; شاعر الملاحم الإسلامية «كامل أمين» في حوار مع «المجتمع»: الملاحم الإسلامية تبنى على المعجزات لا على الأساطير | مجلة المجتمع

العنوان شاعر الملاحم الإسلامية «كامل أمين» في حوار مع «المجتمع»: الملاحم الإسلامية تبنى على المعجزات لا على الأساطير

الكاتب د. محمود خليل

تاريخ النشر الثلاثاء 20-أبريل-1993

مشاهدات 55

نشر في العدد 1046

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 20-أبريل-1993

·       لا يوجد الآن من يكتب الملحمة الإسلامية.

·       أنا أتقرب إلى الله بكل ما كتبت من ملاحم أو قصائد، وتلك غاية الأدب الإسلامي الرفيع.

شاعر الملاحم الإسلامية «كامل أمين» (78 سنة) يقف علامة بارزة ومتفردة في تاريخ الشعر العربي، ذلك لأنه الشاعر الوحيد الذي أبدع الملحمة الشعرية الإسلامية بمعناها المتكامل وحبكتها الفنية، وخيوطها الدرامية التي تنطق بالموهبة التي لا تبارى، والنفس الشعري الذي لا يجارى. أثرى كامل أمين المكتبة الشعرية بخمسة دواوين وأربع ملاحم ومسرحية شعرية واحدة، وتقف في مقدمة هذه الأعمال الضخمة ملحمة «عين جالوت» التي أبدعها ما بين معتقل «القلعة وطرة» بمصر، والتي تبلغ عشرين ألف بيت من الشعر، ثم الملاحم الخالدة «السموات السبع»، و«القادسية» و«الملحمة المحمدية»، وهو الآن متفرغ من قبل وزارة الثقافة المصرية لبعض الأعمال الأدبية الهامة.

ورغم السن المتقدمة للشاعر الكبير، فهو لا يزال في القمة من عطائه، وقد حصلت «المجتمع» على آخر ما خطه قلمه منذ لحظات، وعلى قلة حديثه، كان لنا معه هذا الحوار:

معجزات لا أساطير

المجتمع: أستاذ كامل (بصوت مرتفع حتى يتمكن من سماع الصوت)، ما الملحمة الشعرية؟ وما الملحمة الإسلامية على وجه التحديد؟

كامل أمين: الملحمة الشعرية هي رواية من الألف إلى الياء بكل ما يتضمنه فن الرواية من أسس ومضامين وقواعد، ولكن لأن الملحمة قد نقلت عن الإغريق واليونان، فقد سيطر على الجميع أن الملحمة لابد أن تتضمن الأسطورة أو الخرافة كما في الملاحم اليونانية «كالإلياذة لهوميروس»، لكن الملحمة الإسلامية تختلف تمامًا عن ذلك؛ لأن الإسلام لا يحتوي على خرافات أو أساطير أو أكاذيب، إنما يحتوي على المعجزات الخارقة التي تفوق الأساطير؛ فليس في الإسلام نصف إله، أو ربع إله، أو إله للريح، أو إله للبحر، أو أي شيء من هذا الخبل والهراء. أمامك في الإسلام المعجزات المعجزة.. وأنا على سبيل المثال قد عالجت معجزة «نهر المياه» الذي تفجر للمجاهدين المسلمين وهم بصحراء «الدهناء»، وكانت هذه المشاهد من أروع ما كتب في ملحمة القادسية.

أنت تقول لي: اقتل نفسك

المجتمع: ولكن ألا ترى أن الشعر العمودي المقفى يقف حائلًا دون الانطلاق في هذه التجارب الضخمة؟

(وكان هذا السؤال كافيًا لثورة الرجل ثورة عارمة، فصرخ في وجهي).

كامل أمين: عيب أن تسألني هذا السؤال! أنت الآن تقول لي «اقتل نفسك!». إذا كان هذا الشعر الرصين الخالد يعتبر عائقًا، فكيف إذن خرجت كل هذه الأعمال التي أبدعتها؟ يا أخي، حجج العجزة لا يجب أن يرجم بها الأصحاء. وقديمًا قال المتنبي:

وقد رأيت مجال القول ذا سعة          فإن وجدت لسانًا قائلًا فقل

وقلت أنا أيضًا:

لكل سيف مدى كالعمر يحطمه         إلا المواهب لا يبلى لها قلم

إما شعر أو لا شعر

المجتمع: أقصد أن الشعر الحديث يتيح الفرصة بصورة أكبر للتحرك الدرامي والحيوية التي تتطلبها أحداث النص، خاصة في الأعمال التي تحتاج إلى تعدد الأصوات والأحداث؟

كامل أمين: لماذا يا سيدي تصر على إيذائي؟ كل أدب وكل فن له أصول وله التزام معين، تريد الحركة والدراما وحيوية الأحداث إليك هذا المشهد من مسرحية «مصرع كليوباترا» لأمير الشعراء «شوقي» حين يخاطب «أنطونيو» «أروس».. مع مآخذي الإسلامية عليه (وانطلق الشاعر الطاعن في السن، الموغل في الموهبة، يسمعني وكأنه يقرأ من ديوان مفتوح):

أنطونيو:

أروس: أرى الدنيا بعيني أظلمت        وكانت قديمًا كالصباح المنور

وضاقت بي الأرض الفضاء فكلها      سبيل طريد ضائع الدم مهدر

إلى أن يقول:

فمالت بنا الدنيا فصرنا بموقف          شديد على الأبطال بالذل مشعر

فكيف مقامي يا أروس على الأذى      وصبري على العيش الذليل المكدر؟

أروس أنا الأعمى وأنت هو العصا      فخذ بزمام العاجز المتحير

أروس:

أرى ما يراه العاجزون إذا جرى          على النفس محتوم القضاء المقدر

أنطونيو:

وماذا يقول العاجزون إذا ابتلوا؟        

أروس:

يقولون حكم الله يا نفس فاصبري

أنطونيو:

أروس ألم تفهم؟ هو الذل فاشفني       بضربة سيف أو بطعنة خنجر

فإنك حر إن فعلت وفائز               بسيفي وأثوابي ودرعي ومغفري

أروس:

معاذ خلال البر! مولاي أعفني          فليس يدي تقوى ولا السيف يجتري

وأنت الذي لو بيع بالروح وده           ومالي سوى روحي تقدمت أشتري

لآلهة الرومان أشكوك قيصري          ظلمت فلم تنصف ولائي وتقدر

أتجعل في الميزان حبي وطاعتي        وشتى عروض من ثياب وجوهر

لقد جاد لي بالسيف والدرع قيصري (يقتل نفسه بخنجره)

                                      وجدت بأيام الحياة لقيصر

أنطونيو:

أروس عفوًا قد ذهبت ضحية           وجنى عليك ترددي الممقوت

فعلمت مني كيف يجبن قيصر         وعلمت منك العبد كيف يموت

(يطعن أنطونيو نفسه، ويسقط على الأرض جريحًا)

ثم يبتسم الشاعر الكبير كامل أمين قائلًا: هل بعد هذا الذي سمعت من دراما؟ وهل بعد هذا من شعر؟ وهل ترى في الحركة جمودًا أو خمولًا؟ يا سيدي، إما هناك شعر أو لا شعر، ويجب أن نسمي الأشياء بمسمياتها.. أنا يا سيدي محام أدافع عن الشعر الأصيل، دفاعي عن أي قضية أؤمن بها وأتبناها.

الشهنامة الإسلامية

المجتمع: أستاذ كامل، الملحمة الإسلامية التي أخرجها «أحمد محرم» والملحمة التي أبدعها «كامل أمين»، ما الفرق بينهما؟ وما هو مستقبل الملحمة الشعرية الإسلامية في ظل تجربتكم؟

كامل أمين: يؤسفني أن أقول لك إن «أحمد محرم» لم يخرج لنا ملحمة إسلامية. إن ملحمة أخي أحمد محرم عبارة عن مجموعة قصائد في مناسبات إسلامية مختلفة، ولا تجمعها مطلقًا وحدة العمل الملحمي ولا مقوماته، وهذا لا خلاف فيه مطلقًا بيني وبين أي قارئ لملحمة محرم، ودون فخر، والحمد لله والفضل والمنة له سبحانه وتعالى، لا يوجد من يكتب الملحمة الشعرية غيري، وتستطيع أن تسأل شيخ النقاد في هذا العصر د. شوقي ضيف، الذي قال عن ملحمة «عين جالوت» إنها «الشهنامة» المصرية. والآن يجري إعداد رسالة دكتوراه من الباحث «صلاح مناع» بكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر بأسيوط حول شعر الملاحم عندي، وسوف تصحح هذه الرسالة الكثير من المسلمات الخاطئة للنقد الأدبي.

على باب السلام

المجتمع: الملحمة المحمدية، هذا العمل المتفرد في الأدب الإسلامي، نريد أن نتعرف على ظروف كتابته؟

كامل أمين: كنت -والحمد لله- أؤدي فريضة الحج سنة 1980، وعقب الحج ذهبت إلى زيارة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وكنت أتمنى أن يمن الله علي بعمل ينضر وجهي عندما ألقى الحبيب محمدًا -صلى الله عليه وسلم- فوجدتني وأنا داخل من باب السلام أقول:

سلام على باب السلام ومن به         ومن فيه صلى أو دعا أو تهجدا

وإني على دين النبي محمد             أموت وأحيا مسلمًا وموحدا

ولم أتوقف عن الكتابة مطلقًا حتى وصلت هذه الملحمة المحمدية إلى (2000) ألفي بيت من بحر واحد وقافية واحدة. ثم يتساءل شاعرنا مستنكرًا: تقول لي بعد ذلك أن الشعر الأصيل قيد على الإبداع؟ هنا أقول لك بكل قوة: هنا قف!

المجتمع: ما مساهمتكم في ميدان الأدب الإسلامي على مستوى الأعمال المنظمة؟

كامل أمين: يا سيدي، أنا طوال عمري أؤمن بالعمل الذي سألقى به ربي عندما يسألني عما وهبني إياه: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة: 105). ربما يكون غيري موهوبًا في الأعمال التنظيمية، أما أنا فسوف أذهب إليه -جل وعلا- بكل ما كتبت، وأسأله -سبحانه وتعالى- أن يتجاوز عني، وأن يبيض صفحتي، وأن ينضر وجهي.

عائدون وعائدون

المجتمع: الشاعر الكبير «كامل أمين»، ما أوجع الأبيات التي أبدعتها ولا تبارح ذاكرتك؟

كامل أمين: نعم، هناك أبيات أليمة؛ عندما عدت وإخواني من الجهاد بفلسطين (1936-1948) وكنا نجاهد اليهود، عدت إلى غرفتي المجهولة على سطوح أحد المنازل البالية، وكانت الغرفة «مكتومة» بخيوط العنكبوت والظلام الموحش ووحل الشتاء يكاد يأكلني.. عدت في ليلة قارسة البرد من ليالي الشتاء، وعدت ماشيًا من فلسطين إلى القاهرة، لم يأبه بي أحد، اللهم إلا كلاب الحي، ومرت الأيام، وجاءت «النكسات الناصرية»، وعاد جنودنا المغلوبون على أمرهم من اليمن بعد سفك الدماء العربية بالأيدي العربية لحساب الصهيونية العالمية، فانتفضت وسائل الإعلام المصري في حملة كذوب مرحبة بالعائدين من ساحات الجهاد: «بالورود والرياحين نستقبل العائدين». تذكرت حالي الأول وذلك بعد مرور 13 سنة، فكتبت قصيدة «العائدون من الحرب» ومنها:

أيام أهملني قومي وليس معي           غير الجراح وهذا الصارم النابي

لا فرق بيني وبين العائدين سوى        أني سبقتهم وهم ساروا بأعقابي

الورد طوقهم، والهم طوقني             والمجد كللهم والدهر أذرى بي

ما كنت يا مصر للأبطال من وطن     بل كنت يا مصر في فوضاك كالغاب

كان اليهود أمامي والسلاح بكـ          ـــــفي فاسدًا وورائي حقد أحزاب

إلى أن قلت:

رجعت في ليلة ليلاء ممطرة            أكبو على وحلها في حظي الكابي

وقابلتني كلاب الحي تنبحني           كلب يزوم، وكلب شبه مرتاب

وكنت أعرفها يومًا وتعرفني             أيام كانت تلقى بر أعتابي

حتى تذكرت المعروف فاعتدلت         لي واستحقت عن الإنسان إعجابي

لا زغردت لي لما عدت والدتي         ولا وجدت حفيًا بي لدى الباب

فتحته فإذا بالغرفة انتفضت             من الظلام بصمت هز أعصابي

حتى التراب وحتى العنكبوت هوى       عليّ يحضن كالمجنون أثوابي

أزحته مشمئزًا وهو يحضنني            ولم أبادله ترحابًا بترحاب

ما كنت أعلم لما كنت أنفضه           أنى نفضت يدي من كل أحبابي

المجتمع: لكل شاعر فلسفة معينة لحياته، فما هي فلسفة الشاعر الكبير كامل أمين الخاصة به؟

كامل أمين: فلسفتي لحياتي كتبتها من قديم في بيتين من الشعر:

أجتاز كالتيه في أهلي وفي وطني       عمرًا من الحزن طالت فيه أسفاري

مهاجر وبلادي تحت راحلتي           ولاجئ، رغم أنى صاحب الدار

المجتمع: آخر أشعاركم؟

كامل أمين: ذلك الهم الإسلامي الموجع.. الجرح القاتل.. البوسنة والهرسك.. وهذه هي القصيدة التي أكتبها الآن:

لا تحسبوا في البوسنة إلا سلاما        والهرسك اليوم انتهى بل داما

مهما تمادى الصرب في إجرامهم       وتوهموا في وأده الأوهاما

لابد للطاغوت من يوم يرى             فيه دماء الأبرياء ضراما

مسخًا تطارده العدالة إن صحا          وتروعه أرواحهم إن ناما

ومن ارتضى الإسلام دين البوسنة       لابد من أن ينصر الإسلاما

وبعد، فهذه دعوة مفتوحة لإعادة النظر في تاريخ هذا الشاعر الكبير المعطاء، عسى أن يرفع عنه بعض الحيف، وتعتدل بعض الموازين في مسيرة النقد الأدبي العادل.

____________________

اعتقل الشاعر كامل أمين في الفترة من 1967 حتى 1970، لآرائه في ذلك العهد.

اقرأ أيضًا:

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

206

الثلاثاء 24-مارس-1970

إلى الأمهات المسلمات

نشر في العدد 4

559

الثلاثاء 07-أبريل-1970

السّطور الخضر

نشر في العدد 2121

104

الأحد 01-يوليو-2018

حُداءُ الشِّعْرِ محمودُ