; شعارات العولمة وتحرير التجارة واقتصاد السوق ساهمت في تفاقمه.. شبح الفساد «ينزح» خزائن البلاد | مجلة المجتمع

العنوان شعارات العولمة وتحرير التجارة واقتصاد السوق ساهمت في تفاقمه.. شبح الفساد «ينزح» خزائن البلاد

الكاتب عبدالكريم حمودي

تاريخ النشر السبت 28-يونيو-2003

مشاهدات 53

نشر في العدد 1557

نشر في الصفحة 40

السبت 28-يونيو-2003

يدمر فرص التنمية في الدول الإسلامية والنامية

الدول الأكثر فسادًا مبددة لثرواتها الداخلية وطاردة للاستثمارات الخارجية

جيمس وولينفون: الأدلة تثبت أن الدول التي بها مستويات عالية من الفساد معرضة لخطر التهميش في عالم التكامل الصناعي السريع.

دراسة للبنك الدولي: الفساد هو العائق الأول للاستثمار في أمريكا اللاتينية. والعائق الثاني في الشرق الأوسط

الرشوة لا تسهل النشاط التجاري، ولكنها تتغذى من نفسها وتنتج طبقة فوق طبقة من البيروقراطية التواقة إلى خنق العمل.

الاتحاد الأفريقي: الفساد يكبد أفريقيا سنويًا 150 مليار دولار ويكلف روسيا 15 مليارًا موسكو عاصمة الفساد في العالم.

ألكسندر كوليكوف: الجريمة المنظمة تسيطر على 85% من البنوك الروسية و60% من المؤسسات الحكومية و40% من الشركات الخاصة

ما تم نهبه من البنوك المصرية يصل إلى 40 مليار جنيه التخلص من 60% من القطاع العام لم يكن خاليًا من شبهة السمسرة أو التربح.

عرف خبراء الاقتصاد الفساد الاقتصادي بأنه «عمل مناف للقوانين أو الأخلاق يتم بواسطة شخص أو مجموعة من خلال تقديم أموال داخل أو خارج نطاق القنوات الشرعية بغرض الانتفاع الشخصي مقابل تقديم تسهيلات سرية ذات صلة بالموقع الذي يشغله الشخص أو المجموعة لجهات أخرى».

وقد وضع البنك الدولي تعريفًا للأنشطة التي تندرج تحت تعريف الفساد على النحو التالي: «إساءة استعمال الوظيفة للكسب الخاص» ويشمل هذا التعريف تقديم الرشاوى للموظفين والمسؤولين في القطاعين: العام والخاص، لتسهيل عقد الصفقات والإجراءات وتجاوز عدد من الشروط الإدارية الصارمة للمواصفات التي تنص عليها القوانين والأنظمة، أضف إلى ذلك احتكار المواقع القيادية في الإدارتين العامة والخاصة، وحصر هذه المواقع في الأقارب والأصحاب للمتنفذين وصناع القرار.

وتتضمن قائمة الفساد على سبيل المثال لا الحصر: الرشوة والابتزاز واستغلال النفوذ والمحسوبية، والاحتيال، واستخدام حوافز التعجيل، وهو المال الذي يدفع موظفي الحكومة لتعجيل النظر في أمر خاص يقع في نطاق اختصاصهم لحصول المواطن على حقه.

الفساد ظاهرة عالمية: لا تقتصر ظاهرة الفساد على دولة أو مجموعة من الدول، بل إن الفساد أصبح ظاهرة عالمية تعرفها المجتمعات المتقدمة والنامية على حد سواء ويزداد تفاقمها وتتوسع مستوياتها عامًا بعد آخر، ويشكل الفساد الاقتصادي فرعًا من فروع الفساد المتعددة التي امتدت إلى جميع مجالات الحياة ويشبه البعض الفساد بالنار التي تأكل الهشيم.

ويرى كثير من الباحثين أن الفساد في الدول النامية تفاقم مع ظهور المفاهيم والشعارات الجديدة مثل العولمة، وحرية التجارة واقتصاد السوق، والانفتاح على الآخر، حيث أصبحت البيئة أكثر من ملائمة لنمو وانتعاش ظاهرة الفساد، لكن تأثير هذه التطورات على الدول النامية كان أشد وطأة فقد أدى إلى تراجع معدلات التنمية الاقتصادية وهروب رؤوس الأموال الوطنية وتراكم الديون الخارجية، بل وصل الأمر في كثير من الدول إلى حافة الإفلاس مما فتح الباب للتدخل السياسي وأحيانًا العسكري والارتباط الاقتصادي بالدول القوية تحت عنوان الإصلاح الاقتصادي وإنقاذ البلاد من المديونية وغائلة الفقر والجوع والمرض.

