العنوان مفاهيم دعوية في فكر الإمام البنا: شبهات حول دعوة الإخوان
الكاتب د. عصام العريان
تاريخ النشر الثلاثاء 07-يناير-1997
مشاهدات 92
نشر في العدد 1233
نشر في الصفحة 58
الثلاثاء 07-يناير-1997
- دعوة الإخوان تنادي منذ نشأتها بكل وضوح وصراحة بفكرة الإسلام وعقيدته ونظامه الشامل.
تثور شبهات في نفس الداعية لما يراه ويقرؤه، ولما يراه من تجارب دعوية يصفها بالفشل لأنها تصدم الناس ولا تراعى فقه الأولويات ولما يقرؤه من شبهات حول تحول دعوة الإخوان المفاجئ من دعوة دينية إلى دعوة سياسية تتذرع بالدين للوصول إلى الحكم والسلطان أو حول مفهوم التقية، وأن الدعاة يبطنون ما لا يظهرون للناس، ولا بد لنا هنا من تعليقات حول هذه القضايا الثلاث لأهميتها وضرورة وضوحها في نفسية الداعية.
أولًا: شبهة تاريخية
كتب كثير من خصوم دعوة الإخوان السياسيين والفكريين أن الجماعة بدأت دينية فقط ثم تحولت إلى السياسة.
وهذه شبهة ساقطة بحكم التاريخ ومن كتابات الإمام الشهيد مؤسس الجماعة نفسه، بل من تاريخ الدعوة العملي.
فها نحن في هذه الرسالة «دعوتنا»، نرى الإمام يوضح فكرة الدعوة ومواقفها من الدعوات المختلفة.
وفي رسالة «إلى أي شيء ندعو الناس»، يوضح شمول الدعوة لكل مناحي الحياة المختلفة، وهاتان الرسالتان كتبتا في فجر الدعوة وبدايتها كما يوضح الإمام في مذكرات الدعوة والداعية حيث يقول: «كان أول الرسائل طبعًا ، القانون الأساسي للإخوان المسلمين واللائحة الداخلية ثم صدرت رسالة المرشد وظهر منها عدد ان فقط، وكانت الرسالة الأولى بتاريخ الخامس من رمضان ١٣٤٩هـ تقريبًا الموافق الثاني من يناير ۱۹۳۱م، وتوالت بعد ذلك رسائل. ونشرات في هذا الصدد منها ما هو للإشارة إلى أعمال الإخوان الاجتماعية، ومنها ما هو شرح لأهداف دعوتهم، ومنها ما هو توجيه للحكومات إلى الأخذ بتعاليم الإسلام، مثل: نحو النور، دعوتنا، إلى أي شيء ندعو الناس ... إلخ» مذكرات الدعوة والداعية (دار التوزيع والنشر الإسلامية طبعة ١٩٨٦ م ص ١٦٠ بتصرف).
إذن منذ فجر الدعوة وهي تنادي بفكرة الإسلام وعقيدته ونظامه الشامل بكل وضوح وصراحة، فقد صدرت هذه الرسائل قبل عام ١٩٣٧م.
وفي القانون الأساسي للإخوان المسلمين، وهو أول مطبوعاتهم نجد أهداف الدعوة واضحة ومراميها ظاهرة، لم يُخفِ الإخوان أهدافهم وطبيعة دعوتهم بل ومارسوا ذلك عمليًا، فها هو الإمام الشهيد يخاطب الملوك والرؤساء ورؤساء الوزارات المختلفة بمطالب الأمة في الاستقلال ونصرة القضايا الإسلامية والعربية كفلسطين وغيرها مثل:
1- إصدار مجلة النذير «سياسية أسبوعية» وصدر العدد الأول منها يوم الإثنين ٢٩ ربيع الأول ١٣٥٧هـ. وقد ظهر منها واضحًا اتجاه الإخوان الوطني وابتداء اشتراكهم في الكفاح السياسي في الداخل والخارج، بعد أن أصدروا مجلة الإخوان الأسبوعية من سنة ١٩٣٣م إلى ١٩٣٦م.
٢. أنشأ الإخوان منذ فجر الدعوة شعبًا تبين فقط عالمية الدعوة وأنها لا تقتصر على مصر فها هو فرع جيبوتي لجمعية الإخوان المسلمين الذي انتدب مكتب الإرشاد له الأخ عبد الله أفندي حسين ليكون حلقة الصلة بينهم وبين المكتب.
واقرأ أيضًا تحت عنوان دعوتنا في الأقطار الشقيقة في مذكرات الإمام الشهيد حول بعثة الإخوان الأولى إلى فلسطين وسورية ولبنان التي قام بها الأخوان الفاضلان المرحومان عبد الرحمن الساعاتي، ومحمد أسعد الحكيم عام ١٩٣٥م.
3- خطابات الإمام الشهيد إلى المسؤولين ونكتفي هنا بأمثلة قليلة:
- إلى رئيس مجلس الوزراء حول مسجد البرلمان في 17/11/1934م.
- إلى الملك فؤاد من مجلس الشورى العام حول التبشير ومخاطره على مصر ٢٢ صفر ١٣٥٢هـ الموافق ۱۹۳۳م.
- إلى رئيس الوزراء مصطفى النحاس حول تصريح لدولة رئيس الوزراء عن إعجابه بمصطفى كمال أتاتورك بلا تحفظ في 14/6/1936م.
- إلى حضرات أصحاب الجلالة والسمو ملوك الإسلام وأمرائه وحضرات رجال الحكومات الإسلامية الفخام وأعضاء الهيئات التشريعية والجماعات الإسلامية وأهل الرأي والغيرة في العالم الإسلامي حول: المطالب الخمسون في النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية والاقتصادية... عام ١٩٣٦م، راجع مذكرات الدعوة والداعية صفحات ٢٥٤،١٧٦).
٤ – اللجنة المركزية لمساعدة فلسطين وهذا مثال عملي واضح جدًا حيث دعا الإمام الشهيد أكبر عدد من المهتمين بالقضية الفلسطينية وهم قليل في ذلك الوقت الذي صرح فيه رئيس الوزراء بأنه رئيس وزراء مصر وليس رئيس وزراء فلسطين، وكانت الهيئات السياسية والأحزاب في مصر منصرفة كل الانصراف عن مناصرة فلسطين مناصرة جدية بحكم النعرة الوطنية الخاصة التي لم تكن تطورت إلى ذلك الشعور الدفاق بحق العروبة ورابطة الإسلام، كما يقول الإمام الشهيد في مذكراته، وكان ممن خاطبهم الإمام في ذلك الوقت الأنبا يؤانس بطريرك الأقباط يدعوه فيها إلى إرسال ما تبقى من أموال لجنة مساعدة الأحباش إلى اللجنة العربية العليا بالقدس وكان ذلك كله عام ١٩٣٦م.
فهل تبقى بعد هذه الحجج الناصعة والتاريخ المسطور والمقروء أي شبهة حول أن الدعوة من أول عهدها وهي تأخذ نفسها بالوضوح في أمرين:
1 – الفكرة: حيث لا يجوز أن تخفي شيئًا من تعاليم الإسلام.
٢. التطبيق: حيث مارست الجماعة السياسة داخليًا وخارجيًا.
ثانيًا: فقه الأولويات
يظن بعض الدعاة خاصة من الشباب حديث العهد بالعمل الدعوي أن الوضوح يتنافى مع ما هو معروف بفقه الأولويات هذا إذا اعترف بوجود هذا اللون من الفقه ابتداء.
ويعرف كل دارس أو ممارس للإسلام أن الدين ما هو إلا أصول وفروع وأن القضايا الدينية لابد فيها من التمييز بين ما هو أساسي وما هو جزئي.
وهنا يطرأ سؤال عن كيفية التمييز ومعاييره وما يجب أن يقدم وما يجب أن يؤخر والناظر في سيرة النبي الله وسنته يرى كيف أدب النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل وهو يرسله إلى اليمن داعيًا فأمره أولًا أن يدعوهم إلى قول «لا إله إلا الله»، فالصلاة فالزكاة فالحج، وأمره أيضًا أن يراعي مقدار إجابتهم للدعوة فيتدرج بهم في خطوات السير نحو الله عز وجل، وهذا حديث رغم ضعف سنده، إلا أن جماهير العلماء قديمًا وحديثًا اعتمدوا عليه واشتهر بينهم.
وخرج البخاري أيضًا حديث عائشة- رضي الله عنها- وقول النبي صلى الله عليه وسلم لها: «لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لهدمت الكعبة وبنيتها على قواعد إبراهيم، وهذا أصل عظيم في احتمال الضرر الأقل مقابل دفع الضرر الأكبر وهذه قاعدة أصولية عظيمة.
لذلك على كل أخ أن يُراعي ظروف المدعو وبيئته، وأن يبدأ معه بالأهم فالمهم مع الأخذ في الاعتبار أن يركز على الكليات لا الجزئيات، يقول الدكتور عبد الكريم زيدان في أصول الدعوة: «على الداعي ألّا يبدد جهوده في الجزئيات واستئصالها، إن كان في ذلك تعويق له عن غرس معاني العقيدة الإسلامية في النفوس ودعوته إلى الله» (الطبعة الثالثة ص 409).
ويقع البعض في أخطاء صعبة أثناء العمل الدعوي بسبب عدم فهمه لضرورة التمييز بين «الوضوح» و«فقه الأولويات» ولنسمع قول الإمام الشهيد وهو يعدد من خصائص الدعوة التدرج في الخطوات فيبينه بقوله: «وأما التدرج والاعتماد على التربية ووضوح الخطوات في طريق الإخوان المسلمين، فذلك لأنهم اعتقدوا أن كل دعوة لابد لها من مراحل ثلاث: مرحلة الدعاية والتعريف والتبشير بالفكرة وإيصالها إلى الجماهير من طبقات الشعب، ثم مرحلة التكوين وتخير الأنصار وإعداد الجنود وتعبئة الصفوف من بين هؤلاء المدعوين، ثم بعد ذلك كله مرحلة التنفيذ والعمل والإنتاج». ويخاطب المتحمسين المتعجلين بقوله الواضح الصريح: «اسمعوها مني كلمة عالية داوية من فوق هذا المنبر في مؤتمركم هذا الجامع». إن طريقكم هذا مرسومة خطواته موضوعة حدوده، ولست مخالفًا هذه الحدود التي اقتنعت كل الاقتناع بأنها أسلم طريق للوصول، أجل قد تكون طريقًا طويلة ولكن ليس هناك غيرها»، رسالة المؤتمر الخامس، الرسائل ص ۱۷۸ – ۱۷۹.
ثالثًا: التقية
ولنأتِ أخيرًا على هذه الشبهة التي يثيرها خصوم الدعوة السياسيون والفكريون خاصة في هذه الأيام حيث يقولون: إن مقولات الدعاة الآن في حال ضعفهم ليست إلا قنابل الدخان يخفون بها نواياهم الحقيقية، وإنهم عندما يمكن لهم في الأرض سرعان ما يظهرون حقيقتهم ويتخلون عن هذه المبادئ السامية والأفكار الطيبة التي ينادون بها وغالبًا ما تثار هذه المقولة حول الموقف من الديمقراطية من الخصوم السياسيين، حيث أصبحت الديمقراطية شعار المرحلة بعد أن كان في فترة سابقة هو الاشتراكية والثورة، فمثلًا ها هو الاستاذ الكاتب الكويتي عبد الرحمن النجار ينقل عن عدد مجلة «المجلة» ٨٦٢ الصادر في 4/ 10 ربيع الآخر ١٤١٧هـ الموافق ١٨ - ٢٤ أغسطس ١٩٩٦م، نقولًا عن بعض الدعاة من المعارضين للانتخابات والملاحظ أنها كلها حديثة في إبان المعارك الانتخابية الحديثة، ثم يعمم أحكامه على كل الاتجاهات الإسلامية الأخرى، وكذلك يتهم نوايا الذين صرحوا بقبولهم بالديمقراطية كوسيلة للتعبير عن الرأي وتداول السلطة بصورة سلمية.
فيقول في ختام رأيه: «فالقوم لا يؤمنون بالديمقراطية كطريق حياة وكوسيلة يعبر فيها الشعب عن رأيه وينتخب ممثليه للمجلس النيابي المراقبة أعمال الحكومة.. إنهم يرون الديمقراطية كوسيلة للقفز إلى السلطة ونقلها من أيدي الكفرة والظلمة والفسقة إلى أيديهم وعند وصولهم إلى السلطة- إذا وصلوا- فلن تساوي الديمقراطية عندهم جناح بعوضة» ص ٧.٦.
وقد رد عليه في نفس العدد الأستاذ المستشار محمد المأمون الهضيبي نائب المرشد العام للإخوان المسلمين وقال في ختام رأيه: نحن والحمد لله نؤمن إيمانًا كاملًا وصحيحًا بما أعلناه وكتبناه في كتبنا حول اختياراتنا الفقهية وما نعتقده وهو أن الشورى واجبة ولازمة وملزمة، إننا نؤمن بأن الانتخابات يجب أن تكون نزيهة وصادقة ونؤمن بانتخابات حرة وتعدد الأحزاب الذي يقتضي حرية الاتصال بالناس وألا يكون الاحتكار لجهة واحدة. وقال في وضوح: «إننا نستفيد من تجارب الغير وهو أمر جيد، لأنه لا يخرج عن الإسلام» وهنا أود أن أنقل للقارئ الكريم فقرات من كلام واضح محدد للإمام الشهيد حول النظام النيابي الدستوري كتبه قبل حوالي ٥٠ عامًا كاملة في المؤتمر الخامس للإخوان المسلمين يقول فيه: الواقع أيها الإخوان أن الباحث حين ينظر إلى مبادئ الحكم الدستوري التي تتلخص في المحافظة على الحرية الشخصية بكل أنواعها، وعلى الشورى واستعداد السلطة من الأمة، وعلى مسؤولية الحكام أمام الشعب ومحاسبتهم على ما يعملون من أعمال وبيان حدود كل سلطة من السلطات، هذه الأصول كلها يتجلى للباحث أنها تنطبق كل الانطباق على تعاليم الإسلام ونظمه وقواعده في شكل الحكم، ولهذا يعتقد الإخوان أن نظام الحكم الدستوري هو أقرب نظم الحكم القائمة في العالم كله إلى الإسلام، وهم لا يعدلون به نظامًا آخر». رسالة المؤتمر الخامس: الرسائل ص192.
وكان الإمام واضحًا كل الوضوح أيضًا عندما تحدث عن الإخوان والقوة والثورة، بل أعلن بوضوح مواقف الإخوان من كثير من القضايا السياسية
الداخلية والخارجية فليرجع إليها من يشاء.
وهنا أشير إلى ملاحظة مهمة: أن الدعوة تعلن مواقفها في كل مرحلة من مراحلها بما يتناسب معها من ناحية ووفق الظروف القائمة وتبعًا للتجارب السياسية والفكرية التي تكتسبها الدعوة أو الداعية، وأيضًا إنه ليس عيبًا أن يُراجع الدعاة مواقفهم مثلهم مثل كل البشر، ويعدلون منها ويغيرون، فها هم الإخوان بعد موقفهم من الحزبية والأحزاب قبل ثورة يوليو - وكانت الأحزاب في أشد قوتها وعنفوانها- أعلنوا رأيهم الواضح في ضرر الحزبية في مثل ذلك الظرف الذي كان يستوجب جمع الشمل لمواجهة الاحتلال العسكري والفساد الملكي، أما عندما عصفت الثورة بالحريات فلم يقف في وجهها إلا الإخوان مدافعين عن الحرية والعدل وتحملوا بشجاعة نتيجة موقفهم في صورة محن متكررة طالت حوالي ربع قرن من الزمان، وبعد أن صقلتهم التجارب أعلنوا رأيهم الأخير الواضح في التعددية، وتداول السلطة والحزبية في المجتمع المسلم وأصبح اختيارهم الفقهي محددًا معلنًا وواضحًا للجميع.
[*] طبيب ومفكر إسلامي مصري.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل