العنوان شريف قاسم- ظاهرة غزارة متميزة في الشعر الإسلامي المعاصر
الكاتب د. محمد عادل الهاشمي
تاريخ النشر الثلاثاء 08-مارس-1988
مشاهدات 77
نشر في العدد 857
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 08-مارس-1988
إذا كان من
أسباب تفوق الشاعر غزارة النتاج الشعري وجودته، وارتقاء مضمونه ورفعته، فإن شاعرنا
الإسلامي المعاصر شريف قاسم حاز نصيبًا وافرًا من هذه الأسباب على المستوى الأصيل
في شعرنا الإسلامي المعاصر.
لقد امتاز
شاعرنا بغزارة النفس الشعري وتدفقه، حيث نلفي له قصائد كثيرة مطولة أشبه بالملاحم،
تمدها روح إسلامية خصيبة بالإلهام، عامرة بالمثل والقيم والاستنهاض.
إنه ليُمكننا أن
نرى للشاعر خلال فترة قصيرة 10 قصائد في الدوريات حديثة التاريخ، من هذا اللون
الملحمي تبلغ زهاء ألف بيت، هذا عدا قصائد الديوان، حتى لنحتار من أين وجد الشاعر
الوقت المواتي لهذا النتاج الغزير، وكأن حياته قد كرسها كلها للشعر.
وإذا ما عرضنا
لهذه القصائد، مضمونًا ومنهجًا، طالعنا أدبها الإسلامي في تصورها، وقيمها ومستواها
الفني، ولعل عناوينها ترمز إلى ذلك من مثل: "على دروب بدر"، "بين
حداثة الضلال وتجديد الإيمان"، "على طريقة الهجرة النبوية"،
"ما بين مولده وهجرته"، "ملحمة الغيوب". ولعل دراسة هذه
القصائد بكاملها أحوج إلى كتاب منها إلى مقال، لذا نقتصر في تجلية ظاهرة الغزارة
عند الشاعر على ما يسمح به المجال لنتبين منهجه في قصيدة، ونعرض نموذجًا لهذه
المطولات "على أمتي تبكي" وتبلغ زهاء 100 بيت، يذرف في مطلعها دمعة حرى
على أمته التي تطحنها النوازل وهي في شتات وضعف في عصر لا يحترم فيه العالم سوى
الأقوياء، ونختار من القصيدة الطويلة أبياتًا تلقي الضوء على آفاقها:
على أمتي تبكي
القلوب وتخفق
فآلامها تشجي
وتبكي وتقلق
وليل رزاياها
ثقيل وصدرها
بسهم صروف
للملمات يرشق
وضيعهم صد عن
الدين والهدى
فعصرهم الموار
داج مطوق
فللغرب يدعو
جاهل صنو جاهل
وللشرق بالإلحاد
والغي ينعق
ويعبر عن
مكابدته أشد الألم لما يعصف بأمته، والنوازل تطرقها، من ضياع يُهدر شخصيتها ويبدد
طاقاتها، ولقد كان لها بهدي الإسلام أكرم منزلة في التاريخ، ووُسدت أعظم رسالة
وأجل أمانة، فأضاع ذلك أبناؤها فمضت تلهث وراء الشرق والغرب، حيث الذل والتبعية
واختناق الآمال.
نفوس بني قومي
تفلت طيشها
فهم ضائع غاو،
وآخر مرهق
وذابت قواهم لهف
نفسي، وها هم
يضيعهم دون
الصراط تشدق
نرجي من الغازي
الخلاص وسيفه
من المهج الظمأى
يفور ويدفق
وهانوا بعصر ليس
يرحم من ونى
وهشوا وكف
النازلات تمزق
مشوا في ظلال
الوهن والهول عاصف
فأين جياد
ضامرات وأينق
فهذي ليالينا
شرود عن الهدى
وهذي أمانينا
ترد وتخنق
أسفت على قوم
حبتهم رسالة
من الله، ترميهم
يهود وترشق
إزاء هذا الضياع
والشتات الذي يلف المسلمين وسط نوازل وأهوال تخر لها الجبال، ينادي الشاعر
بالخلاص، فلا نجاة إلا بإطراح الجاهلية والاستمساك بالإسلام.
كفرت بهذي
الجاهلية كلها
فآفاقها هول
مريع ومفسق
وآمنت بالإسلام
حكمًا وباعثًا
لأمتنا إن
النوازل تحدق
فغير طريق الله
فيه دمارها
وهيهات تنجو من
بوار وتعتق
ثم يطلقها صرخة
استنهاض لأمتنا المسلمة وآفاق عزتها ونصرها.
