العنوان شعاع من القلب
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 25-أبريل-2000
مشاهدات 75
نشر في العدد 1397
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 25-أبريل-2000
إن صلح القلب صلحت الجوارح والأعمال، وسلمت الحياة من العطب، فالقلب موضع نظر الرحمن، وهو العضو الذي ينبغي أن يوجه إليه كل اهتمام، وإذا التقت القلوب على أمر واتفقت عليه قامت بينها موجات أثيرية تكشف الطريق أمام جموع المؤمنين وجماهير الموحدين.
القرن الجديد نظرة ودعوة
الحركة الإسلامية في القرن الجديد
بدأت الحركة الإسلامية المعاصرة بستة نفر في مدينة صغيرة «الإسماعيلية»، إحدى المدن المصرية في نهاية العقد الثالث من القرن العشرين، واستمرت تتدرج في الصعود والانتشار بفضل الله ومنته، ثم بجهود المخلصين من الرجال الأوفياء لهذا الدين، الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وقد بدأ انتشار الحركة في مصر أولًا، ثم في العالم العربي شرقًا وغربًا، ثم في العالم كله بعد ذلك، بغير مبالغة في التعبير، فما من دولة في الشرق أو الغرب تخلو -الآن- من آثار هذه الحركة، التي أثبتت صدقها حين امتحن رجالها فصبروا ووقعوا بين الترغيب والترهيب فثبتوا وخوفوا فقالوا: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (آل عمران: 173). وقد حملت الحركة الإسلامية -بصدق- على عاتقها منذ بدء ثلاثينيات القرن العشرين عبء النهوض بالمسلمين، بناء على أسس إسلامية راسخة، وأسس عصرية متينة، وحاولت جهدها أن يتجاوز المسلمون مرحلة الركود والجمود التي لفت حياتهم وأحاطت بهم قرونًا من السنين نتيجة عوامل شتى ليس هنا مكان إحصائها أو الخوض فيها، وقد استطاعت الحركة أن ترفع راية الدعوة بين الناس، وأن تثبت وجودها. وأن تتغلب على أمرين سادا حياة المسلمين قبل ظهورها، إذ كان الناس أو معظمهم أحد رجلين جاهل بتعاليم الدين فهو يأخذ منها بقدر ما علم ويترك منها ما لم يعلم، وقد يكون ما علمه قليلًا وما جهله كثيرًا، مما يترتب عليه ضياع جزء أو أجزاء من الدين، وآخر قد تثقف ثقافة غربية، فهو بعيد عن الفهم الديني الصحيح، وقد يكون متأثرًا بثقافته الغربية تأثرًا شديدًا، فيعلو بها عن الدين، ويعتز بها عن غيرها ويبالغ في محاولة نشرها ظنًا منه أن هذا هو طريق الرقي، وقد يهاجم الدين وتعاليمه والمتدينين وسلوكهم.
وجاءت الحركة الإسلامية لتقول لهؤلاء: إن الأمة العربية أحياها الإسلام في الماضي وجعلها رائدة بين الأمم فترة غير قليلة، من الزمن، وهو الذي سيبعثها من مرقدها ويزيل السبات عن عينيها كي تنهض من جديد.
ونال الحركة الأذى، ووضعت العقبات في طريقها، وسجن كثير من رجالها، بل وقتل بعضهم، ولكنها لم تتحول ولم تتنكر لمبادئها، وكان هذا من أسباب لفت الأنظار إليها، ودخول كثيرين فيها، وانتشارها في بلاد بعيدة من الشرق الإسلامي أو قريبة منه، ويكاد القرن العشرون ينتهي بعد مرور ما يزيد على سبعين عامًا على مولدها، وهي لها صوت مسموع وحضور على الساحة غير مذكور، وامتداد في الشرق والغرب فهل تستمر في الصعود والامتداد في القرن الحادي والعشرين وإلى أي مدى الإجابة عن هذا السؤال تقتضي أن ننظر إلى المعوقات التي تحيط بالحركة، وهي معوقات من خارجها ومعوقات من داخلها، وقد أثبتت الأحداث أن المعوقات الخارجية وإن أثرت في المسيرة الحركية حينًا من الدهر، فإنها لا توقف زحفها ولا تعطل سيرها، وأما المعوقات الداخلية.
فهي التي تشكل خطورة كبيرة لأنها تؤدي إلى التناحر والتأكل الداخلي الذي يجعل البناء هشًا، وإن بدا ضخمًا، ولابد من القضاء على هذه المعوقات الداخلية واجتثاثها من جذورها في أسرع وقت.
وبديهي أننا لن نتناول جميع المعوقات الداخلية بالحديث، لكننا سنشير إلى بعضها:
الاهتمام بالكم على حساب الكيف
أو الاهتمام بالتجميع والتكثير على حساب التربية العميقة التي تجعل من الفرد أمة، فهو يغني بذاته عن جماعة: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (الأنفال: 65) وقد كانت هذه التربية الإيمانية العميقة هي التي اتبعها رسول الله مع أصحابه، حتى كان أحدهم لا يبالي وقع الموت عليه أم وقع هو على الموت، وحتى كان أحدهم يأتي بماله كله في سبيل الله، وحتى كان أحدهم يخرج للجهاد وليس معه من زاد غير تمرات قليلة، ومن واجب الحركة اليوم أن تولي جل اهتمامها للتربية مع اهتمامها كذلك بالتجميع والتكثير، وفي هذا ضمان لاستمرار الانتشار والامتداد بعد الرسوخ والبقاء.
تعدد فصائل الحركة الإسلامية
تتعدد فصائل الحركة الإسلامية، ويتخذ كل فريق لنفسه وجهة هو موليها، وقد يحدث عداء بين بعض الفصائل، مما يجعل كل فريق مهيأ للانقضاض على الآخر إن أتيحت له الفرصة، ولذا فإن الجهود موزعة لا من أجل الحذر من الأعداء المتربصين، ولكن من أجل الحذر من إخوان الصف الحانقين، وليت الجميع -إن تعذر جمعهم تحت لواء واحد واتجاه واحد- أن يوحدوا جهودهم في الأصول التي لا خلاف عليها، وأن يتركوا الفروع، كل يختار من بينها ما يستطيع أن ينهض به إننا إن استطعنا أن نقضي على هذين الدامين الوبيلين، فإن امتداد الحركة وثباتها في القرن القادم لا شك فيهما.