي يحصل عليها خريجو هذه المدارس، وتعيينهم في المؤسسات الحكومية وغير الحكومية في القطاع الخاص، وذلك إسهاما منها في تطويرها ومساعدتها على القيام بدورها الحضاري.
- توان كورو الحاج مصطفى بن الحاج أبو بكر
ولد الحاج مصطفى عام ۱۹۲۰ أو ۱۹۲۱م في بيت متواضع يسوده العلم والتقوى والورع والزهد في الدنيا والطمع في الآخرة من أب معروف بالعلم تلقى أبوه يرحمه الله العلوم الشرعية بالإضافة إلى علوم الآلة مثل: الصرف والنحو والبلاغة والمنطق وغيرها في مكة المكرمة على يد العالم الكبير توء صريديك.
وتلقى تعليمه الابتدائي على يد والده الحاج أبو بكر، وفي عام ۱۹۳۰م التحق بالمدرسة الابتدائية الملاوية في مدينة كوتا باهرو عاصمة كلنتان، ثم واصل دراسته على نظام التلقي في فوندوق توء كنالي لمدة ثلاث سنوات، وفي عام ١٩٤٠م التحق بفوندوق توان كورو الحاج علي صلاح الدين ابن أوان ودرس فيها لمدة ثلاث سنوات ونصف السنة، وفي عام ١٩٤٣م انتقل إلى فوندوق بنوت فايون، بعد ذلك واصل دراسته في مكة المكرمة لمدة ثلاث سنوات وثمانية أشهر ما بين عام ١٩٥٠م - ١٩٥٣م، ثم رجع إلى مسقط رأسه وواصل التدريس مع والده وعمه الحاج يزيد بن الحاج يعقوب بن عبد الغني في مدرسة أبيه، كما ساهم مع عمه الحاج يزيد، وأهل قريته بعد وفاة أبيه في بناء المدرسة الدينية البكرية «Al-Madrasah ad-Diniah al-Bakriah» نسبة إلى أبيه أبي بكر، وتوفي في 19 أبريل ١٩٨٤م.
وأشهر شيوخه: الحاج أحمد بن الحاج محمد يوسف المعروف بـ توء بنكوك، والحاج محمد جبين ابن عم توء كنالي، وإسماعيل فرول، والحاج صلاح الدين بن أوان، والحاج عبد الله طاهر، والحاج يعقوب كلون، والحاج شهاب الدين الماندلي، وكلهم يلقبون باللغة الماليزية توان كورو أي العالم الكبير.
ومن شيوخه أيضًا المفتي الحاج محمد نور بن إبراهيم «مفتي كلنتان»، والشيخ داود سليمان الكلنتاني، والشيخ عبد القادر الماندلي، والشيخ سيد أمين الكتبي، والشيخ ياسين الفنادي والشيخ إسماعيل كوبان مالي.
أما أشهر تلاميذه فهم عبد اللطيف بن عبد الرحمن، عبد الرحمن بن أوان كجيك، ومحمد بن مات دياه، وغزالي بن الحاج عبد الله، وأوان بن يوسف، وعبد العزيز بن هيتام، وكلهم يحمل لقب «توان كورو الحاج»، ومنهم أيضًا الحاج جعفر بن الحاج محمد، والحاج حسين بن إبراهيم والحاج داود بن يوسف النائب السابق عن دائرة فاسر تومبون كلنتان، وعبد الحي عبد الشكور المحاضر بجامعة ملايا، والنائب طيب عظم الدين.
- توان كورو الحاج عبد العزيز بن الحاج أبو بكر
ولد الحاج عبد العزيز الأخ الشقيق الأصغر للحاج مصطفى بن أبي بكر عام ١٩٢٣م، وتلقى مثل شقيقه تعليمه الابتدائي على يد والده، وفي عام ۱۹۳۰م التحق بالمدرسة الابتدائية الملاوية في مدينة كوتا باهرو عاصمة كلنتان، ثم واصل دراسته على نظام التلقي التراثي في فوندوق توء كنالي لمدة ثلاث سنوات، وفي عام ۱۹٤٠م التحق بفوندوق توان كورو علي صلاح الدين بن أوان، ودرس فيها لمدة ثلاث سنوات ونصف السنة، وفي عام ١٩٤٣م انتقل إلى فوندوق بنوت فايون، ثم واصل دراسته في مكة المكرمة لمدة ثلاث سنوات وثمانية أشهر، ما بين ١٩٥٠ م - ١٩٥٣م.
ومن وصايا أبيه له أيام دراسته في مكة يا بني لن أعتبرك عالمًا إلا بعد أن تقوم بالتدريس في المسجد الحرام، وقد وُفق بالفعل إلى التدريس في المسجد الحرام قبل عودته إلى كلنتان.
وبعد رجوعه إلى مسقط رأسه واصل التدريس مع والده وشقيقه الحاج مصطفى وعمه الحاج يزيد في مدرسة أبيه، كما ساهم في بناء المدرسة الدينية البكرية وتوقف عن التدريس عام ١٩٨٥م بسبب الشلل الذي أصابه، واستمر معه حتى وفاته في ١٧ يونيو ١٩٨٧م.