; شعراء... ولا أبا القاسم لهم | مجلة المجتمع

العنوان شعراء... ولا أبا القاسم لهم

الكاتب خالد السيف

تاريخ النشر الثلاثاء 14-يونيو-1988

مشاهدات 70

نشر في العدد 870

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 14-يونيو-1988

مدخل

الإسلام حرر الإنسان وانتشله من جميع القوى الأرضية ووحولها، ووجهه إلى الله سبحانه وتعالى فأصبح من هذا المنطلق يعيش حياته بحرية تامة في أطر انقياده لله وحده. ومن مقتضيات هذه الحياة الحرة.. الحاجة الملحة إلى أدب حر، معبر... ويشترط في هذا التعبير أن يكون صادقًا وملتزمًا. ومما مضى تتمخض ثلاثة مبادئ وهي «الحرية– الصدق– الالتزام» وبها يمتاز الأدب الإسلامي عن غيره... ومن خلالها تظهر السمات الأدبية الإسلامية، بلباس ناصع لا يعتريه دنس البتة. ومن أنعم النظر في تلك المبادئ أدرك أنها هي التي قامت عليها العقيدة الإسلامية.. ومن هنا نلمس الخيط الرفيع الذي يربط بين العقيدة والأدب، إذًا فالعقيدة جعلت الأدب ينطلق من منطلقات إسلامية.. ليصل في نهايته إلى تباين بين الأدب الإسلامي وغيره من الآداب الأخرى الضاربة في معايير ومبادئ، أو هي من بيت العنكبوت.

 

«لذلك فإن ربط الأدب الذي ينتجه الأدباء المسلمون بالعقيدة أمر لا يشكل أي خروج عن طبيعة الأدب، بل إنه يصحح مسار العلاقة بين الأدب والعقيدة فيربطه بأصدق عقيدة ويهيئ له أوسع مجال للتصور وأدقه وأكثره تلاؤمًا مع الفطرة البشرية».(1)

 

وبعد هذا المدخل والذي أردته أن يكون بوابة دلفت من خلالها إلى الحديث عن الشعراء، خاصة أولئك الذين تجردوا من قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ۗ ﴾، وخلصوا إلى خلع ربقة الإسلام عقيدة وإيمانًا؛ ليظهروا بصورة تتناسب وعطاءاتهم الإبداعية.. حيث العقيدة تمثل حجر عثرة تحد من الإبداع، وربما عاقت! هذا زعمهم وأبرأ إلى الله من الردة. ولست أدري هل الالتزام العقدي يحد ويعوق؟!

 

وأنا على يقين بأن كثرة هؤلاء ستضطرني إلى سوق أمثلة ببعضهم، لتتضح الرؤية وعن كثب... وليرجع الأحفاد إلى أجدادهم من الشعراء الذين أهدر رسول الله صلى الله عليه وسلم دماءهم حيث المخالفة العقدية والخروج عن المنهج الإسلامي.. والذي تمثله الردة في أجل صورها وأتمها.

 

وإهدار الدم في الشريعة الإسلامية ليس بالأمر الميسور.. ناهيك وأن الحكم صادر عن المشرع صلى الله عليه وسلم ومن هنا ندرك فداحة هذا الخطب في جريرة أولئك الشعراء والذين تواصل عطاؤهم إلى قرننا هذا وذلك على صهوات أحفادهم.. أو ربما فاق الحفيد أجداده... ومن خلال نصوص سنوردها من شعر الأجداد والأحفاد.. سنرى أن شعراء عصرنا «الأحفاد» قد بزوا أجدادهم وتفننوا وأبدعوا في صور تتجلى فيها روح الانهزامية العقدية المنصهرة في بوتقة التبعية والتقليد... كل ذلك من جراء التغريب والذي أورث خواء إيمانيًّا لدى الشعراء فخلق هذا الانحلال والذي ظهر جليًّا في شعرهم.

 

ونحن إذ نربطهم بأجدادهم لا نعدو الحقيقة، ولا نخرج عن حياضها، ولا نصدر أحكامًا عشوائية لا تمت إلى الحقيقة بصلة حينما نحكم بانحلالهم عقائديًّا من خلال شعرهم والذي غص بصور الإلحاد والشرك «الصراح».

 

وما فعلناه إنما هو تأصيل لشعر هؤلاء... كما هي الحال بالنسبة للشعراء الإسلاميين الصادقين في هذا العصر حينما نربطهم بأجدادهم من حيث المنهج والالتزام والهدف، فالعلاقة والمثلية في شعر حسان وابن رواحة وكعب وابن الزبعري وغيرهم من شعراء الدعوة في صدر الإسلام وشعر الأميرة والعظم وغيرهما من شعراء هذا العصر تبدو جلية وواضحة لمن يستقرئ شعرهم.

 

وحقيقةً، ما وددت أن أدنس هذه الصفحات بشعر أولئك والذي ينم بل ويطفح عن عقائد زائفة يشوبها الكدر حيث الكفر والاستهزاء بذات الله ومناصبة الدعوة العداء... و.. و... ولكنني أجدني مضطرًّا لذلك ومتنفسي هو قاعدة الأصوليين حيث إن «ناقل الكفر ليس بكافر» ومن أجل إدانة هؤلاء ومن خلال شعرهم، فلا مناص من استعراض نماذج من شعرهم، تعضد أحكامي السابقة وتؤيدها وأخاله لا تثريب عليَّ.

 

وعودًا على بدء.. فإنا لن نقتصر على نماذج من شعراء هذا العصر فحسب بل إننا سنثني بنماذج للشعراء الأوائل ممن أهدر رسول الله صلى الله عليه وسلم دماءهم، وعندها ندرك أن شعراء هذا العصر أشد إيغالًا في كفرياتهم من أولئك الأجداد الذين أُهدرت دماؤهم، ليس لمواقفهم العدائية من الدعوة ومحاربتهم لها بشتى الوسائل فحسب، بل لشعرهم الذي ظهرت فيه الردة من الإسلام إلى الكفر وفيه ظهرت السخرية والهجاء لهذه الدعوة ولصاحبها صلى الله عليه وسلم.

 

وسنقف وقفات عجلى لنستعرض أولًا: نماذج من قصائد وشعر الأجداد ومن ثم نثني بشعر أحفادهم شعراء هذا العصر ولن نسهب ونطيل في إبراز النماذج أو التعليق لأنه لا يتسرب إلى نفسي أدنى شك من أن القارئ الحصيف هو بنفسه ومن غير عناء سيضع النقاط على الحروف بمجرد القراءة فحسب:

 

أولًا: شعر الأجداد

أ –
لقد عشت دهرا وما إن أرى ** من الناس دارا ولا مجمعا     أبر عهودا وأوفى لمن ** يعاقد فيهم إذا ما دعا    
من اولاد قيلة في جمعهم ** يهد الجبال ولم يخضعا    

فصدعهم راكب جاءهم ** حلال حرام لشتى معا    

فلو أن بالعز صدقتم ** أو الملك تابعتم تبعا

هذه الأبيات لأبي عفك وهو أحد بني عمرو بن عوف قالها حين قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحارث بن سويد بن صامت.. وفيها ظهر نفاقه فقال رسول الله: "من لي بهذا الخبيث؟"

فخرج سالم بن عمير فقتله.(2)

 

وقال أبو عزة الجمحي:

 ألا أبلغا عنى النبي محررًا *** بأنك حق والمليك حميد

ولكن إذا ذُكِّرت بدرًا وأهلها *** تأوه مني أعظم وجلود

 

وهذان البيتان لأبي عزة الجمحي أُسر يوم بدر كافرًا وكان ممن يهجون رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستعطف رسول الله بأنه ذو عيال وحاجة فما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن امتن عليه فأطلق سراحه، بعد أن أخذ عليه العهد والميثاق بألّا يعين عليه «أي بشعره».

وقد قال البيتين الآنفين بعد إطلاق سراحه وبهما كانت عودته إلى هجاء رسول الله، وجاء يوم أحد فكان في عداد الأسرى فقال: "يا رسول الله منَّ عليَّ من الله عليك."

فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام: "لا يُلدغ المؤمن من جحر مرتين، والله لا تمسح عارضيك بمكة بعدها وتقول: إني خدعت محمدًا مرتين.. اضرب عنقه يا عاصم بن ثابت." فضرب عنقه.(3)

 

باست بني مالك والنبيت *** وعوف وباست بني الخزرج

أطعتم أتاوى من غيركم *** فلا من مراد ولا مذحج

ترجونه بعد قتل الرؤوس *** كما يرتجى مرق المنضج

ألا أنف يبتغي غرة *** فيقطع من أمل المرتجى

 

الأبيات لعصماء بنت مروان.. وكانت شاعرة وما أن قتل أبو عفك حتى نافقت وقالت أشعارًا تعيب بها الإسلام وأهله... وما هذه الأبيات إلا أنموذجًا لهذا العطاء الشعري المنتن العفن، ولكنَّ أبا القاسم كان لها بالمرصاد وما أن سمع شعرها هذا حتى قال: "ألا آخذٌ لي من ابنة مروان؟" فسمع من رسول الله عمير بن عدي الخطمي مقولته وكان عنده، فلما أمسى من تلك الليلة سرى عليها في بيتها فقتلها ثم أصبح مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا رسول الله إني قتلتها." فقال المصطفى صلى الله عليه وسلم: "نصرت الله ورسوله يا عمير."(4) هذه بعض من نماذج شعر أولئك الذين أهدر رسول الله صلى الله عليه وسلم دماءهم ونفذ فيهم حكم الله ورسوله وهناك طائفة أخرى من الشعراء أُهدر دماءهم صلى الله عليه وسلم، ولم ينفذ فيهم الحكم.. لتوبتهم أو لهربهم.. ولعلنا نكتفي بهذا دلالة على كلامنا الآن.

 

ثانيًا: «شعر الأحفاد»

أ - قتلناك يا أخا الأنبياء

قتلناك

ليس جديدًا علينا

اغتيال الصحابة والأولياء

فكم من رسول قتلنا

وكم من إمام

ذبحناه وهو يصلي صلاة العشاء

فتاريخنا كله محنة

وأيامنا كلها كربلاء(5)

 

هذه المقاطع من شعر العجوز المنحرف نزار وأخالها لا تحتاج إلى دراسة ولا إلى وقفات.. فهي ظاهرة وتنم عن إسفافه وانحلاله... وهذا هو شأن قصائده جلها.. وهذا هو طابع دواوينه، فما أن تجيل نظرك بدواوينه «حبيبتي» و«لا» و«أشعار خارجة على القانون» و«قصائد متوحشة» حتى تقف على هذا العطاء المنتن المنحل.

 

واقرأ معي قوله «لتتضح لك نتانة هذا العطاء والذي يوسم بالإبداع!!»..

 

رأيت الله في عمان

مذبوحًا

على أيدي

رجال البادية

غطيت وجهه بيدي

وصحت يا تاريخ

هذه كربلاء الثانية(6)

 

ب - ما زال التنابلة العبيد

يستنزفون دم المساكين، الحزانى الكادحين

على وسائد من عبير

ويزاولون تجارة القول المزيف، والرقيق

ما زال «هولاكو» و«هارون الرشيد».

ولم يزل «فقراء مكة» في الطريق

وقوافل التجار والفرسان والدم والحريم

يولدن ثم يمتن عند الفجر في أحضان

«هارون الرشيد»(7)

 

ويقول البياتي صاحب هذه المقاطع في قصيدة له أخرى:

 

الله في مدينتي يبيعه اليهود

الله في مدينتي مشرد طريد

……………

……………

الله في مدينتي يباع في المزاد(8)

 

ونبرأ إلى الله جل شأنه من خرافات هؤلاء وشركياتهم والتي لم نجدها بهذه الصورة المخزية المتجردة من الحياء من الله عز وجل عند أجدادهم.

 

وحقيقة ما أن تقرأ عطاءات هؤلاء الشعرية والتي يصفق لهم طويلًا ويشار إليهم بالبنان و... و... حتى تتذكر مقولة الإمام المجاهد محمد بن عبد الوهاب- رحمه الله- من «إن مشركي زماننا أشد شركًا ممن مضى» أو حول هذه العبارة.

 

ج: الله سبحانه وتعالى يقول في محكم التنزيل عنه سبحانه:

 

﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ (البقرة:255)، ومن ثم يجيء أحد المارقين والذي عرف «بمجنون التراب» ليتقيأ وبوقاحته المعتادة فيقول:

 

نامي

فعين الله نائمة

عنا ... وأسراب الشحارير(9)

 

د - وقال السياب:

 

ما كان حتمًا علينا أن يعذبنا *** طاغ وأن يشهد الرحمن بلوانا

النار أشهى فهات النار تصهرنا *** يوم الحساب ومتعنا بدنيانا

إن كان لا يدخل الجنات داخلها *** إلا شقيًّا على الأولى و.....

وكان أمرك أن نرضى بما صنعوا *** فاحفظ عبيدك... فالشيطان مولانا(10)

 

وأيم الله إن هذه الأبيات لا تخرج إلا ممن كان الشيطان مولاه... وأما الطهر والعفاف والأدب فهي سمة عطاءات المبدعين ممن مولاهم الرحمن، وشتان بين الفريقين.

 

وبعد، لعلني أكتفي بهذه المقاطع والأبيات دلالة على كلامنا السابق.. وإلا فشعر هؤلاء الحائد عن جادة الصواب والمغرض بهذه الصورة الآنفة حيث الشرك والاستهزاء وتقديس الصليب... و... و... هو الذي قد أُترعت فيه دواوينهم ومن أجلها عُدُّوا أقطاب الشعر!! وسادته!! ومما يندى له الجبين ويرثى له أن شعر الإسلاميين لا يعد عند كثير من النقاد بهذا المستوى من الإبداع وضير ذلك أن شعر الإسلاميين مقيد!! فبارك الله في التقييد وأكثر من شعرائه إن كان الانطلاق- أي الكفر والاستهزاء- هو شارة الإبداع وسمته.(11)

 

(1) د. عبد الباسط بدر، مقدمة لنظرية الأدب الإسلامي، الطبعة الأولى دار المنارة جدة - ص.ب: 46.

 

(2) انظر ابن هشام ج 2 ص 636.

 

(3) انظر ابن هشام ج 2 ص 104.

 

(4) انظر ابن هشام ج 2 ص 637.

 

(5) نزار قباني ديوان «لا» قصيدة جمال عبد الناصر ص 11 - منشورات نزار بيروت - لبنان.

 

(6) نزار قباني ديوان «لا» قصيدة دفاتر فلسطينية ص 119 - منشورات نزار – بيروت – لبنان.

 

(7) عبد الوهاب البياتي ديوان أباريق مهشمة، قصيدة - ص 267 - الجزء الأول من مجموعته – دار العودة بيروت الطبعة الثالثة.

 

(8) عبد الوهاب البياتي ديوان كلمات لا تموت ص 512 ص 267 - الجزء الأول من مجموعته – دار العودة بيروت الطبعة الثالثة.

 

(9) محمود درويش الموت في الغابة، عنوان القصيدة 48 - ديوان أوراق الزيتون الطبعة 7 – 1980 دار العودة.

 

(10) بدر شاكر السياب «اللعنات» «إلى النار» الجزء الثاني من مجموعته الشعرية ص 370 دار العودة.

 

(11) لمثل هذا يذوب القلب من كمد... إن كان في القلب إسلام وإيمان.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

140

الثلاثاء 31-مارس-1970

نهايَة دَولَة الشعَراء

نشر في العدد 33

130

الثلاثاء 27-أكتوبر-1970

والشعراء يتبعهم الغاوون

نشر في العدد 243

105

الثلاثاء 01-أبريل-1975

قضّية فكر