العنوان شهاب الدين أضر «...» من أخيه!
الكاتب محمد الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 12-سبتمبر-1995
مشاهدات 61
نشر في العدد 1166
نشر في الصفحة 15
الثلاثاء 12-سبتمبر-1995
منذ أن أعلن الرئيس الفرنسي «جاك شيراك» في ۱۳ يونيو الماضي استئناف سلسلة التجارب النووية الأخيرة لفرنسا الأوربية، لم تتوقف الحملات السياسية والإعلامية والضغوط الرسمية والشعبية من الساسة والدول ومنظمات حقوق الإنسان والبيئة، للضغط على فرنسا لإيقاف هذه التجارب.
وبالرغم من منهجيتنا في معارضة هذه النشاطات التدميرية، كمبادئ نادى بها الإسلام في الحفاظ على الإنسان والمكان، إلا أن هذه الضجة المفتعلة بقصد أو غير قصد هدفها سياسي بحت بالدرجة الأولى، فجمعيات الإنسان الغربي وسادتها الرسميين من حماية حقوق الإنسان والبيئة والخضر وغيرهم لم يمارسوا ذلك الحجم من التحرك الإعلامي والسياسي، وتلك الضغوطات التي سادت جميع أنحاء العالم، عندما أهدرت آدمية الإنسان في البوسنة وفلسطين والشيشان.
إنهم يرون ومنذ خمس سنوات كل يوم سفك دم المسلمين في البوسنة، وتلويث شرفه، وهدر آدميته. لقد استخدم الصرب جميع الأسلحة الكيماوية المحرمة ضد المدنيين والعسكريين، ومع هذا فإن الخضر وأقرانهم من جمعيات الإنسان الغربي وسادتهم لم يستخدموا نفوذهم الضاغط على ساستهم وعسكرهم في أوربا والولايات المتحدة لإيقاف تلويث الإنسان والمكان في البوسنة، وعلى الأقل حتى لم يوقفوا تجارة الإنسان الغربي البائسة، والتي ذكرنا طرفًا منها في مقالنا في العدد «١١٦١»، والعجب هو تنامي ذلك الصخب المنظم «من أجل صحة الأسماك في مياه جزر موروروا» كما وصفه ألان جوبيه رئيس وزراء فرنسا في مقالة له في جريدة «لوفيجارو الفرنسية» في حين أن صحة آلاف المعتقلين في السجون الصربية و"الإسرائيلية" تتدهور يومًا بعد يوم إلى حد الموت البطيء، ولم تهتز أعلام الخضر وأقرانهم سوى لأسماك «موروروا» وحيوانات «موسكو».
«إسرائيل» تتوسع يومًا بعد يوم في ترسانتها النووية ولا أحد يتحرك، حيث رفع الخضر وأقرانهم أعلامهم البيض أمامها.
لقد كشفت لجنة الشئون الحكومية في الكونجرس في تقرير لها نشرته في شهر مايو الماضي، من أن أكثر من «۸۸۰» إذن تصدير قد تمت الموافقة عليها لمؤسسات داخل «إسرائيل» متورطة أو يشبه في تورطها بصناعة السلاح النووي.
وبالرغم من أن التجارب النووية التي تجريها فرنسا في جزيرة «موروروا» «مع معارضتنا لها دينيًّا وخلقيًّا وإنسانيًّا» لا تلوث -وفق الدراسات العلمية المحايدة- البيئة؛ لأنها لا تجري في المياه، ولا في الهواء، وإنما على عمق آلاف الأقدام، حيث وضعت قنبلة صغيرة بحجم كرة القدم «تجريبية» في حفرة صغيرة داخل شرخ في بركان عظيم في الجزيرة، ثم دفنت بالأسمنت المانع للتسرب النووي، كما أن مستوى الإشعاع في جزيرة موروروا أدنى من مثيله في ولينغتون «عاصمة نيوزلندا» والتي احتجت على التجارب النووية، إذن لماذا؟
السبب سياسي اقتصادي بحت في مجمل الصراع بين الولايات المتحدة وأوربا الموحدة، والتي تمثلها فرنسا في نقاط استراتيجية كثيرة من هذا العالم الفقير، فالسياسة الأمريكية عمومًا مختلفة مع مثيلتها الأوربية، فعلى سبيل المثال: فرنسا والولايات المتحدة تختلفان في الجزائر والبوسنة والعراق والباسفيك، والولايات المتحدة تريد أن تحجم الامتداد الاقتصادي لفرنسا في دول هذا المحيط، وهي تريد انتزاع موقف موحد من دول الباسفيك لمقاطعة اقتصادية لفرنسا لكسب مساحة أوسع من الساحة الاقتصادية في تلك الدول، كذلك فإن نتائج التجارب النووية سينعكس إيجابيًّا على قوة «الردع النووي» لأوربا الموحدة في مواجهة الولايات المتحدة التي تسعى للسيطرة على حلف الأطلسي، ويعتقد الفرنسيون ويساندهم الإنجليز والألمان بأن «الردع النووي» يحقق التوازن لإيجاد أوربا حرة في قرارها في مواجهة القطب الأحادي للولايات المتحدة، إذن هو تنازع خاص في إطار بضاعة الإنسان الغربي واستراتيجية ليس لها علاقة بالإنسان والمكان سوى الصراع والتنافس على ثروات الأمم.
وكما تقول العرب: «شهاب الدين أضر «...» من أخيه».