العنوان شعاع من القلب- معالم تحقيق السعادة (3): الحياة دار كبد ومشقة
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 11-يوليو-2000
مشاهدات 63
نشر في العدد 1408
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 11-يوليو-2000
إن صلح القلب صلحت الجوارح والأعمال، وسلمت الحياة من العطب، فالقلب موضع نظر الرحمن، وهو العضو الذي ينبغي أن يوجه إليه كل اهتمام، وإذا التقت القلوب على أمر واتفقت عليه قامت بينها موجات أثيرية تكشف الطريق أمام جموع المؤمنين وجماهير الموحدين.
يقول الله تعالى ﴿لَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ فِي كَبَدٍ﴾ (سورة البلد آية 4)، إن الحياة دار للنصب والتعب وليست مثالية، والاعتقاد بأنها مثالية سوف يجعلك تنفق وقتك وتضيعه هدرًا في الشكوى، والمرء محتاج إلى إظهار ملكات الإبداع من أجل التغيير نحو الأفضل، فلكي تكون سعيدًا أخي المسلم في هذه الدنيا فعليك أن تفسر دائمًا الظواهر تفسيرًا إيجابيًا يشعرك بالسكينة والراحة، فإذا مللت من العمل فحوله إلى نوع من الاسترخاء وإعطاء التفكير إجازة لبعض الوقت لتعود وأنت أكثر قدرة على الإبداع والابتكار، فهذا النوع من الاسترخاء يخلصك من قدر هائل من الضغوط التي تتعرض لها يوميًا؟
معترك الحياة نفسه قد يصيب المسلم بالتوتر بسبب الضغوط المختلفة، لكن كل توتر تتعرض له ينبغي أن تتحمله اعتقادًا منك أن ذلك في مقدورك لأن ثقتك في قدرتك على التحمل تخفف منه، ويمكنك أن تروح عن نفسك وتسري عنها بما هو مشروع حتى تعود إلى صفائك الذهني وهدوئك القلبي لتؤدي واجباتك الحياتية، فالحياة ليست حالة طوارئ متواصلة.
الفهم أولًا: لا بد من أن نفهم أن الذين نتعامل معهم لا يمكن أن يكونوا على الحال التي نريدها أو يتصرفون بالطريقة التي ترغبها، ولكي تعيش حياة مفعمة بالسكينة خالية من التوتر ديدنها الطمأنينة، لا تنساق وراء توافه الأمور والأشياء الصغيرة التي يمكن أن تستفزك، وعجبًا لهؤلاء الذين يتطاحنون في الدنيا بسبب التكالب والتصارع من أجل مكاسب دنيوية رخيصة وفانية.
فالفهم وإدراك طبيعة المشكلة أصل مهم من أصول التواصل الفعال مع الآخرين، ولذلك فالنبي- صلى الله عليه وسلم- بذل في المجتمع المكي سنوات حاول فيها فهم تركيبة هذا المجتمع وإدراك قدرات كل صحابي لتحديد الأدوار التي يمكن أن يقوموا بها، وحين وجد أن هذا المجتمع لم يعد خصبًا للدعوة إلى الله على الأقل على المدى المنظور، هاجر إلى المدينة، فكانت الفتوحات العظيمة، إذن التفكير الواعي والمدرك وفهم طبيعة الأشياء، وفقه الواقع، يجعلك تعيش حياتك دون توتر أو قلق، فإذا تعرضت للأذى من الآخرين كالأطفال مثلًا فعليك أن تتخيل ملامح الطفل وبراءة عينيه الصغيرتين وأن ما يقوم به من محاولة جذب انتباهك أو لفت نظرك ليس الهدف منه تعطيلك عن القيام بأعبائك وإنما هو الحب الذي يكنه هذا الطفل لك، ومن ثم فهو يحتاج إلى توجيه وحكمة في التعامل.
أما الطاعنون في السن فعليك أن تتفهم ظروفهم ودوافعهم حيث البر بهم وتقديم الرعاية لهم، فكلما يتقدم العمر بالإنسان تضعف قواه العقلية ويحتاج إلى معاملة خاصة، ولهذا يستحسن أن تدخل لكل إنسان من زاوية اهتماماته وتعلم كيف يمكنك توظيفه بعد إنضاج هذه الاهتمامات، حاول وسوف تحصد ثمارًا طيبة المهم لا تكن صداميًا واجعل شعارك الفهم أولًا.
والمثال الصارخ في حياتنا الذي يدعوك إلى اعتناق مبدأ الفهم أولًا هو كثرة حالات الطلاق، فنسبة كبيرة من الزيجات تنتهي بأبغض الحلال إلى الله بسبب عدم التفاهم وعدم القدرة على الوصول إلى أرضية مشتركة، فلو حسنت النوايا وساد التفاهم في ظل الحب وتسابق كل زوج في إسعاد الآخر عبر فهم طبيعته وتركيبته لتغير الحال وصارت الحياة بعيدة عن الكدر والتحقق السكن والدف الزوجي: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ۗ﴾ (سورة البقرة: 187)، إذن لا بد من فهم أن المرأة تفكر بعاطفتها لا بعقلها، كما أنها تمر بأغيار شهرية تجعلها شديدة العصبية، وكذلك لو تفهمت المرأة قول الرسول- صلى الله عليه وسلم-: «لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها» (رواه الترمذي والنسائي وقال الترمذي حديث حسن صحيح)، وقتئذ لن تكون هناك مشكلة وسوف يسود السلام الداخلي في النفوس، ويذكر أن زوجين قضيا العشر سنوات الأولى من زواجهما في حالة من الإحباط والخلاف، وقد ضاع أي تفكير عقلاني بينهما في غمرة هذا الخلاف، وموطن الخلاف أن الزوجة كانت اقتصادية بينما الزوج كان مسرفًا، فلم تكن تدري الزوجة السر وراء كونه مسرفًا وكذلك الزوج لم يكن يعرف سبب إمساك الزوجة، أي لم يتفهم كل منهما وجهة نظر الآخر، لكن حينما تفاهما وعرف الزوج أن الزوجة كانت تدخر حتى تتجنب الكارثة المادية التي أصابت أبويها وهي في الواقع تخشى من خطر الإفلاس بينما كان الزوج خجولًا من عجزه عن الاعتناء بها كما كان الحال مع أبويها، ومع علم كليهما بسبب تصرف الآخر، تحول شعور كل منهما تجاه الآخر من الكراهية إلى الحب وساد حياتهما توازن جيد بين ما ينفقان وما يدخران.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل