العنوان شريعتنا تقرر مسؤولية الحكام وتحدد سلطاتهم
الكاتب الدكتور توفيق الشاوي
تاريخ النشر السبت 17-مارس-2001
مشاهدات 74
نشر في العدد 1442
نشر في الصفحة 47
السبت 17-مارس-2001
يكفينا في هذا المقام أن نقدم للقارئ ما كتبه عبد القادر عودة في هذا الموضوع، حيث قال ما يأتي: جاءت الشريعة الإسلامية من يوم نزولها بنظرية تقييد سلطة الحاكم، فكانت أول شريعة قيدت سلطة الحكام، وحرمتهم حرية التصرف، وألزمتهم أن يحكموا في حدود معينة، ليس لهم أن يتجاوزوها، وجعلتهم مسؤولين عن أخطائهم.
وتقوم النظرية على ثلاثة مبادئ:
أولها: وضع حدود لسلطة الحاكم.
ثانيها: مسؤولية الحاكم عن عدوانه وأخطائه.
ثالثها: تخويل الأمة حق عزل الحاكم.
لقد كانت سلطة الحاكم قبل نزول الشريعة سلطة مطلقة لا حد لها ولا قيد عليها، وكانت علاقة الحاكمين بالمحكومين قائمة على القوة البحتة، ومن القوة كان الحاكم يستمد سلطانه، وعلى مقدار قوته كانت سلطته، فكلما كان قويًّا امتد سلطانه إلى كل شيء، وإن ضعف انكمشت سلطته وأصابها القصور والوهن. وكان الناس يدينون للحاكم بالطاعة لا لأنه يحكمهم، بل لأنه أقوى منهم، فكلما كان الحاكم قادرًا على أن يسوق الناس بعصاه أو يغريهم بماله وجاهه فهم من الطائعين السامعين، فإذا ضعف الحاكم واستطاع أحد منافسيه أن يتغلب عليه، فإنه يستطيع تبعًا لذلك أن يتحكم في رقاب الرعية، وكانت الرعية تعتبر خدمًا وعبيدًا لصاحب السلطان سواء أورث سلطانه أم اكتسبه.
ولما كان الحاكم يستمد سلطته من قوته لم تكن سلطة أي حاكم تساوي سلطة الآخر، ولم تكن هناك حدود مرسومة للحكام لا يتعدونها، بل كان للحاكم أن يأتي ما يشاء ويدع ما يشاء دون حسيب أو رقيب.
وجاءت الشريعة فاستبدلت بهذه الأوضاع البالية أوضاعًا تتفق مع الكرامة الإنسانية والحاجات الاجتماعية، فجعلت أساس العلاقة بين الحكام والمحكومين تحقيق مصلحة الجماعة لا قوة الحاكم أو ضعف المحكومين، واعترفت للجماعة بحق اختيار الحاكم بالشورى، وجعلت لسلطة الحاكم حدودًا ليس له أن يتعداها، فإن خرج عليها كان عمله باطلًا، وكان حق الجماعة أن تعزله وتولي غيره لرعاية شؤونها.
فسلطة الإمام أي الحاكم في الشريعة ليست مطلقة، وليس له أن يفعل ما يشاء ويدع ما يشاء، وإنما هو فرد من الأمة اختير لقيادتها، وعليه للأمة التزامات وله على الأمة حقوق، وله من السلطة ما يستطيع أن يؤدي به التزاماته، ويستوفي به حقوقه، وهو في أداء واجبه واستيفاء حقوقه مقيد ألا يخرج على نصوص الشريعة أو روحها، وذلك طبقاً لقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ (المائدة:٤٩)، وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الجاثية: 18)، وقوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (المائدة:47). وإذا كان الإمام- أي الحاكم- مقيدًا أن يتبع الشريعة، وأن يحكم طبقًا لنصوصها فمعنى ذلك أن سلطته مقيدة، بنصوص الشريعة، فما أباحته له فقد امتد سلطانه إليه، وما حرمت عليه فلا سلطان له عليه، الشريعة لا تبيح للحاكم إلا ما تبيحه لكل فرد، ولا تحرم عليه إلا ما حرمته على كل فرد، بينت للحاكم حقه وواجبه وألزمته ألا يخرج عن أحكام الشريعة، وجعلته كأي فرد عادي لم تميزه عن غيره بأية مزية، فكان من الطبيعي تحقيقًا للعدالة والمساواة واستجابة للمنطق أن يُسأل الحاكم عن كل عمل مخالف للشريعة سواء أتعمد هذا العمل أم وقع منه إهمالًا، ما دام كل فرد يسأل كذلك عن أعماله المخالفة للشريعة.
وقد سبقت الشريعة الإسلامية كل القوانين الوضعية في تقييد سلطة الحكام، وتعيين الأساس الذي تقوم عليه علاقات الحاكمين بالمحكومين، وفي تقرير سلطان الأمة على الحكام، وأول قانون اعترف بعد الشريعة بسلطان الأمة على الحكام هو القانون الإنجليزي، وكان ذلك في القرن السابع عشر الميلادي، أي بعد أن قررت الشريعة نظريتها بعشرة قرون، ثم جاءت الثورة الفرنسية في نهاية القرن الثامن عشر، وعلى أثرها انتشر هذا المبدأ في القوانين الوضعية.
أستاذ القانون الدولي والفقه الجنائي. *
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل