; شخصية «الحمار» في الفكر والأدب (٤): حمار الحكيم | مجلة المجتمع

العنوان شخصية «الحمار» في الفكر والأدب (٤): حمار الحكيم

الكاتب الأستاذ الدكتور جابر قميحة

تاريخ النشر السبت 08-أكتوبر-2011

مشاهدات 70

نشر في العدد 1972

نشر في الصفحة 50

السبت 08-أكتوبر-2011

  • كان الجحش وسيلة فنية ناجحة نفذ منها الحكيم إلى رسم تضاريسه الفكرية ورأيه في المجتمعين العالمي والمصري
  • توفيق الحكيم يقول على لسان حماره: متى ينصفني الزمان فأركب.. فأنا جاهل بسيط أما صاحبي فجاهل مركب؟!

لم يعدم «الحمار» حظه في الشعر فنجد الشاعر أبا الحسن الجزار الذي عاش في العصر المملوكي يقول وقد رآه بعض معارفه وهو يمشي بعد موت حماره:

كم من جهول راني *** أمشي ولا أطلب رزقا

وقال لي: صرت تمشي *** وقل: ماش ملقى

فقلت: مات حماري *** تعيش أنت وتبقى

وقال يرثي حماره:

ما كل حين تنجح الأسفار *** نفق الحمار وبارت الأشعار

خرجي على كتفي وها أنا دائر *** بين البيوت كأنني عطار

ماذا علي جرى لأجل فراق *** وجرت دموع العين وهي غزار

لم أنس حدة نفسه وكأنه *** من أن تسابقه الرياح يغار 

وتخاله في القفر جناً إنما *** ما كل جن مثله طيار 

وإذا أتى للحوض لم يخلع له *** في الماء من قبل الورود عذار

وتراه يحرس رجله من زلة *** برشاشها يتنجس الحظار

ويلين في وقت المضيق فيلتوي *** فكأنما بيديك منه سوار 

ويسير في وقت الزحام برأسه *** حتى يحيد أمامك الحضار 

لم أدر عيبا فيه إلا أنه *** مع ذا الذكاء يقال عنه: حمار 

ولقد تحامته الكلاب وأحجمت *** عنه وفيه كل ما تختار

راعت لصاحبه عهودا قد مضت *** لما علمن بأنه جزار

وقال أبو الأنوار السجستاني، يبكي حماره الذي وسده التراب:

عزيز علينا أن يغيبك القبر *** ليس لنا إلا البكاء أو الصبر

تموت وما كحلت عينيك بالمنى *** وما نلت حباً من أتان هي البدر

أقول وفي نفسي الكسيرة كربة *** كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر

ولو صح أن تفدي فديتك طائعا *** وقلت: فداك المال والنعم الحمر

حمير توفيق الحكيم

أولاً: حمار الحكيم: كانت طبعته الأولى سنة ١٩٤٠م، وطبعته الثانية (١٩٤٢م):

صدره الحكيم في أول صفحة بقوله: قال حمار الحكيم يوما: متى ينصفني الزمان فأركب، فأنا جاهل بسيط أما صاحبي فجاهل مركب ؟ فقيل له: وما الفرق بين الجاهل البسيط والجاهل المركب؟ فقال: الجاهل البسيط هو من يعلم أنه جاهل، أما الجاهل المركب فهو من يجهل أنه جاهل.

في الفصول الأولى كان للحمار - أو للجحش بمعنى أدق - مكان واسع كبير، فقد حكى الحكيم قصة أول لقاء بينه وبين الجحش ورسم له صورة حسية دقيقة في أول صفحة فهو صغير الحجم كأنه دمية، أبيض كأنه قد من رخام بديع التكوين كأنه من صنع فنان وكان يخطر على الإفريز كأنه غزال، وفي عنقه رباط أحمر. 

اشتراه الحكيم وصحبه معه إلى الفندق وأطلق عليه اسم «الفيلسوف»، وهو يرى أن هذا الجحش أحق بلقب الفيلسوف منه، فهو لا يبدو عليه أنه معني بما يصنع به.. إن منظر الكاميرا لم يثر استطلاعه ولا اهتمامه كما فعلت المرأة، فالمرأة تجعله يعرف نفسه بنفسه وهو كل ما يسعى إليه، وهو غرض الفلاسفة في كل زمان ومكان.. أما الكاميرا فهي الصورة التي يأخذها الناس عنه، وماذا يهم الفيلسوف الحق أن يعلم رأي الناس فيه؟ (ص ۱۳۸).

موت الحمار

وانتهى الأمر بالجحش إلى الموت؛ لأنه امتنع على كل المراضع، وحزن الحكيم على هذا الصديق الراحل حزنا شديدا ؛ لأنه استطاع «أن يرى الحياة والموت من ثقب واحد، وأن يرى الكائنات المتحركة والجامدة من عين واحدة وأن يخترق الكون كله بجسمه الصغير النحيل في يومين ويمضي، وأن يتوهم أنه زعيم خطير أو مفكر بصير .. إن هذا الشيء الحقير الذي سميناه جحشا هو في نظر الحقيقة العليا مخلوق يثير الاحترام.. في حين أن كثيراً ممن سميناهم زعماء وعظماء فركبوه، ولم يبصروا الغرور وهو يركب رؤوسهم وهم في نظر الحقيقة العليا مخلوقات تثير السخرية (ص ١٦٥ - ١٦٦).

ويوالي الحكيم في آخر سطور كتابه التعبير عن شعوره نحو الجحش فيقول : ... نعم، كنت أشعر دائماً شعوراً غامضا أن حبي لهذا الجحش هو حب مقترن بشيء آخر غير العطف والإشفاق.. إنه التقدير والتبجيل.. أحمد الله أنه مات قبل أن يكبر فيركب.. إني أخجل من ذلك ولا ريب؛ لأني كنت أسمع في كل خطوة من خطواته المتزنة همسات تتصاعد من أعماق نفسه التي في عمق المحيط : أيها الزمان.. أيها الزمان.. متى تنصف أيها الزمان فأركب؛ فأنا جاهل بسيط أما صاحبي فجاهل مركب (ص ١٦٦).

خط درامی

ومن الناحية الفنية، نرى أن الحكيم قد جعل الجحش هو الخط الدرامي الناقد في قصته كلها التي دارت حول قصة سينمائية تصور في الريف، وكان الجحش شخصية من شخصياتها .. وإن لم يتم هذا الفيلم تمثيلا وتصويرا، إلا أن حضور الجحش كان قويا جدا في هذه القصة أقوى من حضوره في حماري قال لي الذي أخرجه الحكيم بعد ذلك بخمس سنوات وقبل أن نعرض لمظاهر هذا الحضور أشير إلى حمير أخرى عرضية، هي: 

  1. حمارة «سعداوي» التي ولدت حديثا وحمل إليها الجحش لكي يرضع من لبنها . (ص (٦٤)
  2. حماران استعارهما الحكيم والمخرج للقيام بنزهة في عمق الريف. (ص 93)
  3. الحمار الوحشي ذكره الحكيم عرضاً وهو يشبه نفسه به؛ «إنما أنا حمار وحشي من تلك الحمر الوحشية ذات النقوش الطبيعية السوداء البيضاء» (ص ١٤١).

وسيلة فنية

كان الجحش هنا وسيلة فنية ناجحة نفذ منها الحكيم إلى رسم تضاريسه الفكرية ورأيه في المجتمع العالمي والمجتمع المصري وخصوصًا مجتمع القرية، وكذلك رأيه في المرأة ومركزها آنذاك، وجنايتها على نفسها ومجتمعها .. وهي في مجموعها آراء تتسم بالقسوة والمرارة والتمرد الفكري العنيف، حيث كانت مصر محتلة مستعبدة، والعالم كله تصطك آذانه حين كانت صرخات الحرب وهدير نيرانها يهز أركان العالم، والشباب المصري يتطلع بقوة وتوثب للتحرير، والهجرات الصهيونية بعشرات الآلاف كانت تمثل علامة خطر كبرى على فلسطين والأرض العربية، والفلاح ابن الأرض كان يعيش مسحوقا مطحونا.

كل أولئك كان وراء هذا العنف الفكري الذي تمخض عن آراء شديدة صارمة تصم إنسان العصر بالكثير الذي يندى له الجبين.

ولننظر إلى هذا الحوار:

- زوجة المصور: ألا ترى معي أن في هذه الحيوانات شيئا إنسانيا بالمعنى السامي لهذه الكلمة؟

- الحكيم: هذا صحيح، بل إن فيها أحيانا الإنسانية أكثر من الإنسان نفسه... إن فكرة الشر غير موجودة عند الحيوان، إن أغلب الحيوان محب للسلام والإخاء والصفاء، والقليل الذي تطلق عليه اسم «الضواري»لم يعرف قط العدوان لمجرد الزهو بالعدوان... الإنسان وحده من بين مخلوقات الأرض هو الذي يرى في الاعتداء على أخيه الإنسان ما يسميه «المجد والفخار».

- زوجة المصور: إني معك في هذا الرأي إن وحشية الإنسان قد بلغت حدا لم يبق معه إلا أن نرد اعتبارنا إلى الحيوان، وأن نعدل نظرتنا إليه، وأن نتخذه هو المثل الأعلى لما ينبغي أن يكون عليه سلوك الإنسان إذا أراد إقرار الخير والسلام في الأرض. (ص ۸۰ - ۸۱).

كانت هذه صورة إنسان العصر في نظر الحكيم، وهي صورة تمخضت عنها طبيعة العصر، والصراع العسكري الذي أطلت مطالعته في عصر هذا الكتاب.

البيئة المصرية

فإذا ما تركنا هذا النطاق العام إلى النطاق الخاص».. إلى البيئة المصرية، نرى الحكيم يطرح صورا مكثفة لبؤس الإنسان المصري»، وخصوصا إنسان القرية، ومنها على سبيل المثال:

  1. صورة الأسرة العجيبة التي صادفها يومًا في أحد الشوارع، وحطت رحلها بالقرب من صندوق القمامة، وقد ظهر عليها الجوع والإعياء، وبدا عليها الشقاء، ونبذها الناس ولفظها المجتمع ولم يعرف لها أحد حقا من حقوق الحياة فلجأت إلى قارعة الطريق، ولم يبق فيها سيد ولا مسود، ولا أمر ولا ناه بل شغل كل بنفسه، فجلس صاحبها القرفصاء يبحث في القمامة عن قشور البطيخ، وفتات الخبز، وفضلات الطعام، وتفرق أفراد الأسرة كل فرد في ركن يخرج بيده أو بفمه أو بنابه على حسب نوعه في الحيوان ما يملأ جوفه الخاوي، واندست بينهم القطط الضالة والكلاب الهائمة تطلب هي الأخرى حقها في هذه الوليمة المباحة .. وطعم الجميع، وقد ساد بينهم سكون وسلام وإخاء (ص ٧٦).
  2. صورة الصبي الريفي الشاحب الهزيل وهو ككل أطفال الريف الذين قال عنهم أحد الأطباء الباحثين ما من صبي في ريف مصر لم تنهش جسمه الأنكلوستوما والبلهارسيا... وهذه العلل بالذات لها فعل يصيب العقل أيضًا، فيهبط مستوى الإدراك، وتنطفئ شعلة الذكاء.(ص 65).
الرابط المختصر :