; التخطيط للهجرة | مجلة المجتمع

العنوان التخطيط للهجرة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 02-مارس-1971

مشاهدات 127

نشر في العدد 49

نشر في الصفحة 3

الثلاثاء 02-مارس-1971

لو كنا أصحاب رسالة حقًا لتغيرَتْ بنا خريطة العالم

جاوز الليل منتصفه؛ ولف موقعنا ظلامه وسكونه، وظلَلْتُ أتقلب في الفراش موخوز القلب نَزوف الفؤاد، كأنَّ الأحداث التي ألقت بأثقالها على عالمنا الإسلامي نوع من الإبر المسمومة غرسها الأعداء في أجسادنا؛ لتمتص ما بقي فينا من دماء الحياة، والمنزوفون عادة لا يشعرون إلا حينما يسقطون على الأرض، وقد فقدوا قدرتهم على الحركة وإمكانية الإنقاذ والإسعاف، وهيهات أن تسمع أنينَهم الخافتَ فِرقُ النجدات...

ومع هذا الشعور الدافق في نفسي من آثار الغليان رأيتني وأنا أتصفح تاريخ الهجرة النبوية، وأستمع إلى شاعر مسلم يناجيها:

عودي علينا بأسرار الهدى عودي       وأيقظي الكون من أحلامه السود
ورددي من جنان الخلد ملحمة   تردديها الحق لا في الأغاريد

فأستبعد من الهجرة جانب الخوارق والمعجزات التي تستهوي القاعدين من غير أولي الضرر، وتستغرق أصحاب الوجد من المتواكلين والمتصوفة، وتعطي المتفلسفة رصيدًا من المجادلة، وأحاول أن أرصد الجهد البشري الذي بذله قائد الدعوة -صلوات الله وسلامه عليه-، فأقول:

·       هل كانت الهجرة بالنسبة لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- فرارًا من أذى قومه إلى حماية أنصاره؟ وهو الذي قال في ساعة اشتد فيهـا صدهم وهجرانهم وأذاهم: اللهمَّ إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي؟ وهو القائل للمعذبين من أتباعه: «صبرًا آل ياسر؛ فإن موعدكم الجنة».

·        أم كانت هروبًا من أبالسة تقمصوا أبدان أناس في مكة يواجهون الحق الذي يدعوهم إليه بجبروت الظلم وطغيان البطش، وهو الذي قال له ربه: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ (المائدة:67)؟

·       أم أنها كانت هجرة طيور تبحث عن رغيد عيشها، وطيب طعامها وشرابها، وفضلًا عن متاع دنياها، وهو الذي يُسمِع أتباعه آيات الله: ﴿قل متاع الدنيا قليل؟ وأم ..وأم .. وأم .. إلخ

·       إذن كانت الهجرة فيما التقطت من أنبائها تغيرًا في استراتيجية الحركة، ومنطلَقًا جديدًا للدعوة يتناسب مع عمومية الرسالة، وفتحًا لمجالات أخرى يستطيع منها وبها أن يبشر العالمين ويدعو الناس أجمعين؛ فإن الوقوف عند أرض سبخة وقلوب ميتة يعطل السير ويوقف الركب ويضيع الجهد.

·       وحينما نعرف من تاريخ رسالتنا أنها عقيدة وشريعة ونظام شامل لكل جوانب الحياة، كان لزامًا أن تقوم دولة، وترسي قواعد النظام، ويتحقق العدل فيها كنموذج حي لمجتمع الربانيين، جدير بأن يمنح الثقة في صدق الرسالة والرسول، ويهز قوائم العروش التي بذرت على القهر والظلم وعبادة الطواغيت.

·       وحينها تتوق نفس الداعي إلى الله إلى فريق من الناس تتمثل فيهم أخلاقيات الدعوة، ومثلها لا بد أن يبحث عن مكان يضم جميع أصحابه؛ ليلقي إليهم بكل التعليمات الجديدة، ويتعهدها بالتنفيذ والتطبيق بعيدًا عن كل المؤثرات الأرضية الهابطة من عصبيات الدم وموروثات التقاليد، وهانت المرئيات أمام أعينهم في الطـرقات والاجتماعات والجيرات، وقد كان: فحينما بركت ناقته- عليه الصلاة والسلام- في أول موضع لها بالمدينة قام في النواة الأولى لمجتمعه المؤمن يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله.

ثم قال: أما بعد، أيها الناس:

فقدموا لأنفسكم، تعلمن والله ليصعقن أحدكم، ثم ليدعن غنمه ليس لها راعٍ، ثم ليقولن له ربه، وليس له ترجمان ولا حاجب يحجب دونه:

ألم يأتك رسولي فبلغك؟ وآتيتك مالًا وأفضلت عليك، فما قدمت لنفسك؟

فلينظرن يمينًا وشمالًا فلا يرى شيئًا، ثم لينظرن قدامه فلا يرى غير جهنم، فمن استطاع أن يقي وجهه من النار ولو بشق من تمرة فليفعل، ومن لم يجد فبكلمة طيبة؛ فإن بها تُجزى الحسنة عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والسلام على رسول الله ورحمته وبركاته.

·       فماذا أعد القائد- عليه الصلاة والسلام- لهذا اليوم؟

·       وماذا خطط لهذه الهجرة؟

·       من خلال العرض السريع للأحداث نستطيع أن نقول:

 

إعداد الأرض الجديدة:

1-  التقى في العام الأول عند العقبة بستة أنفار من أهل المدينة من أبناء الخزرج، هم: أسعد بن زرارة، وعوف بن الحارث، ورافع بن مالك، وقطبة بن عمرو، وعقبة بن عامر، وجابر بن عبد الله، فجلس إليهم، فدعاهم إلى الله، وقرأ عليهم القرآن، فاستجابوا لله ورسوله، وآمنوا وصدقوا.

وكانوا عند حسن ظنه- عليه الصلاة والسلام- بهم، مما يدل على معرفة جيدة بطبيعة القوم ومكانتهم، ودراسة متمكنة لبلدهم ونفسياتهم، والظروف التي يعيشون فيها، حتى أهلتهم للإيمان السريع برسالته، فلما عادوا إلى قومهم بالمدينة دعوهم إلى الإسلام فقبلوا منهم، ولم تبقَ دار من دور الأنصار إلا ذُكر فيها رسول الله- صلى الله عليه وسلم-.

 

·       بعثة التمهيد

2-  ولما أقبل العام الثاني وفي الموسم اثنا عشر رجلًا من الأنصار تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس؛ بايعوه عند العقبة على الإسلام، فبعث معهم بعثة التمهيد وإعداد الأرض وتهيئة الجو، أول وفد من الرعيل الأول للدعاة؛ مصعب بن عمير وعمرو بن أم مكتوم يدعوان إلى الإسلام، ويتنقلان بين بيوت المدينة ومجتمعاتها كطلائع استكشاف لمعادن النفوس ودراسة لأحوال المجتمع، وغرس أولي لمبادئ الدعوة.

 

·       إعلان قرار الهجرة

3- ولما وافى العام الذي تلاه في الموسم، جمع من الأنصار ما بين مشرك ومسلم وزعيمهم البراء بن معرور، وتسللوا مستخفين لا يشعر بهم أحد.

 

·       الاجتماع السري أو المغلق

وفي اليوم الثاني من أيام التشريق انعقد الاجتماع السري في العقبة من ثلاثة وسبعين رجلًا وامرأتين، حيث جاءهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ومعه عمه العباس بن عبد المطلب وأبو بكر وعلي- رضي الله عنهم-، وأعلن بينهم قرار الهجرة، فقالوا له بعدما سمعوا كلام العباس الذي استثار فيهم به روح الحماسة للجهاد لله، ودفاعًا عن الحق ورسوله: تكلم يا رسول الله فَخُذ لنفسك وربك ما أحببت.

فتلا ما شاء الله من القرآن الكريم، ورغَّبهم في الإسلام، واشترط عليهم أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم، فأخذ زعيمهم البراء بن معرور بيدي رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، وقال: والذي بعثك بالحق لنمنعك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله؛ فنحن والله أهل الحرب، وتمت بيعتهم جميعًا.

·       اكتمال الشعب المسلم

وحينما اكتمل وجود الشعب المسلم على أرض واحدة بهجرتهم جماعات ووحدانا، والتقائهم بإخوانهم الأنصار في المدينة، أذن الله لرسوله- صلى الله عليه وسلم- أن ينفذ المرحلة القادمة بأن يلحق بالشعب المؤمن؛ ليكون على رأسه أول حاكم يقوده لحمل الرسالة والتبشير بها في ربوع العالمين.

 

·       الخروج إلى المدينة

بذل محمد- صلى الله عليه وسلم- كل ما في وسع البشر من طاقات الإعمال للفكر، واستخدام العقل والعلم وممارسة الدراسة والتخطيط، ثم الإعداد والتنفيذ، يحيط ذلك كله بالاعتماد على الله والتوكل الصادق عليه- سبحانه وتعالى-؛ ليرعى جهده وجهاده ويبلغه نصره ومراده، وقد كان...
أولًا: التمويه على المحاصرين
 جيء بعلي- رضي الله عنه-، وأمره أن ينام على فراشه، ويتشح ببرده الأخضر.

ثانيًا: التوكيل بالودائع
 وحتى لا تنطلق ألسنة السفهاء بلمزه- عليه السلام-، وحتى تُرد الودائع إلى أصحابها، وَكَّل بها أيضًا عليًّا يتصرف فيها بعد سفره، وحتى لا يكون في توزيعه لها- عليه السلام- بنفسه ثغرة يعلم بها الكفار بهجرته.

ثالثًا: صحبة الصديق
وحتى يشهد جميع المراحل خليفته من بعده وصديقه، وحتى يؤنسه ويشاركه بفكره ومشورته، أتى- عليه الصلاة السلام- أبا بكر في منزله، وأمره أن يخرج من عنده، وأعلمه أن الله قد أذن له بالخروج، فوافق على صحبته له.

رابعًا: الاتفاق على زاد الرحلة

وكانت أسماء بنت أبي بكر تحمل لهما الزاد إلى الغار، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر يمحو بأرجل الغنم آثار الأقدام خلفهم.

خامسًا: رصد تحركات العدو
وكان عبد الله بن أبي بكر يتسمع لهما أخبار مكة.
 سادسًا: الدليل والخبرات
وكان عبد الله بن أريقط دليلهما الخبير بالطريق مصاحبًا لهما.

سابعًا: الحرص
وكانا يسيران ليلًا، ويتخفیان نهارًا.
ثامنًا: محطة للراحة والاستخفاء
واتخذا من غار «ثور» مكانًا أويا إليه في الطريق.

تاسعًا: استئمان كل من يلقونه
وكلما لقوا في الطريق ناسًا دعوهم إلى الإسلام، فأسلموا من أمثال بريدة بن الخصيب وابن حجر الأسلمي.

عاشرًا: اللجوء إلى الله دائمًا
فكان أن أعمى الله أبصار المحاصرين، وضلل المتتبعين، وأعجز سراقة بن مالك، وأرسل العنكبوت لينسج بيته الواهن على باب الغار، وأوحى إلى اليمام أن تبيض ويكون لها دورها في الجهاد والحماية، ويبرئ أبا بكر من لدغة الثعبان في الغار، وأخيرًا يفتح له قلوب أهل المدينة فيستقبلونه بالبشر والترحاب: مرحبًا يا خير هادٍ.

·       وأجفلت عيناي لتطبق جفنيَّ علی فرحة بدولة تأسس بنيانها على تقوى من الله وجيش الأمة ذات رسالة تفتح الأمصار لتعلي كلمة الله.

منهاجها:

﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (سورة الأنفال: آية 74).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

935

الثلاثاء 17-مارس-1970

ناس.. وقضايا.. وتعليقات

نشر في العدد 2147

140

الثلاثاء 01-سبتمبر-2020

الهجرة النبوية.. من دلالات المشهد