; شعاع من القلب: قصور في الحركة والدعوة | مجلة المجتمع

العنوان شعاع من القلب: قصور في الحركة والدعوة

الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين

تاريخ النشر الثلاثاء 24-أكتوبر-2000

مشاهدات 77

نشر في العدد 1423

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 24-أكتوبر-2000

إن صلُح القلب صلحت الجوارح والأعمال، وسلمت الحياة من العطب، فالقلب موضع نظر الرحمن، وهو العضو الذي ينبغي أن يوجه إليه كل اهتمام، وإذا التقت القلوب على أمر واتفقت عليه قامت بينها موجات أثيرية تكشف الطريق أمام جموع المؤمنين وجماهير الموحدين.

من تحصيل الحاصل القول إن أعداء الإسلام يعملون لمحاربته وفق خطة مرسومة، وأدوار محددة، يؤدي كل منهم دوره بإتقان من غير تضارب أو تعارض، ولقد أعلنوا هدفهم صراحة في بداية القرن العشرين، أعلنه كبير المنصّرين في مؤتمر القدس، وهو يخاطب فريقًا منهم: «إن مهمتكم ليست إدخال المسلمين في المسيحية، وإنما مهمتكم إخراج المسلمين من الإسلام» هذه المهمة الموجزة المحددة الواضحة يعملون من أجلها في دأب ونشاط، وينفقون من الأموال والجهود الكثير، ويسلم كل فريق منهم راية العمل للذي يليه، بعد أن يكون قد أنجز الجزء المحدد له من هذه الخطة وفق البرنامج الزمني المعين. ومع معرفة كثير من المسلمين بهذه الحقيقة، ومعرفة الحركات الإسلامية بها إلا أنها لم تحاول أن تعمل جميعها وفق خطة متكاملة معروفة جوانبها، بحيث يقوم كل فريق منها بدوره، مما أدى إلى التضارب بينها أحيانًا، وقيام البعض بما يقوم به آخرون، وهاجمت أطراف منها أطرافًا أخرى، تعيب برنامجها، أو تسفه رأي قادتها، أو تتندر بتربيتها، أو تسخر من منجزاتها، وهذا كله شتت الجهود، وأضعف أمال كثير من الناس في إمكان قيام الحركات الإسلامية بعمل خلاق يتجاوز الواقع ويقدم للناس الإسلام في قوته القائمة على توحد معتنقيه وإصرارهم على العمل من أجل الدين من غير أن يقدموا عليه أي هدف آخر من أرض أو مال أو قوم أو طائفة أو غير ذلك من عوامل التفرق والتمزق التي تراها غالبة -اليوم- على المسلمين وكان المأمول من الحركات الإسلامية أن تلمُ هذا الشتات لا أن تكون هي سببًا من أسبابه أو عاملًا من عوامل اتساعه وامتداده.

وكان لغياب التخطيط والتنسيق بين الحركات الإسلامية أثره في تأخر الوصول إلى بعض الأهداف وفي عدم وضوحها أحيانًا، وسلوك طرق متعرجة لا تؤدي إليها إلا بعد جهد جهيد، وخلط في تحديد الأولويات، وقد يكون للبعض عذره في ذلك نتيجة الظروف المحيطة به، ولكن البعض الآخر ممن سلم من هذه الظروف ووقاه الله شرورها لا عذر له، ولن تتغلب على شيء من ذلك إلا إذا انتقلنا من مرحلة «العمل بحسب الإمكان» إلى مرحلة «العمل بحسب ما يجب أن يكون» ومما يدخل في هذا الباب الإبعاد عما له أهمية مباشرة في حياة الناس اليومية، فالناس ليست لديهم الآن مشكلات في مسائل العبادات المعروفة بأركان الإسلام من صلاة وزكاة وصيام وحج، لأن هذه المسائل ثابثة لا تتغير بتغير الزمان أو المكان، ولكن المشكلات كثيرًا ما تواجه الناس في حركتهم اليومية ومعاملاتهم المالية، ومستجدات الحياة من حولهم التي تغزو بيوتهم وتؤثر على أبنائهم، وهم عنها مشغولون أو لاهون أو غافلون، وهذه الأمور تحتاج إلى مؤسسات تجمع خبراء في كل فن وعلم وفقهاء مستنيرين يقننون للناس ما ينفعهم ولا يضرهم ويبينون لهم ما لا يخالف دينهم حتى يطمئنوا إلى الطريقة الصحيحة، فيتخذوا سلوكهم عن بيئة بعيدًا عن حالة الشك التي يقعون فيها الآن لأنهم لا يعرفون أطريقهم حلال أم حرام؟

وهذا لا تكفي فيه -اليوم- الآراء الفردية للفقهاء، بل الأمر يحتاج إلى مجامع تضم الفقهاء والخبراء الاقتصاديين، وبعض علماء الاجتماع وغيرهم من كل من له صلة بالموضوع لتخرج هذه الدراسات موثّقة للناس وتعمم بينهم. وهذا أحد واجبات الحركات الإسلامية التي تتصدر المجتمعات اليوم وهي ترفع الراية الإسلامية وتدعو الناس أن يسارعوا إليها، ومن واجبها أن تبين لهم كثيرًا من المشتبهات المعاصرة التي تواجههم في صورة أحكام تفصيلية عملية، فلا يكفي مثلًااليوم أن نقول: إن الفن لا شيء فيه إن أبتعد عما يخالف الدين، فهذا القول وأمثاله من العموميات لا تغني الناس شيئًا، ولا تزيل عن أذهانهم لبسًا، وإنما لابد من تأصيل العمل شرعًا، والنظر إليه واقعًا، ونفي الخبث عنه عملا، ثم نقدمه للناس حلالًا بعيدًاعن الحرمة أو حتى الكراهة.

وإلى جانب هذا فإن بعض الحركات الإسلامية لا تعمل على خدمة الناس من حولها بصورة كافية وهذا عكس ما ينبغي أن يكون فإنما تكونت الجماعة أو الحركة الإسلامية لخدمة الناس بحسب التعاليم الإسلامية، أخذة بالإيثار لا بالأثرة، مضحية لا منتفعة، فإذا ما تخلت أي حركة عن هذا المبدأ فقد سقط دورها، وأصبحت تعمل خارج الزمن، وتغرد بعيدًا عن السِرب، وبالتالي فتأثيرها والعدم سواء.

إن هذه الملاحظات تدفعنا دفعًا لمعالجتها، والقضاء عليها ليظل للحركات الإسلامية دورها الرائد في خدمة المجتمع الإسلامي الكبير.

 

الرابط المختصر :