العنوان شقيقة الرجل.. بطلة وفدائية
الكاتب إيمان مغازي الشرقاوي
تاريخ النشر السبت 19-يناير-2013
مشاهدات 66
نشر في العدد 2036
نشر في الصفحة 54
السبت 19-يناير-2013
(*)إجازة في الشريعة
إنها لم تكن هي تلك المرأة التي لا هم لها ولا مأرب، ولا هدف لها ولا غاية في هذه الحياة، ولم تكن تلك المرأة التي تشغلها سفاسف الأمور ودنيا اللهو والشهوات عن التضحية والإيثار والجود بما تملك في سبيل الله تعالى.
وحين أتحدث عن شقيقة الرجل لا يسعني إلا أن أبدأ بدورها العظيم في تثبيت أركان الإسلام منذ الوهلة الأولى لبزوغ شمسه، وتنزل الوحي على النبيﷺ، وقد ضربت لنا المرأة في تلك المرحلة القدوة الحسنة في قدرتها على تخطي الصعاب والخروج من الأزمات، ولو أدى ذلك إلى الغمار بنفسها وسلامتها.
فكان أن شاركت المرأة المسلمة في الهجرة المباركة، وكان لها منها نصيب أوفي في بنيان هذه الأمة، لتضرب أعظم مثال في الشجاعة والفداء حبًا لله ورسوله، ولتكون قدوة للنساء المسلمات على مر الأيام.
السيدة خديجة رضي الله عنها.. أولى المهاجرات إلى الله عز وجل.. فقد هجرت ما كان عليه قومها في مكة من عبادة الأوثان
أولى المهاجرات
كانت أولى المهاجرات إلى الله عز وجل السيدة خديجة رضي الله عنها، لم تكن هجرتها هي الهجرة البدنية المتعارف عليه، بل هجرت ما كان عليه القوم آنذاك في مكة من عيادة الأوثان، ولم تكتف بذلك، بل يسرت لزوجهاﷺ هجرته القلبية إلى الله عز وجل في غار حراء، حيث الخلوة والمناجاة، ومن ثم تنزل الوحي عليه، فكانت أول من آمن به، وحفظ لها التاريخ قولتها المشهورة له: «كلا والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق» (رواه البخاري)، فما أعظمها من مهاجرة!
كما برزت على ساحة الهجرة شخصيات نسائية رائعة أعلنت عن مبدأ المشاركة بين الرجل والمرأة في متطلبات الإيمان بالله، وفي بناء الأمة وصناعة الرجال، وردت على خصوم الإسلام الذين يزعمون أن المرأة المسلمة مظلومة دومًا مهضومة الحقوق أبدً مسلوبة الإرادة، مهيضة الجناح، وأنها تابعة خاضعة إمعة، وللأسف فقد انجرف نحو هذا التيار
بعض بناتنا ونسائنا ممن يتكلمن بألسنتنا، وقد انتهجن تهجه، فظن أن حجاب المرأة قيد لها، وأن إنفاق الرجل عليها وقوامته لها إهانة وتسلط، وزعمن أن طاعة المرأة زوجها عبودية وضعف، وأن رعاية وتربية أولادها سجن لها وحبس!
أما المرأة المسلمة في صدر الإسلام فقد شاركت في صنع الأمة، دافعت أولًا عن دينها، ووقفت في وجه الطغاة، لتثبت على عقيدتها التي اختارتها، فكانت رجلًا! يصدق فيها قول الحق تبارك وتعالى: ﴿ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب:23)، فكانت سمية ممن قضى نحبه شهيدة في سبيل الله عز وجل قبل أن يكون الرجال! شأنها في ذلك شأن أنس بن النضر رضي الله عنه الذي نزلت فيه وفي أمثاله هذه الآية الكريمة.
أسماء بنت عميس رضي الله عنها هاجرت مرتين إلى الحبشة ثم إلى المدينة رافضة القهر والظلم المتفشي وخشية أن تفتن في دينها
هاجرت مرتين
ومن النساء من رفضت القهر والظلم الواقع المتفشي في ذلك الوقت، وخشيت أن تفتن في دينها ويجرفها تيار الوثنية الذي تعج به مكة آنذاك، فصار بها الحال أن هاجرت مرتين وكتبت من المهاجرات، كما فعلت أسماء بنت عميس رضي الله عنها حين خرجت مع زوجها جعفر بن أبي طالب مهاجرة إلى الله عز وجل، هجرة أولى إلى الحبشة، ثم هجرة ثانية منها إلى المدينة حيث النبيﷺ ، فهي صاحبة الهجرتين ومصلية القبلتين، وقد جاءت النبيﷺ وقالت له: يا رسول الله، إن رجالًا يفخرون علينا ويزعمون أنا لسنا من المهاجرين الأولين، فقالﷺ : «بل لكم هجرتان، هاجرتم إلى الحبشة ثم هاجرتم بعد ذلك» (فتح الباري لابن حجر)، وقال: «إن للناس هجرة واحدة، ولكم هجرتان» (صححه الألباني).
وكما فعلت أم سلمة رضي الله عنها حين سبقت في هجرتها من مكة إلى الحبشة، ومن مكة إلى المدينة، ولهجرتها إلى المدينة قصة مشهورة حيث حبسها أهلها عن الخروج، وفرق بينها وبين ولدها وبين زوجها فصبرت وثبتت حتى هاجرت إليها.
أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما كان لها دور في هجرة الرسول ﷺ.. خلَّده الله لها وأحسن به ذكرها بين الأنام
بطلة وفدائية ومهاجرة
ولا تذكر هجرة النبي ﷺ إلا وتذكر معها الفدائية الكبيرة والمؤمنة الصادقة والمرأة الشابة المجاهدة أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، فقد كان لها دور خلده الله لها وأحسن به ذكرها بين الأنام.. وتالله فإن هذا بعض جزاء الإخلاص والعمل الصالح، «وما عند الله خير وأبقى».
ولا يسعني إلا أن أقدم لبناتنا ونسائنا هذا المثال الرائع لهذه المرأة المباركة التي ولدت قبل الهجرة بسبع وعشرين سنة، وأسلمت مع السابقين الأولين، فكان ترتيبها الثامنة عشرة، وهي أخت أم المؤمنين عائشة من الأب، أما زوجها فهو الزبير بن العوام أحد العشرة المبشرين بالجنة، من بيت شرف وكرم وتقوى، فأبوها وأمها وابنها وأختها من الصحابة رضي الله عنهم جميعا.
أما عن قصتها في هجرة النبي ﷺ فتحكيها فتقول: صنعت سفرة رسول الله ﷺ في بيت أبي بكر، حين أراد أن يهاجر إلى المدينة، قالت: فلم نجد لسفرته ولا لسقائه ما تربطهما به، فقلت لأبي بكر والله ما أجد شيئًا أربط به إلا نطاقي، قال: فشقيه باثنتين فأربطيه بواحد السقاء وبالآخر السفرة، ففعلت، فلذلك سميت ذات النطاقين. (رواه البخاري)، و«النطاق»: ما تشد به المرأة وسطها. قال ابن عباس: أسماء ذات النطاق.
..شجاعة لا تأبه بالمصاعب وكان همها الأكبر نجاة النبي ﷺ وأبيها فكانت تستخفي عن الأنظار ليلًا فتأتيهما بالطعام وهما في الغار
شجاعة نادرة
كانت أسماء شجاعة لا تأبه بالمصاعب، كان همها الأكبر نجاة النبي ﷺ وأبيها، فكانت تستخفي عن الأنظار ليلًا فتأتيهما بالطعام متخفية إذا جن الليل واشتد الظلام وهما في الغار، وتحدثهما عن أخبار المشركين.
وقد حفظت سر رسول الله ﷺ في هجرته، قال ابن إسحاق: ولم يعلم – فيما بلغني –بخروج رسول الله ﷺ أحد حين خرج –يقصد نوى الخروج –إلا علي وأبو بكر وآله.
وقد سألها أبو جهل عن أبيها فقالت له: لا أدري، فلطمها على وجهها فطرح منها قرطها، لكنها لم تضعف، وقد أثبتت بهذا الموقف أن المرأة المسلمة لا تقل إيمانًا عن الرجل، وأنها أهل لحمل المسؤولية وقادرة على حفظ السر والكلمة إن وكل لها ذلك، جديرة بتخطي الصعاب لتحقيق الأهداف العالية خاصة إذا كان الهدف يتعلق بمصير الإسلام والمسلمين، وأن المرأة ليست كما يشاع ويتردد من أنها لا تؤتمن على سر، فهذا تعميم ليس في محله.
وقد سارعت بعد ذلك للحاق بركب المهاجرين لتكون معهم ومنهم، وفي رواية مسلم: «خرجت أسماء بنت أبي بكر حين هاجرت، وهي حبلى بعبد الله بن الزبير، فقدمت قباء، فنفست بعبد الله بقباء، ثم خرجت حين نفست إلى رسول الله ﷺ ليحنكه، فأخذه رسول الله ﷺ منها فوضعه في حجره، ثم دعا بتمرة، قال: قالت عائشة: فمكتنا ساعة نلتمسها قبل أن نجدها، فمضغها، ثم بصقها في فيه، فإن أول شيء دخل بطنه لريق رسول الله ﷺ، ثم قالت أسماء: ثم مسحه وصلى عليه وسماه عبد الله، ثم جاء وهو ابن سبع سنين أو ثمان، ليبايع رسول الله ﷺ ، وأمره بذلك الزبير، فتبسم رسول الله ﷺ حين رآه مقبلًا إليه، ثم بایعه» (رواه مسلم).
بطلة الهجرة
هذه هي أسماء بنت الصديق رضي الله عنهما، لقد توجت بطلة في رحلة الهجرة النبوية، ونالت وسام الشجاعة من الدرجة الأولى، وقد شهدت فيما بعد موقعة «اليرموك» مع زوجها الزبير وأبلت فيها بلاء حسنًا. روت عن النبي ﷺ سنة وخمسين حديثًا، منها اثنان وعشرون في الصحيحين، وكانت شاعرة ذات منطق وبيان.
وكما جادت بنفسها في سبيل الله كانت تجود بما عندها من قليل أو كثير، مسارعة في الخيرات، وخوفًا من أن يعاجلها الموت فتموت وفي بيتها ما تتصدق به.. يروي ابن سعد في «الطبقات الكبرى» أن أسماء كانت تمرض المرضة، فتعتق كل مملوك لها، خوفًا من أن تموت وتترك خلفها مالًا لم تتصدق به.
توفيت رضي الله عنها ولها من العمر مائة سنة، ولم يسقط لها سن، ولم ينكر لها عقل، وماتت ضريرة، وكانت آخر من مات من المهاجرات، فرضي الله عنها وجمعنا معها برحمته في جنات النعيم .
المصادر
1-مؤمنات لهم عند الله شأن تأليف د. محمد بكر إسماعيل
2-عظماء الإسلام - محمد سعيد مرسي
3-فقه السيرة - الشيخ محمد الغزالي
4-موقع الحدث
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل