العنوان أخطاء الحكومة ساهمت في زيادة احتقان الشارع.. أحداث ساحة النخيل ... ضربة قاصمة لعملية الإصلاح في الأردن
الكاتب براء عبدالرحمن
تاريخ النشر السبت 30-يوليو-2011
مشاهدات 78
نشر في العدد 1963
نشر في الصفحة 64
السبت 30-يوليو-2011
- التعامل مع المعارضين بمنطق الانتصار والهزيمة موقف بائس يتناسب مع عصر الثورات العربية
- الملك عبدالله الثاني» رفض اعتداء قوات الأمن على الصحفيين مشددا على أنه « أمر غير مبرر»
- تصريحات « البخيت » و « الساكت استفزت السياسيين والإعلاميين حتى المعروفين بالموالاة للحكومات المتعاقبة
كان يوم 15 يوليو يوماً جديداً آخر تسقط فيه الحكومة الأردنية التي يرأسها د. معروف البخيت في اختبار الإصلاح الذي كلفت به من خلال خطاب التكليف الملكي في شهر فبراير الماضي، وفي ظل أجواء عبر عنها الملك عبد الله الثاني الصحيفة الواشنطن بوست، بقوله إن الربيع العربي منحني فرصة الإصلاح التي كنت أنتظرها منذ 11 عاما، في إشارة منه إلى أن حكومة البخيت، ستشرع بإصلاحات سياسية واقتصادية غير مسبوقة تتواءم ومطالب الشارع الأردني التي ارتفعت بعد الثورات العربية.. ولكن الحكومة ارتكبت سلسلة من الأخطاء التي ساهمت في زيادة احتقان الشارع.
فقد برزت فضيحة تهريب رجل الأعمال الأردني خالد شاهين من قلب السجن إلى بريطانيا وهو محكوم عليه بالسجن بسبب قضايا فساد مالي.. ورغم تشكيل لجنة تحقيق نيابية للبحث في تفاصيل خروجه من السجن، إلا أن نتائج اللجنة كانت بمثابة تبرير للإجراءات القانونية والطبية التي اتخذها المسؤولون وتم بموجبها السماح له بالسفر إلى الخارج في إجازة طبية مفتوحة. وتأتي بعدها فضيحة «تبرئة رئيس الحكومة شخصياً من ملف الكازينو»، رغم أن لجنة التحقيق التي وضعت أعمالها على طاولة السادة النواب قد أقرت بتورطه في هذا الملف، حيث إن الوثيقة التي أعدتها لجنة التحقيق تحدثت عن قضايا ترقى إلى مستوى الفضائح والجرائم، ووثائق حول اختلالات إدارية وتلاعب بالتواريخ وإخفاء الأوراق والاستهتار بمصالح الدولة وبالقرارات السيادية على الرغم من كل ذلك، فقد تم تبرئة البخيت من قبل مجلس النواب فيما قيل إنها مسرحية هزلية ومكشوفة لدى الرأي العام الأردني ثم تأتي بعدها لجنة الحوار الوطني التي تفاءل الأردنيون بتشكيلها لعلها تشكل نقلة نوعية في الحياة السياسية، وتفتح المجال أمام انتقال الأردن إلى دولة ديمقراطية ذات تعددية سياسية، إلا أن مخرجات هذه اللجنة قوبلت بالفتور والتشكيك، وتظهر في الأفق ملامح حملة استباقية لإجهاض مشروع قانون الانتخاب في مهده، يقودها نواب بارزون وشخصيات سياسية بتحريض من مسؤولين كبار .
وجاء يوم الجمعة ١٥ يوليو ليشكل ضربة قاصمة للإصلاح حيث أعلنت حركة شباب ٢٤٠ آذار» نيتها الاعتصام المفتوح في ساحة النخيل وسط البلد بعد تعرّض أعضائها وأنصارها لقمع شديد في اعتصامهم الأول الذي كان في ساحة دوار الداخلية الذي شرعت الحكومة في تخليع أحجارها بحجة تجميل الدوار منعا لإعادة شباب ٢٤ آذار الاعتصام فيه.
أجواء الترهيب
وقبيل اعتصام ١٥ يوليو، بدأت الحكومة الأردنية بإشاعة أجواء الترهيب ضد هؤلاء الشبان ووصفهم بأقذع وأشد العبارات وتخوينهم واتهامهم بأنهم أصحاب أجندات خارجية وكانت أقوى التصريحات ما جاء على لسان رئيس الحكومة نفسه «د . معروف البخيت خلال لقاء أجراه مع التلفزيون الأردني قبيل الاعتصام بيوم واحد فقط، اتهم فيها هؤلاء الشباب بأنهم يريدون تحطيم صورة الأردن الخارجية، وتفتيت السلم الاجتماعي، قائلا: إن حكومته ترفض أسلوب التصعيد وتعكير صفو الأمن من خلال الاعتصام المفتوح الذي يهدد أمن البلاد واستقرارها.
وسط أجواء التصعيد من الحكومة وأجهزتها الإعلامية من جهة وإصرار شباب ٢٤ آذار على الاعتصام المفتوح من جهة أخرى بدت البلد وكأنها تتجه نحو ساحة حرب مفتوحة بين الطرفين الحكومة التي تقول : إنها سائرة في طريق الإصلاح والشباب الذين يرون أنه لا نية حقيقية لديها في الإصلاح. وبالفعل، حصل ما كان متوقعاً، فبخروج المسيرة الشبابية التي قدرت بألف مشارك انطلاقا من المسجد الحسيني وسط البلد باتجاه ساحة النخيل وهو المكان المقرر للاعتصام المفتوح كانت قوات الأمن العام وقوات الدرك بانتظارها ليوقعوا أكثر من خمسين إصابة بين المشاركين ذات درجات متفاوتة.. ورغم شدة القمع والضرب الذي واجه هذا الشباب المطالب بالإصلاح إلا أن ذلك كان متوقعا، فالحكومة الأردنية صرحت بأنها جاهزة لاستخدام جميع الوسائل لمنع المتظاهرين من التخييم، ولكن المفاجئ وغير المتوقع والمثير للاستغراب هو الاعتداء على الصحفيين الذين حضروا بكثافة لتغطية الحدث بوحشية غير مبررة وكأنهم هم المسؤولون عن المسيرات والاعتصامات التي تطالب بالإصلاح لقد كان يوما أسود في تاريخ الإعلام الأردني، تعرّض فيه الإعلاميون والصحفيون للضرب المبرح والاعتداء والتنكيل بشكل مؤسف، فقد تعرّض سامي المحاسنة الصحفي في جريدة «العرب اليوم للضرب والتكسير وتهشيم الوجه، وكان أكثر من ناله نصيب من الضرب والتنكيل .. إضافة إلى العديد من الصحفيين منهم ياسر أبو هلالة مدير مكتب قناة «الجزيرة»، و«أنس ضمرة مراسل وكالة عمون»، وصحفيون آخرون.
مكابرة ثم تراجع
كان يمكن للمسيرة أن تمر بسلام وكان يمكن للأجهزة الأمنية أن تفض الاعتصام بطريقة مناسبة مستفيدة من أخطاء فض الاعتصام السابق في ٢٤ مارس الماضي، خصوصا وأن هناك من عوّل في الأوساط السياسية على أن وجود مازن الساكت على رأس وزارة الداخلية - وهو الشخصية القومية ذات الماضي المعارض - يمكن أن تلعب دورا إيجابيا، لكنه ظهر بصورة متشددة؛ حيث أعلن في مؤتمر صحفي تحمله المسؤولية الكاملة عن ضرب المعتصمين، وأنه هو الذي أعطى الأوامر بالضرب.
وفي تبرير له عن سبب ضرب الصحفيين- وليته بقي ساكتا- طالب الساكت الصحفيين بتحديد موقفهم: إما أن يكونوا متظاهرين أو يكونوا صحفيين، في إشارة إلى مشاركة بعضهم في المسيرة وزاد الطين بلة التصريحات التي أطلقها «البخيت» في حضرة رئيس وأعضاء مجلس الأعيان التي وصف فيها أحداث «ساحة النخيل بالهزيمة السياسية والتاريخية «لمن أرادوا إظهار الأردن بأنه بلد غير مستقر، على حد تعبيره!
هذه التصريحات من قبل رئيس الوزراء ووزير داخليته استفزت الأوساط السياسية والإعلامية الأردنية، وخصوصاً الصحفيين بمن فيهم المعروفون بموالاتهم الدائمة أو الغالبة للحكومات الأردنية المتعاقبة؛ إذ لا يمكن تبرير ضرب أي صحفي بأي حجة كانت، كما أن التعامل مع المعارضين بمنطق الانتصار والهزيمة هو موقف بائس لا ينتمي إلى عصر الثورات العربية التي أطاحت بأشد وأعتى النظم الاستبدادية.
لجنة تحقيق
الغريب أن مدير الأمن العام الفريق الركن حسين المجالي كان أكثر تقدمية، وحكمة من مسؤوليه المباشرين (وزير الداخلية ورئيس الوزراء؛ حيث شكل لجنة تحقيق ظهرت نتائجها بسرعة قياسية، خلصت إلى تحميل عناصر الشرطة المسؤولية الكاملة عما حدث.
كما سارع الملك عبدالله الثاني - فور عودته من زيارة إلى الولايات المتحدة الأمريكية - إلى استقبال نقيب الصحفيين الأردنيين «طارق المومني، ورفض ما تعرّض له الصحفيون، مشددا على أنه أمر غير مبرر ولا يمثل نهج الأمن العام. الدرس الذي يرى كثير من السياسيين أن الحكومة عليها استخلاصه، أن عملية «الإصلاح» خيار لا رجعة عنه على الإطلاق وأن محاولات الالتفاف على هذه العملية بإجراءات شكلية» أو «ديكورية لن تنجي الأردن من عاصفة الثورات التي أشعلت المنطقة، وأن طوق النجاة من هذه العاصفة إنما يكمن في عملية إصلاح حقيقي وجوهري ينقل الأردن إلى مصاف الدول الديمقراطية الحقيقية، ويعطيها «المناعة الكافية لمواجهة الأزمات التي تداهمها وتواجهها .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل