; هجائية الحب (۱۳) «حرف الشين».. شجع أولادك على العمل | مجلة المجتمع

العنوان هجائية الحب (۱۳) «حرف الشين».. شجع أولادك على العمل

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 13-أغسطس-2011

مشاهدات 66

نشر في العدد 1965

نشر في الصفحة 64

السبت 13-أغسطس-2011

توفي الرجل الصالح، وترك زوجته وابنين، وأربع بنات.. لم يستطع الابن الأكبر أن يكمل تعليمه بسبب ضيق ذات اليد، كافحت أمه وحاولت إقناعه بإكمال تعليمه وصمدت صمود الجبال الشامخات لكنه أبى إلا أن يتفرغ للعمل؛ كي يربي أخاه وأخواته، وآثرهم على نفسه، وضحى بالثمين الغالي من أجلهم، وبغية أن يخفف عن أمه أعباء الحياة. 

عمل الابن الأكبر بالتجارة في السلع الاستهلاكية البسيطة، وكان صادقاً أميناً سمحا لينا في بيعه وشرائه، لذا فقد أحبه الناس، وأقبلوا على الشراء منه، وأبى إلا أن يريح أمه، وامتلأ قلبها حبًا له ورضًا عنه. 

أعان الله الفتى؛ فزوج ثلاثاً من أخواته، وأكمل بناء البيت الذي مات والده قبل أن يكمل بناءه، وأكرم أمه وكان باراً بها، وكان كريمًا مع أخواته بعد زواجهن، عطوفا حنونا على أخيه الأصغر.

 كان الابن الأكبر مسرفًا في حنانه على أخيه الأصغر، لدرجة أنه رفض أن يشركه معه في أبسط الأعمال، حتى وهو في العشرين من عمره، ولطالما نبهته أنا إلى ضرورة إشراكه في العمل، فكان يجيبني بنبرة تختلط فيها العاطفة بالحزن والأسى ويقول: إني أمثل له الأب والأخ الأكبر، وأحاول أن أعوضه حنان الأبوة الذي فقده بوفاة والدي يرحمه الله، وكان يدور بيننا حوارات ومناقشات كثيرة طويلة، كانت تنتهي دائمًا بتحيزه لرأيه وقناعاته.

في إحدى العطلات الصيفية هاتفني الابن الأكبر، وطلب مني ضرورة حضوري للحكم بينه وبين أخيه الذي يدرس الآن بالجامعة، وذلك بعد أن شكا لي منه مر الشكوى، لدرجة أنه بكى وأبكاني من هول أفعال أخيه!

قلت لهذا الشاب: لقد أضررت بأخيك الأصغر من حيث كنت تريد الإحسان إليه؛ فالزم سنة حبيبك ﷺ، فقد كان إذا رأى شابًا؛ وأعجبه سأل: «هل له عمل ؟»، فإذا قيل: لا، كان يقول: «سقط من عيني».

الفراغ والضياع

تعددت أخطاء الابن الأصغر التي كانت موضع شكوى أخيه الأكبر، وكان من أخطرها أنه لا يشعر البتة بالمسؤولية، حياته كلها فراغ وضياع، ولهو ولعب غير منضبط في أوقات نومه واستيقاظه كثير الكذب، يرسب في كليته ويخبرنا كذباً بأنه ناجح، يُدخن السجائر والشيشة، بل تجاوز ذلك إلى تعاطي المخدرات على علاقة آثمة مع الكثير من البنات والسيدات المنحرفات يختلس المال والسرقة من البقالة التي يديرها أخوه الأكبر، وهي سبب رزقهم! 

قلت صدق رسولنا الكريم ﷺ: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ» (رواه البخاري)، ومعنى «مغبون»؛ أي مغلوب فيهما كثير من الناس، لأن الصحة والوقت إذا توافرا للعبد كانا من العوامل المساعدة على العمل، لكن كثيراً من الناس لا يدركون قيمتهما، ولا يعرفون هذا الغبن في أثناء حياتهم؛ ومن ثم تضيع فوائد كثيرة من هؤلاء الناس، ولا يدركون قيمة ذلك إلا عند حضور الأجل، أو إذا كان يوم القيامة، وقد أثبت القرآن الكريم هذه الحقيقة في مواضع متعددة من القرآن الكريم، يقول تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ؟ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلَمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْم يُبْعَثُونَ﴾ (المؤمنون:١٠٠).

ويقول سبحانه: ﴿مَن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَدَقَ وَأَكُن مِّنَ الصّالحينَ﴾ (المنافقون:١٠). 

لهذا ينبغي للعاقل أن يستثمر فرصة الصحة، وهي متوافرة في مرحلة الشباب والفراغ، وذلك في العمل وتجويده وإتقانه وطاعة ربه عز وجل، لأنه بعزوفه عن العمل وخاصة في مرحلة الشباب يكون قد أضاع خيرًا كثيرًا.

فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله له الرجل وهو يعظه: «اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك» (رواه الحاكم). 

متى يكبر الابن قبل موعده؟ 

من أقوال الحكماء: «يظل الابن صغيرًا حتى يموت والده».

وفي كتابه القيم « إرشادات الحياة»، كتب الأب جاكسون براون» عن ابنه «آدم» الذي سيغادر البيت للدراسة الجامعية عدة توجيهات وإرشادات تربوية قيمة؛ لتساعده على النجاح في حياته، فكان من بين هذه الإرشادات: «شجع أولادك على العمل المسائي بعد بلوغهم سن السادسة عشرة.. وليكن تفكيرك واقعيا وقلبك رحيما .. اهتم بالوقت والكلمات بحرص؛ فلن تتمكن من استرجاع أحدهما أبداً .. لا تضيع الوقت في لعب الورق .. في علاقات العمل والعلاقات العائلية تذكر أن أهم الأشياء قاطبة هي ا الثقة لا تنس أهم شيء عاطفي لدى الإنسان أن يشعر بأن الآخرين يقدرونه.

إن قيمة العمل من أهم وأعظم القيم التي نهضت بسببها الشعوب وتطورت الحضارات، فلا مكان للكسالى والمتكاسلين، وكما يقولون: «لكل مجتهد نصيب»؛ فبالعمل الجاد يتحقق الازدهار والتقدم للفرد والمجتمع على السواء، وبه تتحقق الحياة الكريمة.

ليس العمل أماكن نذهب إليها، إنما هو حركة يوجهها القلب السليم المخلص، ينير الظلام، فإن أتقناه أحبنا الله ورسوله، وأحـبـنـا الناس، لأننا سبب في إنجاز حاجاتهم، فالعمل عبادة، لذا أوصانا رسولنا الحبيب ﷺ بإتقانه؛ فقال: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه» (رواه البيهقي والطبراني).

إن المتكاسلين ينظرون إلى العمل على أنه إرهاق ومشقة، وهذا يجعلهم يتهاونون فيه، ويستهترون به ويغفلون عن ثماره الحقيقية التي تتحقق بجدية العامل وإخلاصه، فتكون الثمرة زيادة في الأجر والثواب والرزق الحلال.

لذا.. فقد عُني الإسلام بالعمل عناية كبيرة، وجعله من الواجبات، ولقد برزت هذه العناية في ورود لفظة العمل ومشتقاتها نحو ٣٦٠ مرة في القرآن الكريم.

وفي القرآن الكريم حث كثير على العمل، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلَ اللَّهَ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الجمعة:١٠). 

وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رَزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (الملك:١٥).

وقد وصف الرسول الكريم ﷺ العامل بأنه حبيب الله، ورأى ذات يوم أثر العمل على يد أحد أصحابه فقال لهم: «هذه يد يحبها الله ورسوله».. وفي المقابل قال ﷺ: «ملعون ملعون من ألقى كله على الناس».

وورد في الخبر أن صحابيين وفدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعهما أخ لهما يحملانه على أيديهما، فلما سألهما النبي صلى الله عليه وسلم عن حاله قالا: إنه لا ينتهي من صلاة إلا إلى صلاة، ولا من صيام إلا إلى صيام؛ حتى أدرك من الجهد ما ترى، فقال لهما: «فمن يرعى له ابنه، ويسعى على ولده؟»، فقالا: نحن يا رسول الله، فقال لهما: «أنتما أعبد منه وأتقى».