أيا أمة الإسلام
لا النصر يرتجى
بغير هدى المولى
ولا الخير يلحق
فعودي إلى
الرحمن تحمد عواقب
فذي أمم تغزو
علانا وتطبق
كأني بحول الله
يرعى نهوضنا
وبالنور من بين
الدجنة يشرق
تمسي الليالي
عاصفات وينجلي
بقلبي على
الأرزاء فجر مؤنق
أرى الغد يأتي
بالكتاب وأهله
إلى الساح من
آفاقه قد تدفق
وتمتد ظاهرة
الغزارة هذه إلى ديوان الشاعر (1) فنلفي جل قصائده من المطولات، ونلفي من خلالها
عالم الشاعر الأثير. فلقد عاش شاعرنا آفاق الابتعاث في كثير من قصائده، وتمثلها في
وجدانه رؤيا وجدانية وحلمًا شاعريًّا يدب في حنايا قلبه، تتملاه العين، ويحياه
الفؤاد. يقول في قصيدته "فجاج الصحراء" وهي زهاء 70 بيتًا، يترجم عالمه
هذا:
لا تقل غاب
فجرنا الرباني
في دياجي الخطوب
والأشجان
وانطفت شعلة
الجهاد وغامت
في سمانا عزائم
الإيمان
أوكبا الفارس
العنيد مدمى
وتخلى عن حومة
الميدان
من فجاج الصحراء
أصغي لصوت
أزلي يموج في
وجداني
هزني والوجوم
يعصر قلبي
ويواري ما فيه
من غليان
ومشى بي إلى
مشارف مجد
وأراني المكنون
من فرقاني
عربدات الهوان
ذوبي فهذي
صرخات انبعاثنا
الرباني
كما نلفي عند
الشاعر من خلال مطولاته أيضًا عالم العقيدة وهو عماد الانبعاث وسر صمود الأمة
المسلمة أمام الكوارث والمكائد، ترص صفوفها وحدة الإيمان وآصرة الإسلام، لنشر دين
الله في ربوع الدنيا، وإرساء منهجه الرباني في الأرض. ويقول في مطولته "بدر
الجنوب" وهي زهاء 90 بيتًا:
حلم بنور ولست
بالوسنان
وتهزني رؤيا على
أجفاني
وكأنني والفجر
يسكب نوره
في عالم، رغم
المكاره هان
وأرى شباب
المسلمين تضمهم
أيدي النهار
المشرق المزدان
وتقودهم بين
الفجاج كتائب
روح الإباء
وعزمة الإيمان
وتعود للأقصى
على وهج القنا
راياتنا مياسة
الخفقان
حبات رملك يا
صحاري لم تزل
فواحة أبدًا على
الأكوان
سارت عليها أمة
مختارة
أعتى من الظلمات
والحدثان
وسعت تنير
العالمين بهديها
وتقود دعوتها
بني الإنسان
واليوم.. يا يوم
انبعاث مرتجى
أشرق بصبح فاتح
هَنّان
فإذا الصحاري
دفقة قدسية
كالنور سلسلها
هدى الرحمن
ونعرض أخيرًا
للشاعر عالمًا ذاتيًّا يحدثنا فيه عن ولادة تجربته الشعرية التي تظل تلهب قلبه حتى
يُفضي بها إلى القلوب المؤمنة يبثها شكواه ويذخرها ضرامه وإلهامه. يقول في مطولته:
"لا تنامي يا أمة القرآن" وهي زهاء 80 بيتًا:
قيل نسج الأشعار
يطفئ نارًا
أشعلتها الهموم
بالأفكار
ويذيب الرَّوِيَّ
جمر الرزايا
دون نفح الحروف
في الأسحار
ويروح الفؤاد
خلف حفيف
ورنين للطهر في
القيثار
هكذا قيل غير
أني وشعري
بين سهد وحيرة
وحوار
كلمات يسائل
الله عنها
يوم بعث الأبرار
والأشرار
هي بين الصفوف
تبعث روحًا
وتثير الفداء في
الثوار
وتنام الآمال في
مقلتيها
وهي ترنو للمحها
الخطار
بعد أن عرضنا
لظاهرة الغزارة والجودة عند شاعرنا الإسلامي شريف قاسم يجمل بنا ونحن نقوّم هذه
الظاهرة أن نقول: إنها تترجم في مجملها عن غزارة أحاسيس الشاعر وصدق تفاعله مع
قضايا أمته المسلمة في نتاجه الشعري الذي أتى على منهج الأدب الإسلامي، فكان ذوب
نفسه المتألمة لحال المسلمين اليوم، يحدوه الأمل في ابتعاث جديد لأمته المسلمة. قد
اتخذ لشعره القالب العمودي القريب إلى نفسه، ونوّع بين القوافي في أناشيده، يؤثر
رصانة التعبير وجزالته، تتخلل نتاجه صور طريفة جميلة، وهو على شدة قوافيه ووقدتها
حفي بمن يطالع شعره، لا يقرع ولا يلوم، بقدر ما يرسم الطريق الآمل المتفائل في
مستقبل الإسلام وأمته، وهو في هذا كله يسيل نبع شعره ثرًا ثجاجًا، لا يكاد يتوقف،
يُضرم القلوب بعزة الإسلام، ووقدة الإيمان في لهفة الشاعر وصدق المؤمن ورؤيا
الأديب، فإلى مزيد من ثراء الوجدان الشعري على طريق الأدب الإسلامي.
الشهادة وأرجوحة
المجد
شعر: أبو بشر
جهادك
"مروان" أورى الهمم
وذكراك
"عدنان" في كل فم
و"حسني"
و"مهدي" شباب الجهاد
طليعة زحفي،
ورمز الشمم
"أبا
مصعب" أنت فينا المثل
وإخوانك
الثائرون الأمل
دماكم -وقد
أورقت ثورة-
تباشير فجر كريم
أطل
"أبو
زيد" الشهم وفى العهود
وإخوانه الصيد
رمز الصمود
فحي على الموت
يابن الفداء
طريقك هذا طريق
الخلود
رُبانا -وقد
خضبتها الدماء-
ديار الشهادة
والانتخاء
تهادن؟ لا -وإله
السماء-
وفينا الشهامة
والكبرياء
فيا إخوة الدرب،
أين المفر؟
ألسنا جميعًا
نعاني الأمر
فصبرًا جميلًا،
عساها الرياح
تهب علينا بيوم
أغر
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل