; شريعة الغاب أم الحضارة الإسلام؟ | مجلة المجتمع

العنوان شريعة الغاب أم الحضارة الإسلام؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 21-سبتمبر-2002

مشاهدات 47

نشر في العدد 1519

نشر في الصفحة 47

السبت 21-سبتمبر-2002

هل استطاعت أمتي اليوم وبعد كثير من التجارب المتعددة، والحوادث الجسام أن تدرك أنها تعيش سياسة دولية متوحشة، لم تعرف أي نوع من القيم أو أي طريق إلى الأخلاق، سياسة قامت على شريعة الغاب، وجعلت الجنس البشري يتحول إلى مجموعة من الحيوانات الكاسرة، القوي يبتلع الضعيف، والقادر يسخر الضعيف لصالحه، والمسيطر يوظف المقهور لخدمته، لا موضع لأي لغة أخرى في ميدان التعامل بين الشعوب، ولا مكان لأي نظام آخر يسود العلاقات بين الأمم أو الأفراد، نعم قد تتعدد نماذج التعاملات السياسية، وتختلف تطبيقات التفاعل المسمى بالحضاري، وتتنوع أساليب الممارسات القانونية، ولكنها عند التأمل والنظر الحقيقي الفاحص في جوهر التعامل بين الدول والشعوب، نجد أنه لا موضع إلا للغة واحدة هي: منطق الغاب، ولغة البطش والأنانية!! هكذا كان الإنسان في تاريخه القديم، وفي عصره الهمجي، وهكذا عندما تحدث مسؤول كبير في الإدارة الأمريكية حين سئل عن الجنايات التي اقترفها بلد ما حتى يُضرب بالقنابل، ويباد الألوف من شعبه، قال: لا جنايات وإنما هي مصالح بلدي التي ينبغي الا يقف أحد أمامها، لقد قرر كثير من الباحثين أن الحيوانات تخضع في صراعها لحد أدنى من قواعد التعامل، فهل استطاع الإنسان أن يرتفع عن تلك البربرية التي تسيطر عليه إلى حد أدنى من التعامل، وهل استطاع أن يرتفع عن تلك البربرية التي تهيمن على جميع مسالك الصراع التصفوي السائد بين الأمم اليوم؟

إن لغة القوة اليوم تتحول سريعًا إلى منطق العنصرية، وإن حق الشعب المختار أن يحكم ويقود ويستأثر بالشعوب الأخرى، والشعب المختار هو: الشعب الأبيض، وليس لأحد حق في الألوهية السياسية، سوى ذلك الرجل الذي يحمل ملامح العنصر الآري. مأساة المجتمع الأوروبي والحضارة الحديثة هي قصة العنصرية والحقد الأسود الذي لا نزال نعيش فصوله اليوم، وهل تستطيع الحضارة الغربية أن ترفع عن ضميرها أربع مآسٍ لم يعرف لها التاريخ الإنساني مثيلا وهي: استئصال الهنود الحمر في القارة الجديدة، استئصال الأهالي الأصليين في أستراليا، إهلاك هيروشيما ونجازاكي بالقنابل الذرية، استئصال الفلسطينيين من أرض آبائهم، ومازال مسلسل الاستئصال مستمًرا يشتعل بين الحين والحين، في أفغانستان، والبوسنة، وكوسوفا، والشيشان.. إلخ. في مواجهة هذا المنطق العنصري والهمجي المتخلف يقف الإسلام شامخًا مميزًا، وقد يتساءل البعض عن الخصائص الحضارية الخلاقة في الإسلام، وما تلك الثوابت التي يجب أن نبحث عنها فيه، والتي تمتاز باحترامها لعلامات الارتفاع والارتقاء للطبيعة الحضارية التي توصف بالتميز الذي يعطي وحده تلك الحضارة حق القيادة والتوجيه، وبهذا تستطيع مثل هذه الحضارة أن تنظر إلى الإنسان بمنطق العظمة، الإنسانية، والعدالة المطلقة، والمساواة الحقيقية.نستطيع أن نقول: هناك محاور خمسة يجب أن تنطلق من نسيج تلك الحضارة حتى تكون على مثل هذا الغرار:

۱- نظام للقيم والمثاليات التي هي محور الممارسة.

٢-عالمية الوظيفة الحضارية التي تتعامل مع الجميع.

3-القدرة الفاعلة على تطويع الذات الجماعية.

٤-الاستمرارية التي تعلن عن الصلابة والثبات.

5-إدارة الصراع بمقدرة وعزيمة لا تكل ولا تمل.

 الإسلام وحده هو الذي يستطيع أن يشع هذه العناصر وأن يضيء ليل الإنسانية البهيم بهذه الشموس الخمسة، ولكن أمتنا لم تستطع بعد أن تكتشف ذاتها في العصر الحديث بعد أن أهالت على نفسها تراب الجهالة والنسيان والخداع الغربي. إن نظام القيم، ومنظومة المبادئ التي رسختها تقاليدنا الإسلامية وتعاليمنا الربانية في حاجة إلى كشف وإلى تنظيف من تلك الرواسب التي علقت بها في عقول أمتنا أفرادًا وسلطات. إن قصة تاريخنا الحقيقي هي قصة دفاعنًا عن المثل والقيم والعدالة، وتخليص الإنسانية من الشرور والعبودية، لقد حاول الأعداء في فترات كثيرة أن يهيلوا عليه التراب، ويقدموه لنا بصور مشوهة ومازالوا، وقد انسقنا نحن العرب وراءهم، وارتكبنا كثيرًا من الأخطاء على هذا الطريق، وقد يتساءل البعض عن سر تلك الضراوة، في معاملة الغرب للمسلمين اليوم، حتى إنك لتستغرب أن جميع القضايا الساخنة اليوم في تحديد أمين عام الأمم المتحدة، تجدها إسلامية: الصراع اليهودي الفلسطيني، الملف الأفغاني، النزاع بين الهند وباكستان، الملف العراقي، هذا هو الشيء المعلن، وما خفي من المخططات كان أعظم، ولا أكون مبالغًا إذا قلت إن ذلك لحقائق... أهمها حقیقتان:

الأولى: أن جميع القيادات الكبرى في العالم يصيبها الذعر عندما تتصور أن العالم العربي أو الإسلامي سيتحرر من العبودية ويحاول أن يتحد مرة أخرى ويرجع إلى عقيدته وهويته وقوته الغازية بالمبادئ والقيم قبل كل شيء، وهي لا تنسى أبدًا فتح المسلمين لأوروبا حتى وصلوا إلى فيينا في عهد العثمانيين، وإلى سهول إسبانيا ووسط فرنسا في عهد طارق بن زياد، حتى إن مؤرخا مثل «توينبي» يقول في سعادة بالغة: لو كانت جيوش محمد نجحت في معركة «بوتييه» لكان القرآن هو أساس التدريس في «أكسفورد» اليوم.

الثانية: أن يمتلك العرب سلاحًا فاعلًا يستطيعون به الوقوف أمام عدوهم وهم أمة مجاهدة تأبى الضيم، هذا وقد ساعد هؤلاء على بلوغ مآربهم: عدم إدراك القيادات الإسلامية لقيم ما يمتلكون من ثروات إسلامية وإستراتيجية، وعدم إدراكها لطبيعة الأخطار التي تتهدد الأمة، فهل نستطيع بعد أن عرفنا وفهمنا أن تنهض لذلك المجد الذي يرد إلى الإنسانية حقها، وقد انتظره العالم طويلًا، نسأل الله ذلك.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 309

83

الثلاثاء 20-يوليو-1976

من أمراضنا النفسية

نشر في العدد 492

100

الثلاثاء 05-أغسطس-1980

الحقد الأسود ضد المسلمين

نشر في العدد 521

64

الثلاثاء 24-مارس-1981

رأي إسلامي: باطنيو العصر