العنوان شباب مصر النبات الطيب.. رغم الرياح اللافحة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 21-نوفمبر-1972
مشاهدات 84
نشر في العدد 126
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 21-نوفمبر-1972
لا تحاولوا عرقلة المسيرة.. ولكم في تجاربكم عبرة!!
في مؤتمره الذي انعقد في الأسبوع الثاني من أكتوبر الماضي، اتخذ اتحاد طلبة جامعة القاهرة قرارًا راشدًا؛ يتوهج بالمسؤولية والوعي والجدية.
القرار يطالب بتدريس مادة التربية الدينية في الكليات بجميع السنوات الدراسية، وإنشاء جماعات دينية باسم «شباب الإسلام» للقيام بأبحاث ودراسات عن النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الإسلام.
وكتب الأستاذ عبد المنعم خلاف تعليقًا مستنيرًا وحارًا- في أهرام ۲۹ رمضان- على هذا القرار، واقترح على وزارتي التعليم العالي والشباب عقد مؤتمر على مستوى رفيع يحول هذا القرار الشاب إلى عمل منظم جدي.
- والغبطة بهذا الاتجاه النبيل تملأ الجوانح، وتفعم الأعماق بمزيد من التهليل والتفاؤل.
فالعودة العاقلة إلى الإسلام- بعد مسيرة أضناها العذاب- هي عودة الصواب إلى العقل، والحياة إلى الضمير، والضياء إلى البصيرة.
وهى عودة طبيعية، والغريب ألا تكون.
ومع ذلك- مع أنها بديهية ملبية لتطلعات شعبية- ظلت حبيسة ضغوط مفتعلة، فإن دور التحليل له أهميته ومكانته وجدواه، فما من شيء- يتم في دائرة القوانين الطبيعية- إلا وله سبب، وما من ظاهرة إلا ولها ملابسات وقرائن.
- إن الشباب المصري يتلفت يمنة ويسرة، فلا يجد إلا جزءًا من وطنه قد احتل، وربض فوقه- عنوةـ غزاة ظلمة.
والاحتلال له وقعه النفسي الضاري؛ لأنه يطعن عزة الشباب في الصميم، ويرسم أمام الأعين صورة الرجعة المحرجة إلى عهود الاحتلال، ويتحدى القدرة على حل المشكلات الرئيسية.
هذا عن الواقع..
وحين يمد الشباب المصري بصره إلى المستقبل؛ فإنه يفتح عينيه على مخاطر أرسخ عمقًا، وأشد تعقيدًا وتحديًا، فالاحتلال يأخذ صبغة حضارية تتجاوز الهزائم العسكرية إلى السحق الحضاري الكاسح.
وبالإحساس، والفهم الموضوعي، والرؤية السليمة امتلأ روع الشباب المصري-ويقينه- بحقيقة لا يكتنفها ريب.. حقيقة أن هذا الاحتلال أو الغزو الحضاري اليهودى إنما عُبئت كتائبه، ونُظمت صفوفه وزحوفه، وحُددت بواعثه ووسائله وأهدافه بمنطق معتقد ديني مستمد من التوراة مباشرة.
هذا الفهم الموضوعي لطبيعة الاحتلال اليهودي.. ألزم شباب مصر بأن يواجه الخطر الماحق بموقف عقائدي- متكافئ على الأقل- ومن ثم فإن النزوع الجديد إلى الاعتصام بالإسلام إنما هو اختيار رشيد ومسؤول لزاد روحی وأخلاقي ضروري.. في المسيرة الطويلة.
فإذا أضيف: إن الشباب قد أدرك نتيجة الفراغ الروحي الذي تمثل في فشل المقاتل العربي يوم أن دارت معركة يونيو، أدرك في التو مدى أهمية الاعتصام بالعقيدة والإيمان.
ووصل الشباب إلى مرحلة «الاشمئزاز» من مظاهر التبذل والانحلال.
