العنوان شخصية الحمار في الفكر والأدب (۹)
الكاتب الأستاذ الدكتور جابر قميحة
تاريخ النشر الجمعة 20-يناير-2012
مشاهدات 50
نشر في العدد 1985
نشر في الصفحة 52
الجمعة 20-يناير-2012
سوق الحمير
تعتمد هذه المسرحية على قصة شعبية تنسب لجحا، وهي من قصص الحداقة، أو براعة التحايل التي اتصف بها اللصوص والنشالون في المجتمع المصري على مدار القرون والعصور، وخصوصًا في القرى وبصفة أخص يوم الأسواق حيث يكثر الفلاحون والسذج.
وكل هذه القصص تلتقي في محور فكري واحد وهو أن أحد اللصوص أراد أن يسرق الحمار من صاحبه الفلاح وهو يسحبه، فخلص الحمار من زمامه في خفة وهدوء وسلم الحمار لزميله، وربط نفسه مكان الحمار إلى أن فوجئ الفلاح عند وصوله إلى بيته بأنه يقود إنسانًا لا حمارًا، فحكى الإنسان الحمار قصته لقد كان إنساناً ثم أغضب أهله، فدعوا عليه ضغطه الله حمارًا، ثم رضوا عنه الساعة. فعاد إنسانًا كما كان.. وتمضي الأحداث والأيام، ويذهب الفلاح إلى السوق ليجد حمارة المسروق يباع فيهمس في أذنه يظهر أن أهلك قد غضبوا عليك من جديد.
الحاسة الفنية
استطاع الحكيم بحاسته الفنية أن بالنقط هذه الحكاية الشعبية ويعرضها عرضًا حواريًا مسرحيًا رائعًا، مطوعًا بعض الأحداث لخدمة المضمون الاجتماعي فيحول الإنسان أو الحمار الذي كان مسخوطًا، يحوله واسمه «حصاوي» يعايش المزارع وزوجته، بل تكون له الكلمة العليا والحكم الفاصل في هذا المجتمع الجديد وتمثل الزوجة صورة تمرد وقوة رفض على أن يكون الحمار سيدًا يتحكم في المنزل:
- الزوجة : طول عمرك قاعد في بيتك بمقامك الرأي رأيك والكلمة كلمتك تروح السوق تسحب بسلامته سي «حصاوي» ده وتعمل له حساب، ويبقى له هنا رأي.
- المزارع يعني غرضك نقول له: يقفل بقه ؟!
- الزوجة : يقفله بالضبة والمفتاح، ويتنيل على عينه، هو حمار، ولازم يفضل حمار.
- المزارع وأنا شرابة خرج؟! الزوجة قربت وحياتك، وبسلامته الحصاوي ده قرب يبقى هنا الكل في الكل.
- المزارع الكل في الكل إزاي يا ولية؟ أنا برضه اللي في إيدي اللجام.
- حصاوي لنفسه: اللجام؟!
- الزوجة: طيب ومنتظر إيه، ما تلجمه دلوقت.
- المزارع ويجري إيه لو سبناه يدوس
- زي ما هو عاوز ؟! حصاوي لنفسه: أدش؟!
- الزوجة : أنا خايفة من الدش والدامش بتاعه ده؟
-المزارع وتخافي من إيه؟
- الزوجة: يضحك عليك وتصدقه.
- المزارع أصدقه؟ ليه؟ قالوا لك عليا إني حمار ؟!
- الزوجة الحمار قدامك أهه بقت له كلمة.
- المزارع الكلام شيء والعمل شيء تاني.
- الزوجة عمل إيه ياخواتي ما أنت سبت له الحبل أهه
- المزارع يعني أربطه من رقبته ؟!
-الزوجة زي بقية الحمير.
- المزارع دا بني آدم يا ولية!
- الزوجة: لكن كان أصله حمار، وأنت اشتريته من سوق الحمير، وساعة ما دفعت فيه الفلوس كان حمار ، يبقى مطرحه هناك في الزريبة.
حصحص الحبوب
هذه آخر مسرحية يكتبها توفيق الحكيم عن الحمير، فحصحص هو آخر حمار من حميره، و «حصحص» هو اسم الحمار الذي كان يربيه أحد الوجهاء، وهو تصغير اسم «الحصاوي» كما يرى صاحبه.
وتتلخص المسرحية في أن صاحبه ألحقه بإحدى المدارس الخاصة، وكانت المدرسة التي يقوم عليها ناظر انتهازي، وتتكون هيئتها من سكرتير ومدرس واحد هو الشيخ «علوان»، منه مدرس لغة عربية وديانة وخط عربي ومواد اجتماعية. (ص ۱۲۲).
كانت هذه المدرسة تمر بأزمة مالية حادة مما جعلها تقبل هذا الحمار تلميذا بها، بل إن الناظر - تحت وطأة الأزمة المالية الحادة التي تمر بالمدرسة - يضطر إلى بيعه.
وتتأزم الأمور، ويبلغ الصراع قمته حيث يأتي الوجيه بعد أشهر ليرى «حصحص» فيخبره ناظر المدرسة أنه تعلم وارتقى وأصبح مديرًا لشركة العلف والمبيدات الحشرية المجاورة، وبذلك:
1- استطاع أن يتخلص من الوجيه صاحب الحمار الذي خدعه وابتز ماله
2- واستطاع أن ينتقم من مدير شركة العلف الذي كان يساوم ناظر المدرسة على ضم مدرسته إلى المصنع لتوسيعه.
المسرحية هي أطرف المسرحيات الأربع وأمتعها وأكثرها فنًا، وإن كانت لغتها كلها العامية.
كما أنها أكثر المسرحيات نقدًا للبيروقراطية الوظيفية والاجتماعية والمواقف فيها تعكس أبعاد الفساد بكل أنواعه في حوار معبر ساخر، ومن هذه المواقف أو هذه الحالات.
۱- استغلال أصحاب المدارس الخاصة لموظفيها وتلاميذها كما يظهر في الحوار التالي:
- الناظر والمستجدين؟ مفيش تلاميذ جدد؟
- السكرتير نسبة بسيطة ٥، ٤ بالكثير.
- الناظر ليه كدة؟ الناس مش عايزة تتعلم؟
- السكرتير بيقولوا إللي بيتعلموه بينسوه والفلوس اللي بيدفعوها بتروح عليهم.
- الناظر ومحو الأمية يا ناس مش عاوزين يقروا ويكتبوا؟
- السكرتير يقروا إيه؟ جرايد؟ كتب؟ ودي بفلوس ولا بلاش؟ دول يا دوب لاقيين اللقمة.
- الناظر دا موضوع ما يخصناش المهم الإيراد، أدفع لكم مرتباتكم منين؟ (ص ۱۱۲).
2 - شغل الوظائف بمن لا يمتلك عدتها وإمكاناتها، كما يظهر في الحوار التالي:
- الوجيه: صلاة النبي أحسن يا رجالة بقى شركة العلف الكبيرة دي اللي على الناحية يبقى مديرها دلوقت هو الحمار حصحص؟
- السكرتير هو بسلامته «حصحص».
- الوجيه: «حصحص» عزيزنا وحبوبنا
- با سلام.. لكن بس ليه ما فاتش علينا في البيت يبشرنا؟
- الناظر: اعذره كان مشغول لشوشته في إجراءات التعيين واستلام الوظيفة ومقابلة الحكام.
- الوجيه: مقابلة الحكام ؟!
- الناظر : أمال إيه.. مش مدير قد الدنيا؟
- الوجيه: ما شاء الله ...
- السكرتير من يومه كان باين عليه النباهة، وأنت لازم لاحظت عليه كده، أمال جبته هنا المدرسة ليه؟ (ص ۱۳۱)
3- تناقضية التصرفات والقرارات
ومحاولة حل المشكلات بطريقة عشوائية ويظهر ذلك في الحوار الآتي بين أحد الصحفيين ومدير الشركة:
- الصحفي الشركة دي اسمها شركة العلف والمبيدات الحشرية، إيه اللي جمع الصنفين دول في شركة واحدة؟
- المدير طبعًا .. طبعًا العلف يتعلق بالمواشي والمبيدات متعلقة بالحشرات وبين المواشي والحشرات علاقة وثيقة المواشي تتغدى على العلف والحشرات تتغدى على دم المواشي.
- الصحفي لكن مشروع سيادتك الجري، ده حايحد من نشاط الشركة.
- المدير: إزاي؟
- الصحفي: سيادتك عاوز تصدر العلف؟
- المدير علشان أجيب عملة صعبة.
- الصحفي في الحالة دي المواشي تأكل إيه؟
المدير: مفيش مواشي هنصدر كمان المواشي.
- الصحفي: تصدر المواشي واحنا ناكل إيه؟
- المدير تستورد لحوم مجمدة.
- الصحفي وإيه الحكمة في كده؟
- المدير : أقول لك: المواشي ثمنها أغلى واللحوم المجمدة لحومها ارخص والفرق مكسب يعني ناكل لحوم مجمدة ونكسب عملة صعبة، وتتخلص من المواشي وعلفها وقرفها.
-الصحفي : يعني نشاط الشركة هيكون تصدير العلف للخارج؟
- المدير تمام كده.
- الصحفي والمبيدات الحشرية؟
- المدير: ما لها المبيدات؟
- الصحفي ما دام ما فيش مواشي يبقى إيه عمل المبيدات؟
- المدير : هنصدر المبيدات
- الصحفي والقطن؟ ودودة القطن مش يلزمها مبيدات؟
- المدير ودودة القطن هنمنع عنها المبيدات.
- الصحفي: إزاي؟
- المدير: شوف يا سيدي القطن أغلى أو الحرير؟
- الصحفي: الحرير طبعًا . (ص ١٣٥).
- المدير: عظيم احنا بقى نلغي القطن ونزرع حرير.
- الصحفي: نزرع حرير ؟!
- المدير: إنت عارف إن دودة القطن ممكن لو تركتها تعيش وتنمو وترعرع تشرنق والشرائق تعمل حرير
- الصحفي: دودة القطن؟
- المدير : أيوة دودة القطن، تشرنق ونطلع منها حرير، ولذلك احنا مش هنقاوم الدودة ونبيدها، بل نتركها تعيش وتاكل القطن.
-الصحفي تاكل القطن يعني تزرع القطن ونسيب الدودة تاكله؟
-المدير بالضبط، هو ده مشروعي المبتكر، نزرع القطن كالعادة ونجعله طعام للدودة والدودة بتعطينا حرير والحرير أغلى من القطن، ونبقى كده زودنا أرباحنا مش دا الكلام المعقول؟
- الصحفي: من جهة معقول هو معقول. (ص ١٣٦).
- المدير أنا اللي يهمني فقط المصلحة العامة.
- الصحفي: دا شيء تشكر عليه.
- المدير : ومع ذلك نشاطنا المحدود هيدر أرباح أكثر لأن العلف والمبيدات هنصدرها الأسواق الخارج ودا أهم من التوزيع المحلي.
- الصحفي: يعني المشروع بالاختصار إننا ننتج العلف وتنتج المبيدات وتصدرها للخارج، وناكل لحم محمد ونترك الدودة تأكل القطن.
المدير : تمام کده (ص ۱۲۷).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل