العنوان شعراء الدعوة الإسلامية في العصر الحديث (٢) - الأستاذ يوسف العظم
الكاتب أحمد لطفي عبد اللطيف
تاريخ النشر الثلاثاء 07-يناير-1975
مشاهدات 128
نشر في العدد 231
نشر في الصفحة 19
الثلاثاء 07-يناير-1975
شعراء الدعوة الإسلامية في العصر الحديث (٢)
الأستاذ يوسف العظم
أحس العالم الإسلامي بالفراغ إثر سقوط الخلافة العثمانية، وشعر المخلصون من المسلمين بأن المؤامرة كبيرة كبيرة، وأنه لا بد من تنشيط الدعوة لإحياء الخلافة والحكم بكتاب الله.
وبرق الأمل من مصر، وظهرت الدعوة لتحكيم الإسلام بقيادة الإمام الشهيد حسن البنا، وأخذت أنباء نمو هذه الدعوة وانتشارها تطبق الآفاق، فوقعت أنباؤها من المسلمين مواقع الماء من ذي الغلة الصادي.
وكان الأردن من أوائل الأقطار التي انتشرت فيه دعوة الإخوان المسلمين، ونشط المخلصون فيها للدعوة إلى الإسلام كمنهج حياة، وهم في نشاطاتهم الواسعة خرجوا مجموعة من الكتاب والشعراء لا زالوا إلى اليوم يرفعون راية الإسلام ويزحمون بها الدعوات المضلة التي تحاول أن تصرف أمتنا عن سر مجدها وسعادتها وأساس رقيها وسيادتها.
ولقد أذاع كتاب الدعوة وشعراؤها إنتاجهم الفكري والأدبي في الندوات والحفلات والاجتماعات العامة والصحف والمجلات على ضيق ما كانت تفسحه لهم هذه الصحف من فرص النشر إذا استثنينا الصحيفة الوحيدة التي أصدرها الإخوان المسلمون باسم «الكفاح الإسلامي» والتي لم تعمر طويلًا، إذ ضاق بها أعداء ديننا الذين يتسنمون أزمة الحكم والتوجيه في البلاد فأصدروا أمرهم بتعطيلها.
ومن أعلام الدعوة الإسلامية في الشعر والفكر والتربية في الأردن الأستاذ يوسف العظم.
ولد الأخ الشاعر سنة ۱۹۳۱م في مدينة معان في أقصى جنوب الأردن، وهي مدينة عريقة أضفى عليها موقعها وسط الصحراء جوًا شاعريًا رقيقًا، وشب شاعرنا بين معان وعمان العاصمة حيث أنهى دراسته الثانوية وتتلمذ في الكلية العلمية الإسلامية على مجموعة من خيرة أدباء الأردن.
ثم يمم الأزهر حصن اللغة وموئل الأدب والشعر والفكر، وفيه أتم دراسته الجامعية في كلية اللغة العربية، ثم دخل معهد التربية للمعلمين بجامعة عين شمس ونال شهادته.
وفي مصر التقى الشاعر برجال الحركة الإسلامي وأدبائها، وعاش بين شبابها المؤمن في الجامعة وخارجها واطلع على ما تقوم به الجماعة الإسلامية من نشاطات حية في كل الميادين، فكان لكل هذا تأثيره على شاعرنا وعلى اتجاهاته الفكرية والأدبية، وقد كان من أثر الزخم الفكري الإسلامي على شاعرنا أن بدأ إنتاجه الفكري الأول وهو لم يزل طالبا في مصر، فكتب كتابه الأول عن الإيمان وأثره في حياة الشعوب، وعرض كتابه هذا على الكاتب الإسلامي الكبير الشهيد سيد قطب، فأعجب به وقدمه للقراء وتوقع لمؤلفه مستقبلا في عالم التأليف: «إن هذه الباكورة الطيبة لتومئ بأن وراءها جنى أوفر».
ولم يكد هذا الكتاب ينزل إلى الأسواق في مصر حتى صدر الأمر بمصادرته، فاختفى من الأسواق، وهكذا بدأ شاعرنا صراعه مع الطغاة وهو على أعتاب التخرج، واستمر هذا الصراع، كما سنرى، حتى كتابة هذه السطور.
وعاد شاعرنا إلى الأردن حيث بدأ نشاطه كداعية من أخلص الدعاة، فاشترك في جميع نشاطات الدعوة الإسلامية فحاضر وخطب وناقش وبذل كل ما يمكنه من جهد في سبيل تنشيط الدعوة الإسلامية في الأردن، وخارجها.
ودارس حياة شاعرنا لا بد له أن يتناولها من عدة جوانب، ذلك لأنه متعدد النشاط جم الإنتاج، ولايزال، نفعنا الله به والمسلمين، يوالي إنتاجه مُتحفًا المكتبة الإسلامية بكل نافع ومفيد.
ففي مجال الفكر كان ميدانه الأول فأصدر كتابه الأول في القاهرة عام ١٩٥٤م بعنوان «الإيمان وأثره في حياة الشعوب»، تناول فيه الإيمان القبس الإلهي، ومدى ما ساهم به في نهضة الشعوب حاثًّا المسلمين للأخذ بأسباب الإيمان ليعودوا خير أمة أخرجت للناس فصودر الكتاب كما قدمنا، وطبع للمرة الثانية في جدة في المملكة العربية السعودية.
وفي السلسلة التي أصدرها بعنوان «المنهزمون» تناول قضايا عدة تشغل الدعاة، إذ هي ميدان نقاش وجدل. وهي في مجموعها قضايا نشأت مع الهجوم المسعور على الإسلام كمنهج حياة شامل كامل وقد تناولت هذه الدراسة القيمة الموضوعات التالية:
١- الحكومة الدينية بين مفهوم الكهنوت ومفهوم الإسلام.
٢- الرجعية والتقدمية بين الإسلام وخصومه.
٣- اليسار واليمين دوامة الضياع للجيل العربي الحائر.
٤- انتصار العلمانية على الخرافة لا على الدين.
٥- فصل الدين عن الدولة ضلالة مستوردة.
٦- الإسلام دون سواه طريق الوحدة والمجد.
وفي مجال الصحافة، فقد كتب شاعرنا كثيرا من المقالات والقصائد في مجلات وصحف الأردن وغيرها من البلاد العربية، ثم كانت تجربته الناجحة في رئاسة تحرير صحيفة «الكفاح الإسلامي» التي أصدرها الإخوان المسلمون في الأردن لتعبر عن رأيهم، بل رأی الإسلام، في القضايا المطروحة التي تهم المسلمين ولتكون المنبر الذي يعلن عنه المفكرون والأدباء المسلمون آراءهم وإنتاجهم، إذ كانت الصحف الأخرى قد ضربت حظرا على الأفكار الإسلامية أن تنشر وأوسعت صدرها لكل ما هو معادٍ للإسلام أن يذاع!!، ثم كانت هذه الصحيفة: اللظى الذي أحرق وجوه أعداء الإسلام والسوط الذي ألهب ظهورهم في رد افترائهم على الإسلام وفي تفنيد ادعاءاتهم بمنجزات زائفة لأحزابهم وأسيادهم.
ويحضرني في هذا المقام كلمات لشيوعي أردني عن هذه الصحيفة قال: إن أشد ما يضايقني تبني صحيفة الكفاح الإسلامي للعمال ودفاعها عن قضاياهم وقولها بأن الإسلام أنصف الكادحين مع أن الشيوعية هي أم الكادحين.. يشير بذلك إلى ركن العمال في الصحيفة حيث تتصدره الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ (الانشقاق: 6)
والحق أن «الكفاح الإسلامي» رغم قصر المدة التي عاشتها قد طبقت منهجها الذي أعلنت عنه في شعارها: «العقيدة الصالحة. والسياسة الواعية، والخبر الصادق. والفكر العميق»، فنجحت واستقطبت مجموعة ضخمة من القارئين وأثبت الأستاذ العظم بأنه صحافي بارع بالإضافة إلى ما تمتع به من صفات أخرى.
وفي مجال التربية، وهو من صميم اختصاص شاعرنا، كان له القدح المعلي، فقد التفت إلى أجيالنا الإسلامية الناشئة فوجدها تتجه في تعليمها وتربيتها إلى واحد من اتجاهين:
المدارس الحكومية التي أنشئت على النمط الغربي حيث حشدت مجموعة من المناهج والمقررات على الطلاب بحيث شغلت وقتهم ووزعته دون تركيز، ثم صيغت هذه المناهج بطريقة بعيدة عن روح، الإسلام بل بطريقة تبعد أجيالنا عن دينهم وتربي فيهم الولاء لأمة الغرب حيث أبرزت فيها فضائل الغربيين واهتمت بالفتن والثورات التي حدثت في تاريخ المسلمين!، وما أجمل ما عبر به شاعر الهند أكبر حسين الملقب بلسان العصر عن آثار هذه الطريقة في التعليم على أبناء المسلمين وأعتبرها قتلا لهم. قال: «يا لبلادة فرعون الذي لم يصل تفكره إلى تأسيس الكسليات، وقد كان ذلك أسهل طريقة لقتل الأولاد، ولو فعل ذلك لم يلحقه العار وسوء الأحدوثة في التاريخ».
أما الاتجاه الآخر الذي سلكه أبناء المسلمين في التعليم فهو المدارس التبشيرية التابعة للكنائس التي انتشرت في البلاد الإسلامية نتيجة لسيطرة دول الغرب على بلاد المسلمين، وأنه لمما يثير الدهشة حقا أن تتخلى المساجد عن رسالتها في التعليم، وهي رسالة أنيطت بها مذ أنشئت، لتتلقف هذه المهمة الكنائس وما هي من مهمتها في الدين المسيحي، ولكنّ أعداءنا أدركوا أهمية أن يتولى المسجد رسالة التوجيه والتعليم فانتزعوها منه وأوكلوها للكنيسة!!
لقد ساء هذا الوضع شاعرنا فأخذ يحاول إنقاذ هذه الأجيال، فأصدر صرخته المدوية: أين محاضن الجيل المسلم؟ يحث فيها المسلمين على الطريقة الإسلامية لتنشئ أجيالا مسلمة تقيل الأمة من كبوتها وتقودها بأیدٍ متوضئة إلى الخير الذي أراده لها الله.
واتبع صرخته بعمله الرائع في إنشاء مدارس الأقصى في الأردن وتولى بنفسه إدارتها، وهي تضم رياضًا للأطفال ومدارس للمراحل الثلاث، وتتبع أرقى أساليب التربية وتهتم بإخراج جبل مسلم واع.
واهتم شاعرنا بهذه المدارس فأخرج لها مجموعة من الكتب الرائعة في سلسلة «مع الجيل المسلم» تضم منهاجًا للتربية كما يريدها الإسلام، وحبذا لو عممت هذه الكتب ودرست في المدارس التي اعتنى بإنشائها المسلمون في جميع أقطار العالم الإسلامي.
وقد صدر من هذه السلسلة الكتب التالية:
١- براعم الإسلام في العقيدة.
٢- براعم الإسلام في الحياة.
٣- أناشيد وأغاريد للجيل المسلم.
٤- أدعية وآداب للجيل المسلم.
٥- مشاهد وآيات للجيل المسلم.
٦- أخلاق الجيل المسلم من الكتاب والسنة.
والسلسلة متتابعة- إن شاء الله- وأمد الله في عمر شاعرنا.
والأستاذ العظم شاعر مطبوع، لشعره طلاوة ورونق يجذب إليه سامعه وقارئه لما فيه من معان سامية ولما يدعو إليه من أهداف نبيلة.
والشاعر المسلم شاعر ملتزم بمفاهيم الإسلام وقيمه تشغله قضايا أمته، ولا تصرفه عن الدفاع عنها دعاوى الفن للفن والأدب للأدب، هذه الدعاوى التي يروج لها أعداء أمتنا ليصرفوا النابهين من أبنائنا عن الاهتمام بما يفيد إلى الاهتمام بالتافه من الأمور، هادفين من وراء ذلك إلى جعلهم أدوات هدم بدل أن يكونوا أدوات بناء.
وانطلاقًا من مفاهيم مدرسة الالتزام قسم شاعرنا الشعراء إلى فريقين:
فريق مع الله إيمانًا وطهرًا وصدقًا وتضحية.
وفريق مع الشيطان كفرًا وفجورًا وزيفًا وضياعًا.
وجعل مثله الأعلى في شعره شعر حسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة- رضوان الله عليهم أجمعين-
لقد استأثرت قضية المسلمين الأولى في هذا العصر- فلسطين- باهتمام شاعرنا، فصدرت جميع أشعاره معبرة عن هذا الاهتمام، حتى لاحظ ذلك كثير من المهتمين بشعره فأطلقوا عليه: شاعر الأقصى، وحق له أن يحمل هذا اللقب، وأنعم به من لقب.
وقد صدر للشاعر ديوان «في رحاب الأقصى» كما صدر له مجموعتان شعریتان هما: «رباعيات من فلسطين» و«السلام الهزيل» وهذه الأشعار جميعها تمثل المأساة بجميع جوانبها السياسية والاجتماعية والإنسانية ويستطيع قارئ هذه القصائد أن يلمس مدى تعلق شاعرنا بأولى القبلتين وثالث الحرمين ومدى ما يقاسيه من آلام نتيجة تقصير المسلمين في الدفاع عن مقدساتهم، كما يلمس من ناحية أخرى إيمان الشاعر بأن هذا الظلام الدامس سيجلوه عما قريب نور الإسلام الساطع بعزائم المؤمنين من رجاله.
وتلمس في شعر شاعرنا عمق ثقافته الإسلامية كما تلمس شدة اعتزازه بإسلامه؛ وذلك حين تمر في قراءتك لشعره بالأحداث الإسلامية الكبيرة وبالشخصيات الإسلامية العظيمة يتمثل بها ويحث أمته على إعادة أمجادها:
وفؤاد الأقصى الجريح ينادي
أين عهد اليرموك والقادسية
أين رایات خالد وصلاح
وزحوف لطارق وأمية
وعلي يزجي الصفوف ويعلي
في ذرى المجد راية هاشمية
أين عهد الفاروق غير ذليل
عف قولًا وطاب فعلًا ونية
ونداء للتائهين حيارى
أين خنساؤنا وأين سمية
ورماح في كف خولة تزهو
وسيوف في راحة المازنية
ويجب ألا ننسى أن الأناشيد التي أصدرها للجيل المسلم في كتابه: «أناشيد وأغاريد للجيل المسلم» هي من قبيل إعداد هذا النشء للمهمة التي تنتظره في تحريره وطنه من الغزاة، أكانوا غزاة أرض أم غزاة فكر:
یا قدس مهما باعدوا بيننا
ففي غد جيش الهدى يزحف
كتائب الإيمان قد بايعت
لا فاسق فيها ولا مترف
إن أصدق قلم صور نكبة أبناء فلسطين لهو قلم شاعرنا، وشتان بين من ينزف قلبه مع كلماته ومن كانت كلماته تجارة وهراء:
في خيمة عصفت ريح الزمان بها
لمحت بعض بني قومي وقد سلموا
فأسلموا لنيوب الليث ضارية
البرد والجوع والإذلال والألم
إن أكبر سبة وأكبر عار لهو عملية إغاثة المنكوبين من أبناء فلسطين فيما سمي بوكالة الغوث، أن هذه العملية ما هي إلا عملية إذلال لهذا الشعب الأبي من تخطيط عدونا الماكر، وقد أساءت شاعرنا مناظر الأطفال والنساء والرجال يتحلقون ويتدافعون حول موزعي الوكالة، فانطلق لسانه يصورها ويبين ما فيها من تحقير لشعبنا، ثم يؤكد على أنها لن تذل شعبنا لأنه لا يرضى بالعودة بديلًا.
يقول عن يوم المؤن
وسألت القوم عن ضجتهم
قيل يبغون دقيقًا وطعاما
منكب منهم يحاذي منكبا
وعظام دفعت منهم عظاما
کم کمي عربي ثائر
كبلوا في كفه الدامي الحساما
وجواد عربي قد غدا
يمضغ السرج ويقتات اللجاما
ويقول عن وكالة الغوث:
جعت في يوم فأرسلت يدي
لرغيف البؤس من خبز الوكالة
ومضغت العار سما ناقعا
وشربت الكأس ذلا للثمالة
سلبت أرضي وعاشت طغمة
في ربوعي تدعي روح العدالة
إنما مزقنا أعداؤنا
حين بدلنا الهدى درب الضلالة
ولكن اللاجئ لا يرضى بالعودة بديلًا:
نحن شعب قد سلبنا الوطنا
نحن في عري وآلام وجوع
وطعام الغوث لا يشبعنا
نحن لا يشبعنا غير الرجوع
وقد تلمس شاعرنا أسباب النكبة فردها في مجملها إلى البعد عن الإسلام كمنهج حياة، ولكنه في نفس الوقت عرج على قضايا جانبية ساهمت في النكبة مساهمة كبرى ومنها نشر الغناء وما يجره من ويلات على الأمة، وما ينشره من ميوعة بين رجالها، وفي نفس الوقت الذي اعتبر كثير من الثوريين صوت أم كلثوم قنبلة! وانتظروها لتحرر الأوطان بغنائها كان شاعرنا ينفطر ألما لهذه المهزلة.
لا تغني الخيام يا كوكب الشرق!
وتسقي من راحتيه المداما
ففلسطين لا تريد سكارى
وربي القدس لا تحب النياما
كوكب الشرق ضاع قومي لما
تاه في حبك القطيع وهاما
إن شعر الأستاذ العظم مليء بالقيم الإسلامية، معبر عن آمال أمتنا المؤمنة، مبين للطريق السليم الذي يجب أن يسلك للخروج من مأزق الذل الذي وقعت فيه أمتنا، وهو بالإضافة إلى الجوانب الأخرى من إنتاج الشاعر بحاجة إلى مجال أرحب للدراسة والبحث.
إننا إذ نقدم رجال الدعوة الإسلامية في العصر الحديث، مفكرين وشعراء، إنما نرد على أولئك الذين أخذتهم نشوة الانتصار على الأمة الإسلامية فصرخوا مهللين: أما اليوم فلم يبق للإسلام أوس ولا خزرج!
إن رجال الدعوة الإسلامية الذين قدموا أرواحهم فداء لهذا الدين ويقدمون هم أوس هذه الدعوة وخزرجها في كل عصر وفي كل مكان.
الرابط المختصر :