الشباب والعمل

إن الشباب هم طاقة الأمة الفاعلة، وهم حاضرها ومستقبلها .. بعضهم يظن أن العمل يعيب صاحبه، ويقلل من شأنه ومكانته، ولهؤلاء من أولادنا أقول: لا تنسوا أن نبي الله نوحًا عليه السلام كان نجاراً برغم نبوته ومكانته العالية ودرجة النبوة، ولقد زاده عمله شرفا وفائدة وكان داود عليه السلام حداداً؛ وزاده عمله شرفاً ومجداً، ولقد اعتز رسولنا الكريم بذلك في قوله : «ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود -عليه السلام- كان يأكل من عمل يده» (رواه البخاري). 

جميل -يا بني- أن تحب عملك، وأن يكون العمل بالنسبة لحياتك كالقلب في جوارحك، وليس العمل مكانا لتقضية الوقت، وإنما هو سبيل الأفراد والأمم لتحقيق التنمية والرقي لذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم خير العاملين وأجودهم. 

لماذا خلق الله الإنسان؟

ليعلم الآباء والأبناء لماذا خلقوا؟ إن الله عز وجل خلق الإنسان ليجعله خليفة له في أرضه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة:٣٠).

وخلافة الإنسان تقتضي إعمار الأرض، أن يعمرها الإنسان بالخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الحق، وكذلك يعمرها بالبناء -سواء أكانت العمارة روحية أم مادية- والعمل الجاد الدؤوب المخلص؛ فبهذا العمل تتحقق طموحات الأفراد والمجتمعات. 

بني.. العمل ينمي شخصيتك 

ليت أبناءنا يعلمون ما للعمل من دور مؤثر في بناء شخصياتهم، وفي تفتق مواهبهم، وبلورة أفكارهم؛ ومن ثم فإنك تضعف من شخصيتك ولا تعود نفسك المسؤولية، ولا ترتقي بذاتك، ولا تكتشف قدراتك، ناهيك عما تسببه من معوقات وأضرار لأبويك وأسرتك ومجتمعك، فالفرد المهمل في العمل خطر على نفسه وعلى المجموعة، وهو فرد غير منتج، بل يستنزف جهود غيره، ويستهلك ثمرات عمل الآخرين، فما أشبهه بالنباتات والأعشاب الطفيلية التي تلتصق بالأشجار المثمرة؛ تزاحمها في غذائها الذي تستمده عروقها من الأرض.

إنك -يا بني- بتقاعسك عن العمل تسقط ذاتك في هوة الشقاء، إذ إنه مهما كان مجدك ومالك فلن تعرف طعم ذلك الشعور الذي يغمر العامل عندما يفرغ بنجاح من أداء عمله، فيرى فكرته التي هي جزء من روحه تتجسم في نوع من المنتجات المفيدة. قد يكون والدك -أيها الشاب- غنياً، ويستغني عن عملك، بل يغدق عليك من ماله لتنفق في بذخ، لكن قيمة المرء الحقيقية لا تقدر بما يملك من مال ومتاع، ولا بما يملك أبوه، ولكن قيمة الفرد بما أنتجته قريحته وصنعته يداه، ولله در الإمام الشافعي إذ يقول: 

إني رأيت وقوف الماء يفسده

             إن سال طاب وإن لم يجر لم يطب

ويقول أمير الشعراء أحمد شوقي: 

وما نيل المطالب بالتمني

           ولكن توخذ الدنيا غلابًا

وما استعصى على قوم منال

          إذا الإقدام كان لهم ركابًا

ويقول الميداني بن صالح في العامل الكادح:

أيها الكادح يا رمز السعادة

            لك في العيد وسام وقلادة

قالوا عن العمل

• الفقر لا يتعدى إلا على الكسالى.

• إن العمل يجعلك حرًا عظيمًا.

• صنعة في اليد أمان من الفقر.

• غبار عمل خير من طيب البطالة.

• الإنسان من غير عمل كالناقة العمياء في وسط الصحراء.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل