العنوان شخصية «الحمار» في الفكر والأدب (2).. مكانته في الكتب التراثية والحديثة
الكاتب الأستاذ الدكتور جابر قميحة
تاريخ النشر السبت 24-سبتمبر-2011
مشاهدات 79
نشر في العدد 1970
نشر في الصفحة 46
السبت 24-سبتمبر-2011
- الحمار.. ضرب له القرآن المثل في بعد الصوت.. والجهل
- مركب عيسى بن مريم وعزير وقد أحياه الله بعد موته
نعرض في إيجاز مكان الحمار ومكانته في الكتب التراثية والحديثة.
من كتاب «الحيوان» للجاحظ (أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ ١٥٠ - ٢٥٥هـ)، تحقيق وشرح عبد السلام هارون، مكتبه مصطفى البابي الحلبي: قيل لأبي العيناء: ليت شعري أي شيء كان الجاحظ يحسن؟ فقال: ليت شعري أي شيء كان الجاحظ لا يحسن؟
ألا ترى أن قرابة الضأن من الماعز كقرابة البخت من الغراب، والخيل من الحمير؟
ولعمري إنا نفهم عن الفرس والحمار والكلب والسنور والبعير كثيرًا من إرادته وقصوره، كما نفهم إرادة الصبي في مهده ونعلم –وهو من جليل العلم –أن بكاءه يدل على خلاف ما يدل عليه ضحكه ولو أنكم حملتم حكم جميع الهداهد على حكم «هدهد سليمان»، وجميع الغربان على حكم «غراب نوح»، وجميع الحمام على حكم «حمامة السفينة»، وجميع الذئاب على «ذئب أهيان بن أوس»، وجميع الحمير على حكم «حمار عزير».. لكان ذلك حكمًا مردودًا.
تفضيل صاحب الكلب الحمار على الديك:
قال صاحب الكلب: لولا أنا وجدنا الحمار المضروب به المثل في الجهل، يقوم في الصباح وفي ساعات الليل مقام الديكة، لقد كان ذلك قولًا ومذهبًا غير مردود.
ولو أن متفقدًا يتفقد ذلك من الحمار لوجده منظومًا يتبع بعضه بعضًا على عدد معلوم، وتوجد ذلك مقسومًا على ساعات الليل، ولكان لقائل أن يقول في نهيق الحمار في ذلك الوقت: ليس على تجاوب، إنما ذلك شيء يتوافى معًا لاستواء العلة، ولم تكن للديك الموصوف بأنه فوق «الأسطرلاب» فضيلة ليست للحمار.
وعلى أن الحمار أبعد صوتًا، فقد بلغ من شدة صوته ما إن حلف أحمد ابن عبد العزيز إن الحمار ما ينام، وقد قيل له: وما ذاك؟ قال: لأني أجد صياحه ليس بصياح شيء انتبه تلك الساعة، ولا هو صياح من يريد أن ينام بعد انقضاء صياحه.
هذا، والحمار هو الذي ضرب له القرآن المثل في بعد الصوت، وضرب به المثل في الجهل، فقال تعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ۚ بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (الجمعة5 ).. فلو كان شيء من الحيوان أجهل بما في بطون الأسفار من الحمار الضرب الله المثل به دونه.
الأمثال في شأن الحمار
على أن فيه من الخصال ما ليس في الديك، وذلك أن العرب وضعته من الأمثال التي هي له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل الصيد في جوف الفرى».
وتقول العرب: «العير أو فى لدمه»(وهو يضرب للموصوف بالحذر، وذلك أنه ليس شيء من الصيد يحذر حذره إذا طلب).
وقالوا: «أصبر من عير أبي سيارة» (لأنه كان دفع بأهل الموسم على ذلك الحمار أربعين عامًا).
وقالوا : «إن ذهب عير فعير في الرباط» (والرباط حبالة الصائد، يضرب في الرضا بالحاضر وترك الغائب). وقالوا في المديح لصاحب الرأي:
«جحيش وحده»، و«عيير وحده» (وهما يضربان لمن يعتزل الناس، ويستبد برأيه). والحمار أجهل الخلق، فليس ينبغي للديك أن يقضى له بالمعرفة، والحمار قد ساواه في يسير علمه، ثم باينه أن الحمار أحسن هداية، والديك إن سقط على حائط جاره لم يحسن أن يهتدي إلى جاره، وإن خرج من باب الدار ضل، وضلاله من أسفل كضلاله من فوق وداء الكلب يعرض للحمار، وعصفور الشوك يعبث بالحمار، وعبثه ذلك قتال له؛ لأن الحمار إذا مر بالشوك وكانت به دبرة، أو جرب تحكك به، ولذلك متى نهق الحمار سقط بيض عصفور الشوك، وجعلت فراخه تخرج من عشها، ولهذه العلة يطير العصفور وراء الحمار وينقر رأسه.
وليس لجلد البقرة والحمار والبعير خطر عند الذباب، وقد رأيت ذبابًا سقط على سالفة حمار كان تحتي، فضرب بأذنيه، وحرك رأسه بكل جهده، وأنا أتأمله، وما يقلع عنه، فعمدت بالسوط لأنجيه به فنزا عنه، ورأيت مع نزوه عنه الدم، وقد انفجر كأنه كان يشرب الدم.
والخنزير يكون أهليًا ووحشيًا كالحمير والسنانير، مما يعايش الناس، وكلها لا تقبل الآداب.
والحمار يغار، ويحمي عانته الدهر كله، ويضرب فيها كضربه، لو أصاب أتانا من غيرها، وأجناس الحمام تزاوج ولا تغار.
وقد ذكر الله عز وجل في القرآن العنكبوت، والذر، والنمل، والكلب، والحمار، والنحل، والهدهد، والغراب، والذئب، والفيل، والبغال والحمير والبقر، والبعوض، والمعز من الضأن.
قال صاحب المنطق: «... ولا يكون بأرض نهاوند حمار، لشدة برد الموضع، ولأن الحمار ضيرد» (والضيرد هو شديد الشعور بالبرد).
ويزعمون أن صاحب الحصاة إذا أخذ روث الحمار حين يروثه حارًا فعصره وشرب ماءه، أنه كثيرًا ما يبول تلك الحصاه، وفي ماء روث الحمار أيضا دواء للضرس المأكول.
وقد تتسافد عندنا «حمير الوحش» وقد تلاقحت عند بعض الملوك وإذا دمي الحمار القى نفسه على الأرض وامتنع ممن يريده بالعض، وبكل ما قدر عليه، غير أنه لا ينهض ولا يبرح مكانه وذكر صاحب المنطق عداوة الغراب للحمار، والنحويون ينشدون في ذلك قول الشاعر:
مازلت في تباب عداوة الحمار للغراب
(والتباب هو الهلاك).
ونقل أبو عقيد السواق عن مقاتل بن سليمان، قال: قال موسى للخضر: أي الدواب أحب إليك، وأيها أبغض؟ قال: أحب الفرس والحمار والبعير؛ لأنها من مراكب الأنبياء، وأبغض الفيل والجاموس والثور.. فأما البعير فمركب هود وصالح وشعيب والنبيين –عليهم السلام –وأما الفرس فمركب أولي العزم من الرسل، وكل من أمره الله يحمل السلاح وقتال الكفار، وأما الحمار فمركب عيسى بن مريم وعزير وبلعم.. وكيف لا أحب شيئًا أحياه الله بعد موته قبل الحشر؟ وأبغض الفيل لأنه أبو الخنزير، وأبغض الثور لأنه يشبه الجاموس، وأبغض الجاموس لأنه يشبه الفيل وعيب الحمار للكزازة التي في يديه و منكبيه وانضمامهما (أي انضمام يديه و منكبيه إلى إبطيه)، وضيق جلده، وإنما يعدو بعنقه .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل