; شبابنا والصيف | مجلة المجتمع

العنوان شبابنا والصيف

الكاتب الشيخ معوض عوض إبراهيم

تاريخ النشر الثلاثاء 25-أغسطس-1981

مشاهدات 64

نشر في العدد 540

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 25-أغسطس-1981

أظلنا الصيف وهو فصل من فصول العام الأربعة، ولكل فصل خصيصته، وخصيصة الصيف الحرارة التي تعنف في بعض أقطارنا وتلطف وتشتد وتلين، فترينا وجهًا من وجوه قدرة الله ورحمته وحكمته فهو سبحانه يسيركم في البر والبحر، ويعلم من خلق وما يصلحهم﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الملك: 14)، وقال تعالى﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (آل عمران:190)، وقد ألهمنا الله الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى وعلمنا كيف نأخذ من الحرارة ما ينفع، وكيف نتقي ما وراء ذلك بحوافظ ووسائل وآلات هي في متناول الأحياء كلًا أو بعضًا، ولله الفضل والمنة.

وحديثي ليس عن الجو في الصيف الذي غشينا من شتى جوانبنا، ولكني ألحظ جانبًا مضيعًا، أهدرناه آباء وأبناء في واقعنا وفي كل بيت من بيوتنا، فما منا من أحد إلا وقد انتهى أبناؤه وأحفاده بنين وبنات- من عام دراسي، كانوا فيه على مستوى طلب العلم والإقبال الجاد عليه والتجرد الصادق له، والتشمير في مرحلة بناء الذات، وانتقاء لبنات المستقبل- أو هكذا ينبغي أن تكون ناشئتنا المؤملة للدين والدنيا على السواء- لقد انتهى العام الدراسي، وآن لأبنائنا وبناتنا أن يأخذوا لأنفسهم جوًا آخر فيه شيء من اللهو المشروع، والمرح المباح، والانطلاق الذي يخالطه علمهم بأن الله يرحم ويسمع سرهم ونجواهم﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ (سورة الحديد: 4).

﴿سَوَاءٌ مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ (الرعد: 10).

﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ۚ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ (يونس: 61).

إن من حق شبابنا أن يريحوا أجسامهم من كلل عمل اتصل، وسهر طال، ويجمعوا عقولهم من تفكير تتابع، وتعميق لمعارف وعلوم هي أعود بالخير عليهم -عدا- من ثروات الآباء، وأحساب الجدود، فهل يغدو ويروح ويبدده الحمقى في عشية أو ضحاها، وينمو العلم كما ينمو النبات ويؤتي أطيب الثمار، وهو يحفظ الدين، ويحرس المال، ويصحح التصرفات والأعمال، ويصنع المجد، ويثري الحياة بالصالحات: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (المجادلة: 11).

والإسلام يعتبر الرياضات البدنية، والسير في الأرض، واستلهام الآثار ما تحمل من أسرار وأخبار في القرآن الكريم، والرمي والعدو والسياحة بآدابها التي لا تغيب عنها مراقبة الله وخشيته سبحانه كما تطالعنا في سنة النبي- صلى الله عليه وسلم- وسيرته، وتاريخ حياة الذين تخرجوا في مدرسة الوطن، من الرياضات البدنية التي مارسها المسلمون في إعصار وأمصار وعادت عليهم بعوائد وفوائد منها نماء أجسامهم بقدر نماء أرواحهم وارتباط بعضهم ببعض لا على النحو من العصبية التي اقترنت بكرة القدم إلى المدى الذي انجر إلى البيوت.

واختلف الوالد مع الولد، وعاديا الأم والبنت، وتعادتا لأن هوى هذه مع ذلك الفريق الذي تؤيد غيره الأخرى! ولقد صارع النبي صلى الله عليه وسلم ركانةَ مصارع العرب يومئذ- بلغة العصر- وصرعه النبي أول الأمر، ثم دعاه ركانة إلى جولة أخرى فصرعه النبي فيها، وكان ذلك طريق ركانة إلى الإسلام..

لكننا نرى الثيران البشرية تتصارع في أجهزة التلفزيون على نحو من انعدام الإنسانية، وبصور من التكشف لا ينبغي أن تكون في متناول النساء والرجال وأعين الأطفال المولعين بالتقليد.. ولقد أعطت بعض المدارس والجامعات أبناءنا وبناتنا مفاتيح خزائن المعرفة الهادئة، والمصابيح المبددة لفواشي الجهالة، الهادية إلى سبل العلم النافع الذي نوه به النبي- صلى الله عليه وسلم- وهو يتعوذ بالله تعالى من علم لا ينفع وقلب لا يخشع ونفس لا تشبع ودعاء لا يسمع، والذي أوجب الله على مصطفاه أن يسأله مولاه فقال﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (طه: 114).

وامتن سبحانه على رسوله- صلى الله عليه وسلم- فقال﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ (النساء: 113).

وأدعو الآباء والمصلحين أن يقبلوا على التزود من العلم وشحذ الأذهان للاستيعاب والفهم، ويستفيدوا من فرصة الصيف، وأن يقسم لذلك شبابنا نصيبًا من فراغ إن ضاع في التفاهات والتسكع في الطرقات والترف القاتل، والسرف في تبديد الوقت في غير طائل، خسروا الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين ويرحم الله أحمد شوقي فلقد نصح وبر وهو يقول:

دقات قلب المرء قائلة له

إن الحياة دقائق وثواني

فارفع لنفسك بعد موتك ذكرها

فالذكر للإنسان عمر ثاني

وسبيل ذلك العمل الباني، والحرص على معالي الأمور، واكتساب الفضائل بكل ما نملك من إمكانيات، وصدق الله العظيم﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (البقرة: 148).

وقد يفيد شبابنا المرجى مثل بائع الثلج في يوم صائف شديد الحرارة حين لم يتقدم إليه مشتر فنادى ”أيها الناس ارحموا من يذوب رأس ماله”!

إن أبناءنا فلذات أكبادنا، وودائع الله تعالى عندنا، وهم الرصيد المدخر الذي يواتينا أحوج ما تكون إليه في خريف حياتنا، وهم الأيدي الأمينة والسواعد القوية، والأعين الساهرة من حول مقدسات بينهم وأوطانهم.. ولن يكونوا من ذلك في شيء حتى نبادر فنبصرهم بقيمة الوقت ونذكرهم بمثل قول الله تعالى﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (الحشر: 18).

وتؤكد لهم أن الحاضر هو نسيج المستقبل، وأن أعمالهم هي غراس أرض الواقع، وحصادها من جنيها لا محالة﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (الكهف: 49).

إذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصدًا

ندمت على التفريط في زمن البذر

وفي الناس موتى قلوب، يمارسون الحياة بغفلة واستهانة ويقولون مع القائل «ولك الساعة التي أنت فيها»!! إنهم عبيد ذوات، وأسرى شهوات، لا نود أن يكون شبابنا منهم ولا قلامة ظفر، وأن يأخذوا لأنفسهم المثل من شباب الإسلام في عصور الخير، ومن شباب الجماعات الإسلامية في أقطار وديار وهم يرفعون رؤوسنا بفهمهم للدين، وحرصهم على ما يحب الله ورسوله، ومواجهتهم القاهرة للمبادئ الوافدة، والأفكار الهادمة والسلطان المتطاول على الإسلام.. وبورك في الشباب الطامحين.

الرابط المختصر :