أسباب الظاهرة

تتنوع الأسباب التي تقف وراء ظاهرة الفساد الاقتصادي في العالم وفي الدول الإسلامية والنامية بشكل خاص، وسنعرض فيما يلي لأهم هذه الأسباب ومنها:

1-   عدم استقرار وفاعلية البيئة القانونية والتشريعية التي تحكم المؤسسات الحكومية في الدول النامية، والقصور في تطبيق القوانين واللوائح في أجهزة الدولة، وعدم فاعلية الرقابة الداخلية والتساهل والتغاضي عن أخطاء الموظفين العموميين والبيروقراطية وتعدد الإجراءات الحكومية، وهذه القضايا مجتمعة، أثرت على قيام مؤسسات الدولة بالمهام الموكلة إليه، مما ساعد على انتشار الفساد.

2-   عدم التناسب الجذري بين مستويات الأجور، وتكاليف المعيشة، ومستويات أسعار السلع الاستهلاكية الضرورية، فانخفاض الأجور وتدني مستوى الدخل وخاصة في صفوف القطاع العام وموظفي الدولة وأمام ضغط الواقع المعيشي الصعب وطغيان ظاهرة الاستهلاك وغياب القدوة فإن القضية أخذت أبعادًا اجتماعية خطيرة أدت إلى تصدع مقاومة الفرد، مما دفعه إلى البحث عن أساليب غير قانونية وغير أخلاقية في بعض الحالات، وعندما تصل الظاهرة إلى حجم معين فإنها تصبح قانونًا عامًا في المجتمع لا يستطيع الإفلات من دوائره إلا عدد محدود من البشر.

3-   تراجع الدور القيمي والأخلاقي في هذه المجتمعات بسبب انتشار المفاهيم العولمية فالتركيز على قيم الفرد في مواجهة قيم الجماعة والمصلحة الشخصية في مقابل المصلحة الجماعية وسيادة المفاهيم الاستهلاكية ساهم في توليد أشكال للفساد الشخصي والسياسي والإداري من ناحية، والفساد الاقتصادي الناجم عن سوء توزيع الثروة في المجتمع من ناحية أخرى، وبعبارة أخرى فإن ظاهرة الفساد تكشف عن تصدع وازدواجية أخلاقية فادحة وتراجع قيمي واسع في الدول والمجتمعات النامية.

4-   اجتياز مرحلة التحول من الاقتصاد المخطط إلى اقتصاد السوق وفق برامج الإصلاح التي وضعتها المؤسسات الدولية، وتبعًا لذلك تم الانتقال من الفساد العرضي إلى الفساد المنظم والمعولم، حيث رافق مرحلة التحول إلى الاقتصاد الحر ارتفاع معدلات الفساد السياسي والإداري والاقتصادي وبدرجات متفاوتة تبعًا لمستوى فاعلية مؤسسات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية التي يمكن أن تسهم في الكشف عن صور الفساد من رشوة وابتزاز واحتيال واختلاس، حيث تتطلب معادلة الفساد بالضرورة مشاركة طرفين على الأقل أحدهما موظف حكومي بإمكانه أن يقدم للطرف الآخر الذي يعرض عليه الرشوة إبرام عقد حكومي أو امتياز بإعفائه كليًا أو جزئيًا من دفع الضريبة أو توفير الجهد والوقت عليه من مراجعة دواوين الحكومة البيروقراطية.

5-   تفعيل القطاع الخاص وزيادة مساهمته في العملية الاقتصادية، فقد ساعد التوسع في القطاع الخاص وإطلاق سياسة الانفتاح الاقتصادي في مرحلة لاحقة على تفاقم ظاهرة الفساد الاقتصادي في كثير من الدول النامية، ويرجع ذلك إلى عاملين.

الأول: ارتباط هذا الاتجاه بالنفوذ السياسي.

الثاني: النقص الواضح في التشريعات والقوانين المنظمة لحركة الصرف في القطاع الخاص، فمقابل كل شخص يقبل رشوة يوجد شخص يقدمها وهذا يعني في الغالب أن عملاء القطاع الخاص يرشون مسؤولين في بلادهم وبلاد أخرى لكسب الصفقات وتحقيق الأرباح.

6-   ظهور التكتلات الاقتصادية الكبرى واتجاه الدول الغنية إلى تحقيق الأسواق المفتوحة لتصدير السلع الاستهلاكية من قبل الشركات الكبرى في ظل الاتفاقيات الدولية ومشاركة بعض المستثمرين برؤوس أموال ضخمة في شركات متعددة الجنسيات وتحرك رؤوس الأموال بحرية بين الدول، الأمر الذي انعكس على ظهور الجريمة الاقتصادية المنظمة التي تتعدى حدود تلك الدول، حيث تقوم الشركات المتعددة الجنسية بإتباع وسائل قانونية أو غير قانونية، أخلاقية أم غير أخلاقية بهدف توسيع حصتها في أسواق الدول النامية، وخاصة الدول النفطية التي لديها فوائض مالية كبيرة.

التأثيرات السلبية للفساد: تمتد الآثار السلبية للفساد لتشمل كل المجالات، لكن انعكاسات الفساد الاقتصادي هي الأخطر حيث يؤثر بشكل خطير على مستوى الأداء الاقتصادي لهذه الدول، وعلى طموحاتها في تحقيق معدلات نمو اقتصادي مقبولة تستطيع معها التصدي للمشكلات المزمنة التي تعاني منها وفي مقدمتها تراكم الديون والفقر والبطالة وعجز موازناتها السنوية.

ومع زيادة الآثار السلبية للفساد أصبح الاهتمام بهذه الظاهرة عالميًا خشية امتدادها إلى اقتصادات الدول الغنية في ظل ازدياد حجم التجارة العالمية وظهور جماعات فاسدة تسعى لزيادة أرباحها، وسنحاول فيما يلي تلخيص أهم الانعكاسات السلبية لظاهرة الفساد الاقتصادي:

أولًا: تبديد مبالغ كبيرة من الإيرادات المالية الحكومية المستحقة لخزينة الدولة، وهو ما يترك آثارًا غير مباشرة على الأداء الاقتصادي بالإضافة إلى ذلك تهدر الحكومات كثيرًا من مواردها المالية نتيجة ارتفاع التكاليف التي تدفعها على مشاريعها الاقتصادية والصفقات التي تبرمها نتيجة الرشوة والفساد.

ثانيًا: تراجع الطبقة الوسطى في الدول التي يمارس فيها الفساد بدرجات متوسطة، وانعدامها في الدول الأكثر فسادًا، والمعروف أن هذه الطبقة التي أعجزتها الضربات الاقتصادية التي تعرضت لها لفترات طويلة هي التي كانت تدير العملية التنموية وتساهم بشكل فاعل في زيادة النشاط الاقتصادي.

ثالثًا: ارتفاع حجم التهرب الضريبي نتيجة ممارسات رجال الأعمال الذين يعتمدون على الفساد كنهج في التعامل ويخالفون الأحكام والقوانين، حيث إن الصفقات التجارية التي تنجزها هذه الفئة نادرًا ما تخضع للضرائب الحكومية بشكل صحيح، الأمر الذي ينجم عنه ارتفاع حجم التهرب الضريبي وبالتالي خسارة الميزانية لقسم من إيراداتها وهو ما يؤدي إلى زيادة العجز في الموازنة العامة يدفع بالدولة إلى تخفيض مستوى الإنفاق العام على السلع والخدمات الضرورية المقدمة للمواطنين.

رابعًا: انعدام تكافؤ الفرص والعزوف عن ممارسة أنشطة اقتصادية ذات مردود اقتصادي مميز، وتحول المدخرات المالية إلى أنشطة غير استثمارية مثل اقتناء العقارات والأراضي بما يؤدي إلى زيادة البطالة وإلى حالة الركود الاقتصادي.

خامسًا: زيادة كلفة الخدمات الحكومية المقدمة للمواطنين مثل التعليم والسكن والخدمات الصحية وغيرها من الخدمات الأساسية، وهذا بدوره يقلل من حجم هذه الخدمات وجودتها ويؤدي إلى سوء تخصيص الموارد والتأثير سلبًا على الكفاءة الإنتاجية والتوزيعية داخل الاقتصاد.

سادسًا: زيادة تكاليف المشاريع الاقتصادية نتيجة دفع الرشاوى مقابل الحصول على امتيازات وتسهيلات معينة، لن يتحملها في نهاية الأمر رجال الأعمال وأصحاب المشاريع، الذين يضيفون في العادة المدفوعات الناجمة عن الرشاوى والإكراميات والعمولات إلى إجمالي التكاليف، وينقلون عبء هذه التكاليف إلى طرف ثالث، فيتحملها الاقتصاد القومي بالدرجة الأولى.

سابعًا: توسيع الفجوة بين الأغنياء والفقراء حيث يرهق الفساد الاقتصادي الفقراء لصالح الأغنياء ويساعد على تراجع مستويات المعيشة وبالتالي يضعف القدرة الاستهلاكية لقطاع واسع من السكان، مما يسفر عن إضعاف إحدى الحلقات الاقتصادية المهمة في المجتمع.

ثامنًا: انتشار الفساد يضر كثيرًا بعملية الاستثمار ويؤدي إلى خفض نسبة الاستثمار، وتحديدًا الاستثمارات الخارجية مضافًا إليها هروب رؤوس الأموال الداخلية، فالدول الأكثر فسادًا دولًا مبددة لثرواتها الداخلية وطاردة للاستثمارات الخارجية، لاعتبارات من بينها غياب الشفافية وازدياد احتمالات حدوث أعمال رشوة بطلب من مسؤولي الدولة، الأمر الذي ينجم عنه هروب الاستثمار موليًا وجهه إلى أماكن أكثر شفافية ونزاهة، وهو ما يذهب إليه رئيس البنك الدولي جيمس وولفينسون حيث يقول: «تظهر الأدلة أيضًا أن الدول التي لديها مستويات عالية جدًا من الفساد معرضة لخطر التهميش في عالم من التكامل الصناعي السريع» وأضاف: «إن الأسواق المفتوحة لا تستطيع أن تعمل خلف  أبواب مقفلة، والمستثمرون لديهم اليوم خيارات عديدة، وهم أكثر قدرة على نقل أموالهم إلى حيث اخطار الفساد أقل بروزًا».

واعتبرت دراسة للبنك الدولي -شملت ٣٦٠٠ شركة وغطت ٦٩ دولة -اعتبرت الفساد العائق الأول للاستثمار في كل من أفريقيا وأمريكا اللاتينية، والعائق الثاني في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وجاء ترتيبه الثالث في دول شرق آسيا ودول الاتحاد السوفيتي سابقًا بينما جاء ترتيبه الخامس كعائق للاستثمار في الدول الصناعية.

وأفادت دراسة أخرى أجراها البنك الدولي وآخرون أن الرشوة هي أبعد من أن تكون عاملًا في تيسير النشاط التجاري، بل إنها في الواقع سبب لازدياد القواعد والإجراءات التنظيمية المفرطة والاستنسابية، وبالتالي فإنها تتغذى من نفسها منتجة طبقة فوق طبقة من البيروقراطية التواقة إلى خنق العمل وحقيقة الأمر في البلدان التي يعرف عنها استشراء ظاهرة الفساد تنفق الشركات مزيدًا من الوقت مع بيروقراطيين وموظفي حكومة يتفاوضون حول منح التراخيص، والأذونات، ودفع الضرائب.

تكاليف الفساد

لا توجد تقديرات دقيقة للخسائر التي يسببها الفساد سواء على الصعيد العالمي أو على صعيد الدول النامية بوجه خاص، وإن ما يكشف عنه من خسائر لا يقارن بالفساد الحقيقي الموجود داخل أي دولة من الدول، ويكون الفساد في هذه الحالة مثل جبل الجليد الذي لا يظهر منه سوى جزء ضئيل جدًا. ولذلك فإن الفساد الظاهر ليس دليلًا دائمًا على حجم الفساد الحقيقي في أي دولة، لكن البيانات التي تنشر في بعض الحالات تشير إلى أن الخسائر تبلغ مئات المليارات من الدولارات سنويًا، فعلى سبيل المثال فإن القارة الأفريقية وحدها تتكبد خسائر سنوية باهظة بسبب الفساد المستشري، فقد جاء في دراسة صادرة عن الاتحاد الأفريقي أن الفساد يكلف القارة الأفريقية أكثر من ١٥٠ مليار دولار كل عام، وتقول الدراسة إن ما يترتب على الفساد من خسائر يزيد أسعار السلع بمعدل ۲۰ بالمئة، ويعطل الاستثمارات، ويعرقل التنمية الاقتصادية، وكمثال آخر على تكاليف الفساد في العالم فإن روسيا تتكبد خسائر سنوية تزيد على ١٥ مليار دولار، وهو رقم يجعل من موسكو جديرة بأن تكون عاصمة للفساد في العالم.

وقد أعلن ألكسندر كوليكوف نائب رئيس لجنة الأمن بمجلس الدوما الروسي في إحصائية رسمية أن الجريمة المنظمة تسيطر على ٨٥% من البنوك الروسية ونحو ٤٠% من الشركات الخاصة و٦٠% من المؤسسات الحكومية وأضاف كوليكوف أن إيرادات قطاع الظل في الاقتصاد بلغت ٤٠% من إجمالي الناتج الداخلي للبلاد، وأن جزءًا كبيرًا من المؤسسات الاقتصادية في البلاد واقعة تحت تأثير عصابات إجرامية. وأضاف المدعي العام أن قيمة الرساميل التي تهرب خلسة خارج البلاد تتراوح ما بين ۲۰ إلى ٢٥ مليار دولار كل عام. وكشف كوليكوف النقاب عن أن نحو ٤٠ ألف شركة وثلث المصارف خاضعة لسيطرة جماعات إجرامية.

ومن بين الدول الإسلامية تحتل باكستان مرتبة متقدمة في قائمة الدول التي ينتشر فيها الفساد حيث اتهم الرئيس الباكستاني «برويز مشرف» حكومتي بنازير بوتو ونواز شریف السابقتين بالفساد وإهدار أكثر من 3 تريليونات روبية باكستانية.

أما بالنسبة لظاهرة الفساد في الدول العربية فليست أقل من غيرها في الدول النامية الأخرى فعلى سبيل المثال تقول مصادر مصرية مطلعة، إن ما تم نهبه من البنوك المصرية يتجاوز ٣٠ أو ٤٠ مليار جنيه، وعلى الرغم من أن الأجهزة الرقابية قد بذلت جهدًا في الكشف عن مثل هذه الانحرافات وقدمت المتهمين فيها للمحاكمة إلا أن كثيرًا من الهاربين بأموال البنوك ما زالوا في الخارج.

وأضافت هذه المصادر أنه في مجال الخصخصة تم التخلص بالبيع من حوالي ٦٠% من حجم القطاع العام، وأي من هذه الصفقات لم تكن خالية من شبهة السمسرة أو التربح أو تفريط في المال العام، أما بالنسبة لإطلاق آليات السوق فتعني رفع يد الحكومة عن التدخل في السوق وشل يد أجهزة الرقابة التي تمارس دورها لضبط الأسعار أو لضمان الجودة بحجة تشجيع الاستثمار وعدم إخافة رجال الأعمال وأصحاب رؤوس الأموال، ويكفي أن نعلم أن هناك تقديرات لحجم الأموال التي تم اقتراضها من البنوك ثم هرب أصحابها بها إلى الخارج بما يعادل حوالي ١٥ مليار دولار، وبما يقارب ٤٠% من حجم ديون مصر للدول الأجنبية.

وفي آخر المساجلات بين المعارضة والحكومة حول الفساد قال أحد النواب في مجلس الشعب المصري: إن موازنة أحد المصارف الحكومية تظهر خروج ثلثي الودائع في شكل قروض بلا ضمانات بلغت قيمتها ۹۱ مليار جنيه مصري.

وفي سورية كشف الجهاز المركزي للرقابة المالية اختلاسات مالية خلال الأشهر الستة الأولى من عام ۲۰۰۲ تقدر بنحو ۱۷۳ مليون ليرة، وأوضحت مصادر سورية مطلعة أن هذا المبلغ جاء حصيلة ضبط نحو ۱۰۲ قضية فساد وتحقيق، مشيرة إلى أنه لم يتم استرداد سوى ١٣ مليون ليرة سورية من إجمالي المبلغ، وبموجب هذه الأرقام فإن متوسط الاختلاسات في سورية التي تم الكشف عنها من قبل الجهاز المركزي للرقابة المالية تقدر بنحو مليون ليرة سورية يوميًا، الأمر الذي يظهر حجم الفساد المستشري في دوائر الدولة والقطاع العام.

وأشار تقرير بعنوان: «عام الحوار في أولويات الإصلاح طبيعة المرحلة الانتقالية» نشره موقع شام الإلكتروني أن انتشار مظاهر الفساد والهدر المتعمد، للأموال والموارد الطبيعية، وتخريب رأس المال الثابت، وموجودات المنشأة أو المؤسسة للتغطية على الصفقات المشبوهة والاختلاس والحسابات والموازنات الوهمية لشبكة الفساد، التي شكلت شبكة مصالح مترابطة ومحكمة «أفقيًا وعموديًا» داخل الإدارة، وقادرة على إفشال أي مدير أو وزير يريد إعادة إصلاح مؤسسته، وأصبح 1% فقط من الموظفين الحكوميين «المستفيدين من الفساد» يستأثرون بـ۸۰٪ من موارد الدولة والقطاع العام، ونحو ٩٩% لا تحصل إلا على ٢٠% من المداخيل والموارد.

وفي اليمن أيضًا قام الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة بإحالة ١٣٥٣ قضية تتعلق بالمال العام إلى الجهات القضائية والإدارية بين عامي ۱۹۹۵ و۲۰۰۱ وذلك ضمن حملة تطهير الدولة من فئران الفساد، وكشف تقرير أعدته لجنة المال في مجلس الشورى اليمني أن إجمالي الضرر المالي من وقائع المخالفات بلغ ٤٢,١٤٤ مليار ريال يمني «نحو ٢٤٢ مليون دولار» ونحو ٣١,٦ مليون دولار فضلًا عن ٤.٣ مليون ين یاباني ومبالغ ضئيلة بالمارك الألماني والجنيه الإسترليني.

ويتضح من خلال المبالغ المالية السابقة التي تهدر بسبب الفساد حجم الضرر الذي يلحق باقتصادات الدول النامية، وفي هذا السياق يؤكد الخبراء أن الأموال التي تذهب ضحية الفساد كل سنة يمكن أن تخلص الدول النامية من مديونياتها الخارجية التي ترزح تحتها وتستنزف أغلب مواردها، كما أنها لو سخرت هذه الأموال المهدورة لعملية التنمية الاقتصادية لدفعت باقتصاد الدول النامية إلى تحقيق معدلات نمو مرتفعة جدًا تستطيع معها التصدي لجميع المشكلات المزمنة التي تعاني منها.

مكافحة الفساد

إن مكافحة الفساد أصبحت ضرورة اقتصادية تسعى إلى تحقيقها الكثير من الدول النامية وذلك استجابة للضغوط الدولية، حيث إن هناك اتجاهًا لعدم قيام المؤسسات المالية الدولية بمنح قروض أو مساعدات لها إذا لم تعمل على مكافحة الفساد وتحقيق قدر معقول من الشفافية.

وتتطلب مكافحة الفساد اعتماد مجموعة من الإجراءات يأتي في مقدمتها:

1-   إجراء إصلاحات في القطاع المالي الرسمي، وتفعيل دور مؤسسات المحاسبة والرقابة والتدقيق على الحسابات والإشراف الحقيقي على إصلاح عملية المشتريات الحكومية وكيفية إرساء العطاءات وأوجه إنفاق المعونات الأجنبية المقدمة للدولة.

2-   الحد من التهرب الضريبي الداخلي أو مع الشركات الأجنبية وتقييد نشاط الشركات متعددة الجنسية التي تتعامل بالفساد كوسيلة لعقد صفقات مشبوهة في البلدان النامية والمحاسبة الصارمة لمرتكبي الفساد ومروجيه.

3-   وجود جهاز قضائي يملك السلطة القانونية التي تعلو فوق كل السلطات، وقادر على مساءلة ومحاكمة كل مسؤول يشتبه في فساده ماليًا أو إداريًا وللوصول لهذه الغاية لا بد من تطوير حكم القانون وإنشاء محاكم مستقلة تعنى بقضايا الفساد ولديها السلطة لتنفيذ أحكامها مع ضمان استقلالها استقلالًا تامًا عن أي مؤثرات ضاغطة لتعمل هذه المحاكم والهيئات القضائية بشكل مستقل، وبمقتضى قوانين، ومبادئ، أخلاقية، واضحة.

4-   إصلاح رواتب الموظفين وهيكل الأجور العام، وتحسين رواتب وأوضاع موظفي الدولة بمختلف درجاتهم الوظيفية، الدنيا، والمتوسطة والعليا، وبما يتناسب مع أسعار السلع الاستهلاكية بحيث تكون هذه الرواتب قادرة على توفير الحد الأدنى من العيش الكريم للمواطن.

5-   تحقيق قدر من الشفافية، التي تعتبر قضية محورية في محاربة الفساد وبالتالي في تعزيز عملية التنمية الاقتصادية وهي لا تفترض الإشراف على الإنفاق العام وحسب، وإنما تجيز الإنفاق بأسلوب صحيح حيث بات من المؤكد أن أي دولة لن تستطيع تحقيق أي قدر من التقدم دون وجود المساءلة.

6-   إتباع أساليب وإجراءات إدارية ونظم مراجعة مالية يكون من شأنها كشف حالات الانحراف والفساد والإبلاغ عنها والتصدي لها.

7-   مراجعة القانون الجنائي والمدني ليتضمن عقوبات وصلاحيات بالقدر الكافي وبما يكفل ردع حالات الفساد بصورة فعالة وملائمة، وخاصة في مجال تتبع حالات الفساد المستحدثة مثل «غسل الأموال» و«جرائم الحاسب الآلي» وتحقيق سرعة الفصل فيها.

8-   وجود صحافة ووسائل إعلام تتمتع بالمهنية والمسؤولية تستطيع القيام بدورها في توعية المواطنين وضمان حصول عامة الشعب ووسائل الإعلام على مطلق الحرية في تلقي وتداول المعلومات المتعلقة بموضوعات الفساد.

9-   العمل على تشجيع عقد اتفاقيات ثنائية وجماعية بين الدول لنقل الخبرات وتبادل المعلومات فيما يخص محاربة الفساد.

10-         تطوير التعاون الدولي في مجالات محاربة الفساد من خلال إعداد اتفاقية دولية يشرف عليها أحد أجهزة الأمم المتحدة تتيح للدول التي توقع عليها تتبع الأموال المهربة من حدودها الداخلية والعمل على استردادها.

منظمة «الشفافية الدولية»

مع تزايد الاهتمام العالمي بظاهرة الفساد وانعكاساتها السلبية تم إنشاء منظمة لهذه الغاية تحت اسم منظمة «الشفافية الدولية» وهي لا تسعى إلى الربح ومقرها في برلين، وتعمل على مكافحة الفساد في مجال أنشطة الأعمال، ولها فروع في العديد من دول العالم.

وقد وضعت هذه المؤسسة مفهومًا جديدًا يطلق عليه «جزر النزاهة» وهو عبارة عن ميثاق لمكافحة الرشوة في عقود الصفقات العامة الكبيرة، وبناء على هذا الميثاق يلتزم كل الأطراف في عقد الصفقة، سواء رجال الأعمال أو المسؤولون الحكوميون، بعدم الحصول على أي شكل من أشكال التسهيلات أو الرشوة أو عرضها في مجال العقود، وإذا خالف أي طرف هذا الميثاق يتم وضعه على القائمة السوداء للأنشطة التي تتسم بالفساد، ويتم استبعاده من الحصول على أي عقود مستقبلية.

كما أنشأت هيئة الشفافية الدولية مؤشرًا دوليًا لقياس درجات الفساد، وتنحصر قيمة هذا المؤشر بين صفر إلى ۱۰ درجات، بمعنى أن الدولة إذا حصلت على تقدير ۱۰ درجات فهذا يعني أنها نظيفة تمامًا من عمليات الفساد، أما الدولة التي تحصل على تقدير صفر فهذا يعني أن جميع الأعمال والصفقات فيها خاضعة للفساد والرشوة، وحتى الآن لم تحصل أي دولة في العالم على تقدير ١٠ أو تقدير صفر، ولكن هناك دول اقتربت منهما.

وعلى سبيل المثال أظهر تقرير المنظمة السنوي الذي أصدرته في ١٤ مايو عام ٢٠٠٢ مستويات مرتفعة جدًا لممارسة دفع الرشوة في الدول النامية من قبل شركات من روسيا والصين وتايوان وكوريا الجنوبية، علاوة على شركات من العديد من الدول الصناعية الكبرى التي سنت جميعها قوانين تعتبر دفع الرشوة لمسؤولين أجانب جريمة.

وأكد فهرس دافعي الرشوة أن الشركات الروسية والصينية المتزايدة التصدير إلى الأسواق الحديثة الانبثاق، تعتمد الرشوة بشكل متزايد «على مستوى نادر لا يمكن احتماله» أما مدى ممارسة الشركات التايوانية والكورية الجنوبية للرشوة في الخارج فلا يقل عن ذلك إلا قليلًا، والجدير بالذكر أن الفهرس يعتمد على معلومات تجمعها منظمة جالوب الدولية من خمسة عشر بلدًا من البلدان ذات الأسواق حديثة الانبثاق.

وجاء في الفهرس أن هناك نزعة كبيرة لدى الشركات الأمريكية المتعددة الجنسية لدفع الرشاوى للمسؤولين في الحكومات الأجنبية، رغم أنها تواجه بذلك، ومنذ عام ۱۹۷۷، خطر احتمال تقديمها للعدالة بموجب قانون ممارسات الفساد الخارجية، وقد جاء مجموع النقاط التي أحرزتها الولايات المتحدة، وهو ٥,٣ من أصل عشرة مماثلًا للمجموع الذي أحرزته اليابان وأسوأ من مجاميع الشركات الفرنسية والإسبانية والألمانية والسنغافورية والبريطانية. أما أعلى المجاميع وهي التي تشير إلى أقل ميل لممارسة الرشوة، فقد أحرزتها الشركات الأسترالية، والسويدية، والسويسرية والنمساوية، والكندية، والهولندية، والبلجيكية.

ومما تجدر الإشارة إليه أن دراسة منظمة الشفافية الدولية هي أشمل استطلاعات الرأي حول مصادر الفساد الملاحظة في التاريخ وأنها توسع ما ورد في فهرس المنظمة الأول الذي صدر في عام ۱۹۹۹ وتوفر معلومات تقريرها الأخير نتائج مفصلة عن نزوع الشركات المتعددة الجنسية إلى الرشوة، والقطاعات الأكثر تلوثًا بالرشوة ومدى وعي مدراء الشركات الرئيسة في الخارج لميثاق منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الخاص بمكافحة الرشوة والذي حظر رشوة المسؤولين الحكوميين الأجانب ومدى تطبيق هذه الشركات للميثاق والممارسات التجارية غير العادلة الأخرى، أي غير الرشوة التي تمارسها الشركات للحصول على العقود والصفقات والتي تمت ملاحظتها.

وقد شملت الدراسة المتعلقة بالفهرس خمسة عشر بلدًا ذات أسواق حديثة الانبثاق هي:

الأرجنتين والبرازيل وكولومبيا والمجر والهند وإندونيسيا والمكسيك والمغرب ونيجيريا والفلبين وبولندا وروسيا واتحاد جنوب أفريقيا وكوريا الجنوبية وتايلاند، وهي من أكبر الدول التي ينطبق عليها الوصف وتتعاطى التجارة والاستثمار مع شركات متعددة الجنسية، وقد أجرت منظمة جالوب ٨٣٥ مقابلة في الفترة الممتدة من ديسمبر من عام ٢٠٠١ وحتى مارس من عام ۲۰۰۲، كان معظمها مع إداريين رفيعي المستوى في شركات محلية وأجنبية، ومع إداريين في شركات محاسبة معتمدة، وغرف تجارية ثنائية الجنسية، ومصارف تجارية قومية وأجنبية ومكاتب محاماة تجارية، ودارت الأسئلة حول الانطباعات والملاحظات عن شركات متعددة الجنسية من ۲۱ دولة.

أما على صعيد انتشار الفساد في الدول النامية فقد اختيرت بنجلاديش للقب البلد الأكثر فسادًا في العالم في قائمة الفساد لعام ۲۰۰۲ التي أعدتها منظمة الشفافية الدولية، كما حلت نيجيريا وباراغواي ومدغشقر في المراكز الثاني والثالث والرابع على التوالي في القائمة في حين جاءت فنلندا على رأس قائمة البلدان الأقل فسادًا تلتها الدنمارك ثم نيوزيلندا وأيسلندا.

وللأسف الشديد لم تشمل الدراسة إلا أربع دول عربية، وكلها كانت واقعة تحت مستوى الخمس درجات من أصل مقياس الـ ۱۰ درجات، وهي حسب الترتيب كما يلي: تونس 8,4، الأردن ٥,٤ المغرب ٧,٣ ومصر ٤,٣٠.

وأظهر فهرس المنظمة أن أسوأ حالات الفساد تلاحظ في قطاع الأشغال العامة والبناء، وفي قطاع الأسلحة والدفاع، التي تعاني من ممارسة الشركات الأجنبية «العاملة فيه» الرشوة بشكل مزمن. وقد قدرت دراسة أجراها أخيرًا فرع منظمة الشفافية الدولية في بريطانيا، على سبيل المثال، أن الرشوة الأجنبية مرتبطة بصفقات دفاعية بعشرات المليارات من الدولارات. وفي حين أنه لم يحصل القطاع الزراعي الذي يعتبر أقل القطاعات احتمالًا للتأثر بالرشوة من قبل الشركات الأجنبية، إلا على ٦,٩ من ١٠، واعتبر قطاع الأشغال العامة والبناء قطاعًا يعاني من فساد كبير، ولم يحصل إلا على ۱,۳، وتلاه قطاع الأسلحة والدفاع الذي حصل على ۱,۹ ثم قطاع النفط والغاز الذي حصل على ۲٫۷ نقطة.

في كلمة أخيرة: فإن الفساد هذه الآفة الخطيرة ليس مشكلة قاصرة على الدول الغنية أو النامية أو التي تمر بمرحلة انتقال وإنما هو عام وشامل، إلا أن الفساد المستشري في الدول النامية هو الأكثر كارثية لأنه يغدو بمثابة القانون الحاكم والقاعدة الأساسية المسيطرة على كل مجالات ومناحي الحياة، وقد زاد في ظل العولمة نظرًا لكثافة التعاملات الاقتصادية وما طرأ عليها من تغيرات كثيرة أدت إلى تسارع هروب رؤوس الأموال الوطنية وطرد الاستثمارات الأجنبية وهدر المال العام وتبدد موارد البلاد، لذلك فإن ظاهرة الفساد تهدد كل محاولات التنمية والتقدم، وتشيع ثقافة تحتقر العمل والعاملين، كما تحقر مفاهيم رفيعة، كالشرف والنزاهة والصالح العام والانتماء الوطني.

الاقتصاد القذر

ولا يقتصر الفساد على ما تناولناه في هذا الموضوع فهناك أشكال من الفساد الاقتصادي تحتاج لدراسة ومتابعة مثل غسيل الأموال وتجارة المخدرات وتجارة الرقيق. إلخ إلى آخر القائمة التي تضم هذا النوع من العمليات والتي يمكن أن يطلق عليها الاقتصاد القذر، فوفقًا لإحصائيات صندوق النقد الدولي فإن حجم عمليات الأموال المغسولة سنويًا يتراوح ما بين ٥٩٠ مليارًا إلى ١,٥ تريليون دولار، فيما يقدر البعض إجمالي الدخل المتحقق من عمليات المخدرات بـ ٦٨٨ مليار دولار سنويًا منها 5 مليارات في بريطانيا و٣٣ مليارًا في أوروبا و١٥٠ مليارًا في الولايات المتحدة الأميركية و٥٠٠ مليار دولار أمريكي في باقي أقطار العالم.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2104

109

الأربعاء 01-فبراير-2017

التفاحة الفاسدة!

نشر في العدد 71

106

الثلاثاء 03-أغسطس-1971

في روما.. الفساد من فوق ومن تحت!!