ليس كل الناس هواة للسقوط والانحدار الخلقي.
إن هناك نفوسًا كثيرة تعاف الإسفاف، وتأنف الرضوخ لسلطة النزوات.
وهذه النفوس هي «الضمير الحي» في الأمة، وهي «صحوة العقل» بين جموع المجانين!! وبألف وسيلة حاولوا فرض الانحلال على شباب مصر؛ إتلافًا لخصائصه وطاقاته، وصرفًا له عن قضاياه الحقيقية، وتخديرًا لإرادته ووعيه؛ حتى يبرم مصيره في غيبوبة الانحلال.
ورفض هذه المحاولات اليوم هو رفض للاستخفاف بعقول الشباب، ورفض للسير في طريق سقوط الأمم والشعوب.
والرفض السلبي خطوة معزولة ما لم تقترن بالالتزام الإيجابي البناء، ولقد تمثل هذا الالتزام الإيجابي بالنزوع الجاد والارتباط الوثيق بالوحي الأعلى، وبمحمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام.
وثمة دلالة أخرى في هذه النقطة بالذات وهي: انهيار حجة «دعاة السقوط» سواء في مصر.. أو في العالم العربي- الإسلامي.
إن دعاة السقوط أو فلاسفة التبرير للانحطاط الروحي والخلقي.. يتذرعون دومًا بهذه الحجة: إن الشباب يريد الانحلال، ونحن- هكذا يزعمون- إنما نعبر عن إرادته ورغباته.. فحسب!!
هذا الافتراض قد انهار.
ومن بين صفوف الأجيال الطالعة.. جاءت صيحة الرفض للاتجاه الشرير..
وجاءت الدعوة إلى الالتزام برسالة تملأ الوجدان نورًا وريًا، وتملأ العقل تصورًا وثقافة وفكرًا، وتملأ التطلعات والوقت نشاطًا وحركة وعملاً .
وإن للشباب في غير مصر عبرة.
• ففي الكويت محاولات لتكرار تجربة قديمة.. تعتمد على نفس الافتراض الخاطئ في دفع الشباب إلى الطريق المتلف.
والذين يقومون بهذه المحاولة- كما كان الحال في مصر- يسيئون إلى الشباب مرتين.. مرة في تصور أنه شباب لا هم له ولا قضية سوى الانشغال بسلبيات الحياة وقشورها، ومرة بتحويل هذا التصور إلى واقع يطحن أعصاب الشباب طحنًا قاسيًا.
والأمل معقود على الشباب في التحرر من هذه القيود القديمة التي تحبس طموحه وتسجن اهتمامه في دائرة النزوة وحدها.
ومن الملابسات التي دفعت شباب مصر إلى الاعتصام بدينه وقرآنه.. تلك المحاولات غير العاقلة التي يقوم بها بعض أهل الديانات الأخرى لتحويل الشباب عن دينه.. إلى دین آخر!!
إنه استفزاز صارخ.. يتحدى كل شيء مقدس.
ومما رَوّع الشباب أن التسامح الطيب من جانب الأكثرية المسلمة لم يُقدّر كما ينبغى، بل اُستغل بأسلوب لا يليق.
إن بقاء الأقليات غير المسلمة في مصر أقوى دليل على سعة الأفق وفضيلة التسامح؛ فلو أن مسلمي مصر استعملوا خطة التذويب والاستيعاب لما بقيت هذه الأقليات إلى اليوم.
أليس من المفارقات المروعة حقًا أن تحاول الأقليات استيعاب الأكثرية عن طريق خطة التذويب والاحتواء وبوضوح عن طريق خطـة «التنصير»؟!
إنها مفارقات تدع الحليم في حيرة!
ومن حق الشباب أن يلوذ بعقيدته أمام هذا الاستفزاز.
وإحساس الشباب بضراوة الضغط العالمي على وطنه- مصر- جعله يلجأ بوعي ورغبة إلى من بيده قوی الوجود كله.. إلى الله القوي العزيز.. الكبير المتعال.
إن رسول الله عليه الصلاة والسلام- حين تنكر له الناس- ازداد قربًا من ربه وهتف يدعوه: «إليك أشكو ضعفي وقلة حيلتي وهواني على الناس» إلى آخر الدعاء المبارك.
واللجوء إلى الله والاستعانة به اتجاه ذكي، بعيد النظر، والذين يفعلون ذلك أذكى ملايين المرات من الذين يلوذون بأمريكا، ومن الذين يحتمون بروسيا.
• بيد أنه لا ينبغي القطـع بأن عودة شباب مصر إلى إسلامه كانت رد فعل لهذه العوامل والملابسات.
ولا ينبغي تصور كل حركة إيمانية على أنها رد فعل؛ لأن الإيمان فعل بذاته، وسواء كانت هناك ظروف سيئة أو لم تكن؛ فإن مد الإيمان سيبقى على الأرض وبين الناس.
ومع ذلك نعترف بحقيقة مهمة وهي: إن الشدائد تفجر الخصائص، والمكاره تولد أو توقظ فضيلة «التحدى».
• والظروف والملابسات المحرجة التي تحيط بمصر وبشبابها.. ستستمر، وبالتالي ستستمر موجة الإيمان في الارتفاع ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ (البقرة: 25)
فالكيان اليهودي، ومظاهر التبذل والانحلال، والاستفزاز الطائفي، والضغط العالمي.. هذه الظروف لا نظن أنها ستزول قريبًا.. وفق تقديرات العقل البشري.
وبتحليل ساذج قصير النظر؛ ستعمد القوى المناوئة إلى الإبقاء على هذه الظروف بدلًا من العمل على إزالتها! وستفترض دومًا الخطأ في الاتجاهات الراشدة في مصر، وتعمل على قهرها.
ولكن الزمن لن يرجع هذه المرة؛ فقد جربوا ضرب الشباب وتصفيته، ففشلوا، والدليل على ذلك هو الموجة الجديدة من موجات الإيمان.
وجربوا إغراق ظاهرة التدين في نوع من الدروشة.. ففشلوا.
وجربوا تحطيم الشباب بالانحلال والفساد.. ففشلوا، ما من وسيلة للكيد إلا وجربوها، وأي محاولات تسير في نفس الخط ستعبر عن غباء ضخم يفتقر تمامًا إلى فهم «أعماق» المنطقة وأعماق مصر بالذات.
إذا كان بعض الحكام قد كذب عليهم، وإذا كان بعض المثقفين قد خدعهم، وإذا كان الذين يؤثرون على مصالح الغيرعلى مصالح قومهم قد غشوهم وغرروا بهم، إذا كان هؤلاء جميعًا قدموا صورة غير واقعية للذين حتمت الظروف أن ترتبط مصالحهم بهذه المنطقة، فليس من الوعى أبدًا التعامل مع بلاد عريقة التدين وفق صورة لا تعبر عن الحقيقة.
أما الروس فقد عرفوا كيف أنهم دخلوا المنطقة بواسطة «نقالات» فوقية، بينما ظل «الباب الشعبي» مغلقًا أمام زحفهم، وما ذلك إلا بسبب التدين العريق، وأما الأمريكان.. فهم أعرف من الروس بهذه الحقيقة، وسيلعب الأمريكيون كثيرًا إذا هم استمروا في خطهم القديم.
لماذا الجمود- إلى درجة التحجر- في التعامل معنا؟!
إن التغيير الذي طرأ على العالم قد أحدث انقلابًا شاملًا في الاستراتيجيات ووجهات النظر الثابتة!! والانفتاح على الصين، وتغيير النظرة إليها دلیل واقعي لا مراء فيه.
ولسنا بأخطر من الصين ولا أقل منها في الصلابة العقائدية.
الرابط المختصر :