العنوان شعر نجيب الكيلاني بين مقتضيات الرسالة وآفاق التطور ... الحلقة (١)
الكاتب الأستاذ الدكتور جابر قميحة
تاريخ النشر السبت 16-يناير-2010
مشاهدات 49
نشر في العدد 1885
نشر في الصفحة 44
السبت 16-يناير-2010
«في بحثه الممتع الذي قدمه لمؤتمر الأدب الإسلامي في خدمة الدعوة، يستعرض د. جابر قميحة ملامح الالتزام في شعر الأديب الكبير نجيب الكيلاني - يرحمه الله - مستشهدًا بالعديد من المقطوعات الشعرية التي تبرز هذا الجانب من حياته الشعرية ثم يتابع مسيرة الشاعر الفنية ليضع أيدينا على المراحل التي تطور شعره من خلالها وما وصل إليه من نضج وتألق. وفي الصفحات التالية نعرض لأهم ما جاء في بحث د. قميحة ليكون في متناول الجميع من مرتادي الساحة الأدبية ومتذوقي الشعر الأصيل».
الرسالة الشعرية
الشاعر المثالي هو ذلك الذي يعتبر نفسه «أمينا على رسالة»، وأن عليه أن يوظف طاقاته ومواهبه التي منحه الله إياها للاضطلاع بها، وأداؤها على وجهها الأكمل -في مصداقية وإخلاص- في توجيه النفس والسمو بها، وإسعاد المجتمع الإنساني. وديوان الشعر العربي الحديث عرض صورة هذا الشاعر الرسالي بأبعادها المختلفة، يقول علي محمود طه في قصيدة بعنوان «میلاد شاعر» :
هبط الأرض كـالـشـعــاع الـسـنـي *** بعصا ساحر وقلب نبي
لمحة من أشعة الروح حـلت *** في تجــــالـــيـــد هـــيـــكــل بـشـري
ألـهـمـت أصـغــريــه عـــالـــم الحــك *** ــمــة والـــنــــور كـــــل مــعــنـــى ســـــري
وحـبـتـه الـبـيــان ريـــا مــن السـح *** ــــــر بــه للـعـقـول أعذب ري (1)
ومن هؤلاء الأدباء: الكاتب الشاعر القصاص الطبيب نجيب الكيلاني الذي كان يرى أن الأدب وسيلة لا غاية، فالأدب –في نظره– يجب ألا يُساق لمجرد الإمتاع وبعث النشوة في نفس المتلقي، ولكن لكي يؤدي رسالة إنسانية تربوية تتلخص في غرس القيم العليا، وتهذيب النفوس، وتربية السلوك.
وقد بسط الكيلاني رأيه هذا في كتبه التي نظر فيها للأدب الإسلامي، وفي محاضراته، وأحاديثه عن الفن والأدب، كما أنه أخذ نفسه بما نظر، وكان بأدبه تطبيقًا عمليًا لما قاله وكتبه على سبيل التنظير(٢).
ويقول صراحة: «إنني أديب داعية يستشعر عظم المسؤولية، وأهمية نشر الرسالة الخالدة»(۳).
فلا عجب - إذن - أن يصرح الكيلاني في شعره أنه يرفض الأدب القائم على الكذب والزيف والضجيج، فمثل هذا الأدب لا يمت للفن بأية صلة، وذلك لأن:
الكـــــــاذب لا يخلق فنًّا
يفرز أنغامًا تتعثر
يتغنى باللحن الميت
والناي هواء وضجيج
والشعر قواف تتحشرج
الحرف كقالب طوب
المعنى الحر يذوب
في بحر الزيف الملعون
لا شيء يكون
الكـل خـــــــــــــــــــــواء(٤)
أدب النفاق
ويحمل الكيلاني بشدة على أدب النفاق الذي يأتي غالبًا في قصائد مدح لا مكان فيها للحق والحقيقة، وللأسف كان - ومازال - هذا اللون من الشعر هو صاحب القدح المعلى على الساحة الأدبية:
لم يبق إلا ناظم المديح
يدبج القصائد المرصعه
بكل ما من شأنه أن يقلب الحقائق
ويلبس الطغاة والجناه
ملابس الملائك والهداه
ويلح الكيلاني على هذا المعنى في أكثر من قصيدة، حتى أنه ليصف الشاعر النفعي المنافق الذليل الذي يريق ماء وجهه في محاريب الطغاة والكبار من أجل نفع مادي.. بأنه شيطان:
شيطان من يسجد للخوف
لكي يحيا
شيطان من يصرخ أو يهتف
من أجل سبيكة
الخائف قد ضل طريقه
والمادح بالشعر هو الخارج عن شرع الحرية
اللعنة تلحقه طول العمر
ومن هذه الثلاثية : الطغيان والاستسلام والنفاق : أو الحاكم الظالم الطاغية، والشعب الجزوع المستسلم، والمفكر أو الشاعر المنافق يتشكل نسيج المجتمع الساقط المنهار المنكود :
آفة الشرق حاكم معبود *** وشعوب تروعهن قيود
أمة تملك الكثير ولكن *** هدها الجهل والأسى والجمود
وتطيل السجود في كل حين *** ولغير الإله ذاك السجود
نال إقدامها هوان وذل *** وتغنى بالموبقات القصيد(٥)
أما الإبداع الجدير بأن ينتسب بحق إلى الفن، فهو ذلك الذي يقدم لنا الكيلاني أبعاده ومضامينه وأهدافه في الأبيات التالية:
أريد الفن أن يلهب روح الغضبة الكبرى
يشكل جيلنا الحيران، يذكي فكره الحرا
يطارد خيبة الآمال.. والإلحاد والفقرا
يفيض على الربا عدلًا ويملأ روضها برا
يرتل رائع الآيات في جنباتها الخضرا
يضوع بروعة الماضي وينشد أمجد الذكرى
أريد الفن أن يومض من أهاتنا الحرى
يترجم عن هدى الإيمان في أيامنا الحيرى(٦)
الفنان الإنسان
ولا يتحقق ذلك إلا إذا كان الفنان إنسانًا .. إنسانًا بكل ما تحمل هذه الكلمة من مضامين وأبعاد نفسية وروحية سامية شامخة، إن مثل هذا الفنان هو «الواحة» التي يبحث عنها نجيب الكيلاني على حد قوله :
أبحث عن فنان إنسان
أقرأ في عينيه الحب
يشرق في فمه الإيمان
يسقي الظامئ فجر حنان
يلهب قلب البائس ثورة
والشاعر الحق هو ذلك الذي لا تتوقف قيثارته أبدًا، مهما تكالبت عليه المحن، وعضت به الكروب وأدمته النوازل، فإيمانه برسالته يقتضيه أن يمضي.. ويمضي رفيع الرأس، شامخ الوجدان، مجلجل الصوت بهتاف الحرية والأحرار، متخذًا من آلامه الدامية منطلقًا لشحن النفوس بنوازع الثورة ضد الظلم والطغيان، وزرع الآمال المتطلعة لغد رشيد زكي وضيء يقول نجيب الكيلاني في قصيدة «ليل وقضبان ».
المراجع
(۱) ديوان علي محمود طه (أعماله الكاملة)، ۱۱.
(۲) انظر تفصيل ذلك في كتب الكيلاني: أعداء الإسلامية (۷) - (۱۸) حول القصة الإسلامية (۱۹ ، ۲۲ – ۲۳)، حول المسرح الإسلامي (١٥ - ٢٠ ، ٦٣ - ٦٤)، الإسلامية والمذاهب الأدبية، ۱۱۱.
(۳) حوار مع نجيب الكيلاني ٥٤ (مخطوط).
(٤) عصر الشهداء، ٥٠ .
(٥) عصر الشهداء، ٩٦ .
(٦) عصر الشهداء، ١٦ ، وانظر حديثا سجلته له زوجته ص ٥٣ من حوار مع نجيب الكيلاني)، مخطوط.
(۷) كيف ألقاك، ۷.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل