العنوان شخصية الحمار في الفكر والأدب (٦)- كتب الحمير
الكاتب جابر قميحة
تاريخ النشر السبت 19-نوفمبر-2011
مشاهدات 53
نشر في العدد 1977
نشر في الصفحة 48
السبت 19-نوفمبر-2011
● توفيق الحكيم: إذا كانت ثورة يوليو قد حاكمت الديمقراطية المنحرفة لأنها أدت لهزيمة ١٩٤٨م.. فلماذا لا نحاكم الاشتراكية المنحرفة التي أدت لهزيمة ١٩٦٧م؟!
● الحكيم كانت تغمره روح اليأس في الأربعينيات.. ويرى أنه لا فائدة ترجى من الريف ولا شيء غير الأسف والحسرة والمرارة
● الحمير كانت أكثر استشراقا وإيمانا بالشعب المستقل.. فجوهر شعبنا على الدوام لم يمس ومعدنه نفيس وضد الزيف
في أسلوب الحكيم كذلك خفة روح ورشاقة إحساس وسخرية قد تتدفق بالمرارة أحيانا، ولأجتزئ بالأمثلة الآتية:
ولقد بدا من اهتمامي بالقرود في شوارع القاهرة أن عرفني القرادون.. فما يكاد أحدهم يلمحني سائرا حتى يسرع نحوي صائحا في قرده سلم على سيدنا البيه .. فيقف القرد على قدميه كأنه إنسان ويرفع يديه إلى رأسه بالتحية فأمنحه قرشا ، وأوصي صاحبه أن يشتري له فولا (ص (٧٥)
ويقول عن الحمارين اللذين ركبهما هو وصاحبه، وكانا يتركان الطريق العام، ولا يحلو لهما إلا السير على حافة الترعة: «إن تلك الحمير كانت تسير على عادتها العجيبة سيراً لا يبعث على اطمئنان أمثالنا من الفرسان الخائبين، فلقد كانت تترك عن عمد الطريق الواسعة المستقيمة، وتنحدر إلى حافة جسر الترعة حيث لا يفصل بينها وبين الهاوية غير أشبار، وهي تسرع في الخطى تارة، وتتصادم أرجلها وتصطك تارة أخرى غير حافلة بشيء كأنها تضيق بالأمن والعافية، وتسعى إلى الخطر تلاعبه وتداعبه بأطراف حوافرها كما يفعل المتصوفة الذين ينصرفون عن طرق التفكير المعبدة إلى اللعب بأفكارهم على حافة اللانهاية (ص ۹۲ - ۹۳).
(وسنرى أن المازني له صورة مشابهة رسمها للجحش في صندوق الدنيا).
● الشارب القصير
وحينما فكر في الزواج عرض عليه الواسطة أو الخاطب - وهو صديقه - أن يتصور، وبعد أن تم التقاط الصورة يقول الحكيم: وجاء الغد فانسللت بمفردي إلى حانوت المصور، أطلع خفية على تجارب الصورة فعرضها علي المصور، فتأملت وجهي فيها، فلاحظت أن شاربي غير متساويين في الطول، وأن شاربا أقصر من شارب فتباحثنا في علاج ذلك، وقلت له : إن الرتوش الوحيدة التي أذن بها هي أن يمد ريشته إلى الشارب القصير فيطيله حتى يساوي أخاه، وانصرفت وانتصف النهار، وقابلت بعد ذلك المهتم بشأني من أمر الشارب، فما راعني إلا قوله: إنه مر هو الآخر بحانوت المصور عقب انصرافي فلما علم بمسألة الشوارب أمر المصور أن يزيلها كلها ، وكفى المؤمنين شر القتال .. فما أن سمعت منه ذلك حتى صحت في وجهه يزيلها كلها ؟!
- ما المانع؟
- أنا بشوارب تعملوني من غير شوارب...
هذا العمل اسمه تزوير. يعني لا سمح الله قمنا زورنا في كمبيالة ؟!
هو التزوير لابد أن يكون في كمبيالات؟ - كان غرض حضرتك أن أهل العروسة
يقولون: مقدمين لنا عريسا بشنب وذقن؟
- نقوم نلجأ للغش؟
- وأنت فاهم أن صورة العروسة خالية من
الغش ؟ ص ١٢٦ - ١٢٧).
● حماري قال لي :
1 - لم يعطنا الحكيم صورة حسية أو نفسية للحمار، ففن التشخيص هنا معدوم، وإن جعل للحمار صوتاً وحركة ورأياً، إنما يبقى الحمار بعد ذلك وسيلة أو بوقا ينفخ الحكيم فيه آراءه وأفكاره.
2- الكتاب كله على هيئة حوار بين الحكيم وحماره، وهذا الحوار يختلف في كمه وكيفه من فصل إلى فصل، وليس هناك في الحوار طرف ثالث إلا نادرا، على أن الحمار لم يتكلم إلا للحكيم صاحبه .. ويلاحظ أيضا في هذا الحوار:
أ- قد يأتي الحوار على قدم المساواة بين الحكيم وحماره، فكأنهما على مستوى اجتماعي وعقلي واحد، بل قد يبدو الحمار بصورة أكثر تفوقا من صاحبه في مجالات السياسة ، فينهزم الحكيم، أو إن شأت فقل:
والاجتماع ينقلب الحكم على الحكيم.
ب- وقد لا يتعدى دور الحوار مجرد طرح سؤال ينطلق من الحكيم إلى عرض ما يراه، وإبداء رأيه في مشكلات الساعة والقادة والزعماء والناس والحياة، كما نرى في فصل حماري وموسوليني... فكل ما قاله الحمار في هذا الفصل هو السؤال التالي: ترى كيف تتصوره وهو في سجنه؟ (ص (٤٠).
٣- وتخيل الحكيم حوارا طويلا بين «موسوليني» وحارسه، دون أن يتدخل في هذا الحوار.. أي أن الحمار طرح سؤاله والحكيم تخيل، وترك الساحة للحارس و«موسوليني».
خير ما كتبه الحكيم في هذا الكتاب هو ذاك الحوار الذي أجراه بين الضمير الفني والضمير الإنساني.. وهو يحدد العلاقة بين الخلق والفن.
٤- فصل حماري ومنظري (ص) (۱۳۱) هو أكمل الفصول فنا، وأوفاها خيالا ودرامية بالنسبة للشخصيات والأحداث والتفاعل الفني، وطرافة الفكر والمضمون الفكري النبيل الذي ينتهي بنا إلى الإيمان بأن الله خلقنا على أكمل صورة.
٥- وتسري روح السخرية في الصفحات .(١٤٤، ١٤٥، ١٥٠)
٦- الذع ألوان النقد الاجتماعي، وخصوصاً مرض النفاق يواجهنا بالصفحات ( ١٥٠، ١٦١.(١٦٢، ١٦٣
● الحمير (الطبعة الأولى دار الشروق)
- الكتاب يضم بين دفتيه 4 مسرحيات كل واحدة منها من فصل واحد وهي على الترتيب:
١- الحمار يفكر من ص ١٥ - ٤٢،
٢- الحمار يؤلف من ص ٤٥ - ٧٨ ( ١٩٦٩/٣/١٨م).
(١٩٧٠/٦/٩م).
٣- سوق الحمير من ص ۸۰ - ۱۰۷ (۱۹۷۱/۲/۱۲م).
- حصحص الحبوب، من ص ۱۱۱ - ١٤٣ (١٩٧٢/٥/١٢م).
يسأل الحكيم نفسه في مقدمة الكتاب الذي يضم المسرحيات الأربع ما الذي يريده مثلي الإنسان من نشر هذا الكتاب؟ ويجيب الحكيم بما يكشف عن هدفه صراحة: «كل ما أريده هو أن يظل نبض الحياة في أمتنا قائما بوظيفته الحيوية، ولا قيمة لحياة بغير وعي.. وكما أن الوعي عندنا قبل الثورة قد جعلنا نفحص الديمقراطية لنتبين فيها مواضع التزييف، كذلك يجب علينا إذا كان نبض الحياة فينا لم يقف من أن نفحص الاشتراكية لنتبين فيها مواضع الزيف، وإذا كانت الاشتراكية عندنا قد انحرفت أو زيفت كما انحرفت من قبل الديمقراطية أو زيفت، فلماذا قبلنا محاكمة الديمقراطية المنحرفة، ولم نقبل فكرة المحاكمة للاشتراكية المنحرفة؟.
● الاشتراكية المنحرفة
وإذا كانت ثورة يوليو ١٩٥٢م قد حاكمت الديمقراطية المنحرفة؛ لأنها أدت إلى هزيمة حرب ١٩٤٨م.. فلماذا لا نحاكم الاشتراكية المنحرفة التي أدت إلى هزيمة ١٩٦٧م، وشتان بين نتائج الهزيمتين، وخسائر الهزيمتين؟ (ص (۹).
ولكن الحكيم كانت تغمره روح اليأس في الأربعينيات، ويرى أنه لا فائدة قد ترجى من الريف، ولا شيء غير الأسف والحسرة والمرارة. حمار الحكيم، ص (٦٦).
كانت الحمير أكثر استشراقاً وإيماناً بالشعب المستقل فجوهر شعبنا على الدوام السليم لم يمس، ومعدنه نفيس، والجوهر الخالد والمعدن النفيس ضد الزيف الحمير ص (٩).
فهذه المسرحيات - إذن - كتبت في فترة نستطيع نجمل الحكم فيها بأنها فترة «تيه وضياع... فعسكريا هزمت الأمة والجيش المصري أشنع وأخس هزيمة في تاريخ مصر وسياسيا ظلت مصر تعيش تحت حكم الفرد المطلق، وظلم الحاكم يفكر بعقلية المنتصر وكأن ثلث مساحة مصر لم يكن تحت وطأة أقذر احتلال في التاريخ.. واقتصاديا عرفت مصر الديون وأصبحت مصر التي كانت مزرعة للعالم تستقبل كل شيء من العالم ابتداء من حبة القمح وحبة السكر، وانتهاء بالثوب والمدارس. ونفسيا اهتراء وتمزق، وحيرة، وقلق وخوف من مجهول يحس به الناس وكلهم لا يعرفون ما هو على وجه التحديد.
وعاش الشباب سنوات مغالطة وأكاذيب وانبرت أقلام تهيئ الناس أن الهزيمة نصر وأن الدكتاتورية حزم، وأن الهدف من الضربة الإسرائيلية كان عزل الزعيم، وتغيير القيادة المصرية، فلما لم يتحقق هذا الهدف يكون النصر لنا، والهزيمة المنكرة لأعدائنا.
في هذا الجو وتحت وطأة هذا الكابوس اللزج العفن خرجت حمير الحكيم، في صور متعددة، ولكنها كلها كانت تجري في مضمار واحد إلى غاية واحدة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل