العنوان شعاع من القلب: الحب يصنع الكثير
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 12-ديسمبر-2000
مشاهدات 58
نشر في العدد 1430
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 12-ديسمبر-2000
إن صلُح القلب صلحت الجوارح والأعمال، وسلمت الحياة من العطب، فالقلب موضع نظر الرحمن، وهو العضو الذي ينبغي أن يوجه إليه كل اهتمام وإذا التقت القلوب على أمر واتفقت عليه قامت بينها موجات أثيرية تكشف الطريق أمام جموع المؤمنين وجماهير الموحدين
المحبة تكون بين الإنسان وأخيه، وتكون بين الله وعبده، فالحب قد يكون صلة قوية بين الخالق والمخلوق وقد يكون صلة بين المخلوقين، والله قال عن بعض عباده ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (سورة المائدة: ٥٤)، وقال عن المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾ (سورة البقرة: ١٦٥)، وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (سورة آل عمران: ۳۱) فالحب عنصر أصيل من عناصر الإيمان، يدرك المؤمن الممارس له لذته وحلاوته «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلى لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار» (صحيح البخاري - الإيمان)، فقطب حياة المؤمن الحب لله ورسوله والمؤمنين، وكره الكفر وأصحابه.
والحب يدفع المرء لأن يتحمل الصعاب ويصبر على المكاره والشدائد في سبيل الدين وقد يدفع المرء لأن يكابد مشاق أسفار بعيدة في سبيل المحبين من أجل لقاء تتناجى فيه القلوب وتتعانق فيه الأرواح.
وقد كان الحب والشوق إلى الأماكن المقدسة دافعًا لي لأن أقوم بزيارة البيت الحرام وأؤدي العمرة، وأتخفف بعض الوقت من أثقال الحياة الدنيا وزينتها.
وهناك التقيت الحبيب الشيخ صالح بن حميد في صلاة الفجر فجمعنا معًا حب الرحمن وأداء بعض أركان الإسلام، وجلس الشيخ بعد الصلاة يعظ الناس ويعرض عليهم وصية من وصايا الصالحين، إنها وصية لقمان لابنه، وترددت بين الاستماع إلى الموعظة وبين القيام إلى أحد الأركان لأنفرد بالجلوس إلى القرآن مرتلًا ومتدبرًا، ولكني فضلت تأجيل قراءة القرآن إلى حين وجلست مع الجالسين. أستمع إلى الموعظة، ذاكرًا قول رسول اللهﷺ: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده» «صحيح مسلم - الذكر والدعاء»، وقول الله لملائكته في الحديث القدسي: هم القوم لا يشقى جليسهم «صحيح مسلم - الذكر والدعاء»، وقلت: أجمع بين الحسنيين، وأغتنم الأجرين معًا، أجر الاستماع إلى الموعظة في موعدها، ثم أجر قراءة الورد القرآني بعد ذلك.
وبدأت أنصت إلى كلام الشيخ ينتقل عبر الكلمات من القلب إلى القلب، لأن ما خرج من القلب استقر في القلب، وما خرج من اللسان لم يجاوز الآذان، كما قالت العرب قديمًا، وبدا في الوصية بعض خفايا المشاعر الأبوية في الحرص على هداية الأبناء وتوجيههم التوجيه السديد الرشيد، وقلت في نفسي كم من أب يرجو أن ينقل هذه الوصايا لبنيه، ليسلكوا سبيل الرشاد ويبتعدوا عن طريق الغواية والفساد.. وكم من ابن يظن أن نصيحة أبيه لا تنفعه ولا تغني عما يريده من اللهو شيئًا، وبدأ الشيخ وسكت الجمع فلا تسمع بالقرب منك غير صوت وحيد صوت الشيخ صالح يذكر بالصبر على الطاعات والصبر عن المعاصي، ثم الصبر على المقدور الذي يصيب الإنسان في حياته، وفي معاملاته مع غيره من بني البشر، فقد يحسن إليهم وهم إليه يسيئون، وقد يفي لهم وهم به يغدرون، وقد يصدق معهم، وهم عليه يكذبون، وقد لا يخفي عنهم نصحه، ولكنهم يظهرون له غشهم وخداعهم، وعلاج هذا كله الصبر والإحساس بأنه جزء من البلاء ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (سورة الملك: ٢).
وأحسست أن هذا الكلام موجه لي ولكل العاملين في مجال الدعوة وأنه بلسم يشفي جراح القلوب والأفكار التي يصاب بها العاملون في الحركة الإسلامية، فيستريحون ثم يعاودون نشاطهم وكأن الكلل لم يصيبهم، والضيق والملل لم يصل إليهم.
ثم انتقل من هذا المعنى إلى معنى آخر فذكرنا بكلام الأصوليين الذين قالوا: ليس هناك مصلحة خالصة، كما أنه ليس هناك مفسدة خالصة، وذكرنا كذلك بقول علماء التوحيد ليس هناك شر محض بل الأمور فيها هذا وذاك.
ومع أن هذا الكلام كنا قد قرأناه منذ حين من الدهر في كلام الأصوليين وعلماء الشريعة إلا أن تطبيقه على الواقع لم يأخذ السمة الغالبة حين قرأناه أول مرة، وإنما أخذناها بعد ذلك حين انصهرنا في بوتقة الحركة الإسلامية، وأصبح المرء يحاسب نفسه على سلوكياتها، وعلى كل أمر يتصرف فيه ليرى هل مصلحته أكبر من مفسدته وهل تحريك الأمر بين الناس أكثر إيجابية من سكونه ومن هذه الأمور تعامل الحركة الإسلامية مع الأنظمة القائمة حيث يمكن أن يختلف الناس حول ما فيها من مصلحة أو مفسدة، وأيهما أعظم نفعًا أو أكبر ضررًا، وغير ذلك.
الفقيه هو الذي ينفذ بعين البصيرة ليغلب المصلحة على المفسدة فيقدم أو يغلب المضرة على المنفعة فيحجم... الفقيه هو الذي يتعامل ويوازن ويوجه ويقود، ولذا قال العلماء ليس الفقيه الذي يعرف الحلال من الحرام، وإنما الذي يعرف أكبر المصلحتين، وأعظم المفسدتين. وقد ذكرنا قول الشيخ بهذه المعاني، ولولا الحب ما جلسنا ولا ذكرنا فالذي جعلنا نستفيد من هذه المواعظ العامة ونسقطها على الواقع لتكون لنا شفاء هو الحب، وهكذا الحب الخالص يفعل الكثير ولذلك نقول إن المسلمين بالحب يستطيعون أن يفعلوا الكثير، فالحب وصال يربط قلوب المتحابين وقد كان الشيخ حبيبًا وما يزال وكان أبوه -من قبل- كذلك حبيبًا إليَّ، وأسأل الله أن يجعلنا جميعًا على منابر من نور يوم القيامة يوم ينادى في الخلائق: «أين المتحابون بجلالي اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي» «صحيح مسلم - البر والصلة والآداب».