; شخصية الأمة في عصر انقلاب المفاهيم | مجلة المجتمع

العنوان شخصية الأمة في عصر انقلاب المفاهيم

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 17-أكتوبر-1978

مشاهدات 49

نشر في العدد 416

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 17-أكتوبر-1978

في معركة أمتنا مع خصمها اليهودي اللدود، قد يخطر بذهن الإنسان أن يستبطن التاريخ باحثًا عن شخصيته العالمية التي كانت جميع الأمم تدين لها في يومٍ ما، وهنا تبدو له المفارقة العجيبة بين ما كان وما هو كائن الآن، بين شخصية تلك الأمة الإسلامية العملاقة، وشخصية الدويلات المعاصرة التي تظن نفسها أنها تنتسب إلى الإسلام، والتي تعاني اليوم ما تعانيه من نوازل وويلات. وهنا يطرح سؤال نفسه باحثًا عن إجابة: أين هي الشخصية التي تميزت بها الأمة الإسلامية عبر قرون عديدة؟ أليست للمجتمعات الحديثة معالم شخصية مميزة؟ أجل، فلكل مجتمع شخصيته وهويته الخاصة، وعلى الرغم من التمازج الحضاري بين أمم هذا العصر، إلا أن السمات الشخصية لأمة ما تظل ذات علامات مميزة، فللمجتمع الغربي الرأسمالي شخصية سياسية واجتماعية ودينية خاصة، وللمعسكر الشيوعي شخصية متميزة مغايرة، وللدولة اليهودية القائمة بين أحضاننا شخصية ثابتة لها ما يميزها عن الأمم والمجتمعات الأخرى، لكن، هل لأمتنا شخصية معاصرة متميزة؟

إن واقع الأمة هو الذي يجيب عن هذا التساؤل، وأن طبيعة الدويلات المتفرقة التي تنتسب إلى الإسلام، هو الذي يحدد إن كانت لأمتنا شخصية بين شخصيات الأمم الأخرى، وهنا لا يغيب على المرء أن الشخصية الأممية المبنية على كيان واحد، تحت شعار واحد، وراية واحدة، وهدف واحد، تختلف في ملامحها عن شخصية الأمة الموزعة هنا وهناك في دويلات متفرقة، واتجاهات متغايرة، وأهداف وشعارات متباينة متنافرة، مصدرها الكفر والإلحاد الذي انتشر في الشرق والغرب، الأمر الذي جعل شخصية هذه الأمة موزعة بين شركاء متشاكسين، لكل منهم شعار، وما أكثرها من الشعارات، فهذا يزعم أنها دولة العلم والإيمان، وآخر يريدها دولة للوحدة والحرية والاشتراكية، وغيرهما ينادي ويصر متبجحًا أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة، وعلى الرغم من تنافر أصحاب هذه الشعارات وتنابزهم، إلا أنهم متفقون جميعًا على أن يضربوا باليد الحديدية السوداء على كل من لا يقدس ما يقولون، وكأن الذي يقولون إنما هو وحي وتنزيل، إلا أنها شخصية ممزقة، إلا أنها شخصية مائعة.

إن التنافر بين أولئك الحاكمين هو الذي شكل هذا الوجه المائع لشخصية الأمة، وهو الذي أوقفها على شفا جرفٍ هارٍ، تميل تارة إلى الغرب، وأخرى إلى الشرق، لتستمد المبادئ والمناهج والشعارات، ضاربة مبادئها الأصيلة السامية عرض الحائط، مما جعلها لا يستقر بها حال إلا على موائد الأمم الكافرة.

هذه هي حال شخصية العالم المسلم، أما الرسالة السامية التي شكلت شخصية الأمة الإسلامية السالفة، فلا مكان لها في التطبيق في واقعنا الحاضر، اللهم إلا ما أُودع في الكتب، أو ترك بين جدران المساجد، الأمر الذي جعل الأمم الكبرى تتكالب علينا كما تتكالب الأكلة إلى قصعتها، فصرنا- وللأسف- محطة لكل من أراد أن يستريح على ظهرنا، وغدت شخصيتنا مشوهة مريضة تائهة بين حبال الشرق والغرب، ولعل قادة دويلاتنا هم الذين يحملون إثم هذه الشخصية الجديدة، وذلك بما ركبت عليه أنظمتهم من تبعيات صارت هي السمة البارزة في شخصية الأمة.

على أن بعض أولئك الساسة الحاكمين- يتميز في سياسته المخاتلة بشخصية السياسي الشاطر الذى يساوم أعداء الأمة على أرضها وكرامتها، ويبيع البلاد في مزاد الأمم الكبرى للمزايدين اليهود، ثم يعود إلى شعبه ليعلمه أنه أحضر إليه النصر والفوز والسلام معًا، وليطمئن الشباب بأنهم انتهوا الآن فقط من- خدمة التجنيد الإجباري- على حد تعبيره، إن لهذا الحاكم أثرًا كبيرًا في قلب المفاهيم وتسريب الباطل إلى النفوس، وهذه خدمة مجانية يقدمها لمن يريد بأمتنا وديننا وسلوكنا الشر والعدوان، فمسألة قلب المفاهيم التي عجز عن صنعها كل المستشرقين والمبشرين والمستعمرين واليهود، أتقنها هذا الحاكم، وراح يقدمها خطوة خطوة، شعارًا شعارًا، في بطاقات براقة خلابة ابتداء من: ورقة أكتوبر دولة العلم والإيمان، وانتهاء بصحافة بيغن ووایزمان ودايان التي صفق لها المصفقون، وابتسم لها آخرون من وراء حجاب.

وليس بالغريب أن تنعكس شخصية هذا الحاكم وأمثاله على حيز كبير من أبناء شعبه، وبالتالي على شخصية الأمة بالذل والهوان والاندحار، بينما يبقى ديدنه هو خدمة سادته المستعمرين وأصدقائه اليهود الذين يعرضون على يديه تقليعات المفاهيم المزورة واحدة بعد أخرى، يبرر بها وجوده ويضرب العقل الواعي لخصومه، أو يزج بهم في أقبية السجون لأنهم رفضوا الاستسلام لليهودية والصليبية التي استأجرته لتمر على يديه، وقد تدعوه مهمته في تبديل المفاهيم أن يظهر بمظهر الحريص على الأمة واقتصادها ومواردها، ولا يبالي بشيوع الفحش والمنكر بين الرجال والنساء، بل يجعل من ذلك موردًا مهمًا من موارد الدولة محتجًا أن دور اللهو والمجون سببًا من أسباب تضخم الميزانية، لقد قيل هذا وغيره كثير في عصر السلام والتواد مع اليهود، وقد يكون ذلك- على ما يبدو- أدعى لبناء علاقة حسن الجوار مع اليهود الذين عرفهم التاريخ أهل فحش ودعارة، والذين لعنهم القرآن الكريم على لسان الأنبياء: ﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ،  كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (المائدة: 78- 79).

إن قيام بعض الساسة بترويج ما يخدش أصالة أمتنا في عصر انقلاب المفاهيم لهو أشد خطرًا في تركيب شخصية معقدة لهذه الأمة من أي عدو حارب أمتنا من خارج صفوفها، وبذلك ناب هؤلاء عن العدو الكافر في تنفيذ مخططاته وترويج أفكاره، مما يجعلنا نقول: إن تبني هؤلاء الحكام للمخططات اليهودية، إنما يعني لزوم الولاء لأمة الكفر والباطل، وقد أوضح القرآن الكريم رأيه في أمثالهم فقال: ﴿ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَٰكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (المائدة: 81). والحمد لله رب العالمين.

لا.. يا دمشق

الأخبار الواردة إلينا من سورية، تفيد بأن السلطات هناك تقوم باعتقال مئات الشباب المسلم، والزج بهم في السجون، مع تعريضهم لأشدأنواع التعذيب، وأبشع أشكال التنكيل.

وهذا إضافة إلى ما تناقلته وكالات الأنباء من أن السلطات هناك أعلنت بأنها اكتشفت الجماعة التي تقوم بالاغتيالات في سورية، ونشرت أسماء فتيان في العقد الثاني من أعمارهم، زعمت أنهم هم الذين يقومون بهذه الاغتيالات، وهم منها براء.

يأتي هذا كله في الوقت الذي تنادي فيه سورية بمعارضتها لاتفاقيات كامب ديفيد، ومشاركتها فيما يسمى جبهة الصمود والتصدي، وإعلانها أنها تستعد للحرب والقتال.

هل تريد دمشق أن تكرر مأساة حزيران، يوم كان الإسلاميون في السجون، مبعدين عن ساحة الجهاد، واليهود يغزون سورية ويحتلون الأرض تلو الأرض؟

إن من يريد الحرب والقتال، لا يعمد إلى المجاهدين الحقيقيين ويزج بهم في السجون والمعتقلات، ويحول بينهم وبين أسمى أمنياتهم، وهي الشهادة في سبيل الله. 

إن اعتقال الشباب المسلم في سورية، يجعلنا نشك في صدق النية، ومخالفتها لما هو معلن على الناس.

كما أن أساليب الاضطهاد والتنكيل بالشباب المسلم في سورية، لن تزيده إلا ثباتًا على الحق، ومُضيًّا في الجهاد.

فلا يا دمشق.. لا. ليس هذا طريق من ينوي حرب اليهود، وتحرير الأرض التي احتلوها، والمسلمون في المعتقلات والسجون، مبعدون عن الميدان.

الرابط المختصر :