العنوان شهادات على قرن مرتحل- العدد (1382)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 28-ديسمبر-1999
مشاهدات 76
نشر في العدد 1382
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 28-ديسمبر-1999
د. موسى أبو مرزوق: شهد تحررًا ظاهريًا من الاستعمار وعلينا التنبه لحظر العولمة القادم
- شهد القرن العشرون الكثير من الأحداث الضخمة التي غيرت ملامح القرن المنصرم، ورسمت مساره التاريخي، فرسمت حدودًا جديدة، وغيبت أممًا، ومنحت آخرين حق السيادة وأوجدت وقائع جديدة على الأرض، منسجمة مع مصالح الدول الكبرى وتوجهات القوى العظمى.
ومن هذه الأحداث التي يمكن رصدها خلال هذا القرن، والتي كان لها الأثر الكبير في صياغة مستقبل الأمة العربية والإسلامية ما يلي:
- الحرب العالمية الأولى وما نتج عنها من سقوط الخلافة العثمانية وتقسيم المنطقة العربية والإسلامية وفق اتفاقيتي سايكس- بيكو وسان ريمو.. فقد عمقت مفهوم الدولة القطرية على حساب تماسك الأمة ووحدتها.
- الثورة البلشفية وسقوط الإمبراطورية الروسية، وظهور النظرية الشيوعية كفلسفة سياسية في مواجهة النظام الرأسمالي الغربي، وتكريس نظام الثنائية القطبية، وتأثر كثير من الأنظمة العربية والإسلامية بالنظام الاشتراكي، واعتناق النظرية الماركسية، مما جعلها في مواجهة الفكرة الإسلامية محليًا فبددت طاقات الأمة بشكل واضح.
- صدور وعد بلفور والتعاطف الغربي مع المجتمع اليهودي، وموجات الهجرة اليهودية الواسعة والمتعاقبة إلى أرض فلسطين، التي قادت إلى الحرب العربية- اليهودية الأولى، فكانت نتيجتها إنشاء دولة إسرائيل كجسم دخيل وغريب فوق جزء من الأرض الفلسطينية، وما تلا ذلك من حروب إقليمية عديدة أنهكت جسد الأمة، وما رافق ذلك من سياسات عملت على إثارة مشكلات الأقليات العرقية والدينية ومشكلات الحدود وكذلك التحالفات الطرفية للدولة الصهيونية مرة مع إيران الشاه، ومرة مع تركيا، ومرة مع أطراف مجاورة والعمل على إبقاء التخلف والحصار العلمي والتقني وغيرهما.
- حرب الخليج الأولى والثانية وما عكسته من مخلفات سياسية ضخمة أهمها وقوع المنطقة في ظل الهيمنة الغربية، وعقد قمة مدريد بين الأطراف العربية والعدو الصهيوني برعاية الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي، والآثار الاقتصادية والسياسية والاجتماعية السيئة على المنطقة كلها.
- بروز الظاهرة السياسية الإسلامية وانتعاش روح الجهاد في الأمة، وتصحيح مسار تصادمها مع الأفكار والحركات القومية والوطنية، واضطلاع الحركات الإسلامية بأدوار أكثر أهمية ومسؤولية في دولها، ودخول بعضها تجربة الحكم وأخرى في تجربة العمل النيابي الإسلامي، والمشاركة في أنظمة الحكم، وانتصار أفغانستان وبروز حركة حماس في مواجهة المشروع الصهيوني على أرض فلسطين كحركة مشروع إسلامي، وثورة الإمام الخميني وقيام الجمهورية الإسلامية في إيران.
- ما أهم الأفكار التي ظهرت في هذا القرن وتركت بصماتها الواضحة على واقع الأمة؟
- خضعت الأمة الإسلامية طوال أربعة عشر قرنًا من تاريخها للمرجعية الإسلامية في الحكم والسياسة، ولم تواجه الفكرة الإسلامية أي تحد فكري قبل مطلع القرن العشرين الذي حمل معه بذور أفكار وفلسفات جديدة، فتأثر بها بعض الأنظمة العربية والإسلامية، ومن هذه الأفكار:
- الفكرة القومية التي برزت في العالمين العربي والإسلامي مطلع القرن العشرين كرد فعل على القومية الطورانية التركية المتصاعدة، وقد برزت النظرية القومية بعمق ووضوح في المشرق من خلال بعض المفكرين والسوريين واللبنانيين كمشروع مستقبلي.
- الفكرة الوطنية وقد نشأت امتدادًا للفكر الغربي بداية، وبعد ذلك بتأييد ودفع من القوى الاستعمارية الغربية، وتقسيم المنطقة العربية إلى ۲۲ دولة.
- الفكرة الإسلامية وهي امتداد طبيعي للإرث التاريخي الإسلامي المجيد، وقد تبلورت الظاهرة الإسلامية والفكر الحركي الإسلامي على أيدي نخبة من العلماء والمفكرين في مختلف أجزاء الأمة.
- الفكر اليساري «الماركسية- اللينينية» الذي ظهر مع الثورة البلشفية في روسيا ابتداء ثم الماركسية- الماوية إلى جانب الأولى، وقد عم الفكر الشيوع- الاشتراكي بشقيه العديد من الدول العربية، حيث وقف الاتحاد السوفييتي والصين نصيرين لحركات التحرر، وحظي بعض أجزاء الأمة بدعم سوفييتي مميز، وبعضها بهجوم مركز وبعضها بإخضاع واستعباد.
- ما أهم الشخصيات أو الزعامات التي لعبت دورًا مهمًا في صياغة واقع الأمة وماذا تركت من آثار؟
- ظهرت شخصيات عديدة خلال هذا القرن فأثرت في صياغة واقع الأمة وتاريخها السياسي، وما زالت بصمات بعضها بادية منذ مطلع القرن حتى نهايته، ومن أهم هذه الشخصيات:
- مصطفى كمال: الذي أسقط الخلافة الإسلامية، وأدخل مفهوم العلمانية وعمل على فصل الدين عن الدولة، وألحق تركيا بأوروبا رغمًا عن التاريخ والجغرافيا وعزلها عن عمقها الحقيقي.
- الإمام الشيخ حسن البنا: الذي أسس حركة الإخوان المسلمين التي أعقبت سقوط الخلافة فكانت بمثابة النهوض الإسلامي الجديد لروح الإسلام الحركي وتأكيد مفهوم أن الإسلام دين ودولة وشريعة وقانون، ووضع أسس التوافق بين المفاهيم الإسلامية والوطنية والقومية.
- ما أهم الكتب والمجلات التي صدرت في هذا القرن، وكان لها تأثير في تكوين ووعي الأمة؟
- صدر العديد من الكتب والمجلات البارزة التي كان لها الأثر الكبير في تكوين وعي الأمة، ومن الصعب تحديد كتب بعينها، إلا أنه يمكن أن يشار لكتابات أثرت في الوسط الفكري مثل: كتابات الشهيد سيد قطب، والمودودي، ومالك بن نبي، وابن بادیس.
لكن ليس هناك كتاب بعد كتاب الله تجتمع عليه الأمة ليكون مصدر هداية وإلهام وتأثير في تكوينها الفكري، حيث ظل هذا الكتاب المقدس نبراسًا يهتدى به رغم الكثير مما اعترى الأمة من ضعف، وكان وما زال هذا الكتاب المبارك مصدر ثبات للهوية والفكر الإسلامي، وحفظ منظومة الأخلاق التي تميز الحياة الإسلامية.
- ما أهم الإنجازات التي حققتها الأمة العربية والإسلامية في القرن المرتحل؟
- سؤال من الصعب الإجابة عنه، لأنه للأسف لم يكن هناك من إنجاز عام للأمة سوى التحرر الظاهري من الاستعمار ولكن بقي القرار السياسي في كثير من أجزاء العالم الإسلامي مرتهنًا للمستعمرين والغرباء.
ولكن على المستوى القطري يمكننا رصد بعض الإنجازات التي حققتها الدول القطرية ومنها: السعودية، حيث تمكنت من بناء دولة حديثة، وحققت إنجازات صناعية وتعليمية وعمرانية بارزة.
دول الخليج: تمكنت الدول الخليجية بصورة عامة من تطوير بلادها ومن تحقيق نهضة عمرانية وتعليمية ملموسة.
سورية: استطاعت سورية أن تتحرر من الضغوط الأجنبية، وتمكنت من المحافظة على الموقف القومي السياسي المقاوم.
مصر: برزت كدولة لها دورها- الإقليمي العربي والإسلامي- وثقلها السياسي البارز بالمنطقة.
ماليزيا وإندونيسيا: تمكنتا من تحقيق نهضة صناعية صاعدة، ولولا الضربة الأخيرة التي تعرضت لها أسواق منطقة جنوب شرق آسيا، لتمكنت ماليزيا وإندونيسيا من مواصلة صعودهما.
- ما أهم الإخفاقات التي أصابت مسيرة الأمة خلال هذا القرن؟ وهل يمكن تجاوزها في القرن القادم؟
- تعرضت الأمة خلال سني القرن الماضي إلى العديد من الإخفاقات والتي زادت من إرهاق الأمة، ويمكننا هنا تسجيل بعض النقاط البارزة التالية:
- تأكيد مفهوم الدولة القطرية، حيث أدى تكريس مفهوم الدولة القطرية إلى إضعاف نسيج الحياة العربية والإسلامية العامة بسبب تكريسه لواقع التفكك كنموذج مشروع، وتهميشه لصيغة الوحدة والروح الجماعية، وكذلك ما عكسه الواقع القطري من مشكلات حدودية أفرزت حروبًا طاحنة وشتت بعض الشعوب الإسلامية كالأكراد مثلًا، كما كانت حجر عثرة في وجه التكامل الاقتصادي والسياسي بين مختلف بلدان العالم العربي والإسلامي، وباكستان وبنجلاديش مثالاً حيًا على هذا الأمر.
- انخفاض معدلات التنمية وانتشار الأمية، حيث وصلت الأمية في بعض البلدان العربية إلى أكثر من ٦٥٪.
- فشل المشروع القومي في تحرير فلسطين بسبب تصادم المشروعين القومي والإسلامي، والإخفاق في إيجاد صيغة توافقية بين المشروعين، بالإضافة إلى التأثيرات الخارجية المرافقة.
- ما القضايا التي ينبغي أن تشغل الأمة في القرن القادم؟
إن القرن المرتحل سيورثنا في القرن الجديد العديد من القضايا، والتي ينبغي أن تبقى مطروحة على الأجندة العربية والإسلامية، ومن هذه القضايا:
- تحرير فلسطين، وإعادة المسجد الأقصى لحوزة الإسلام والمسلمين، وهذه المسألة تبعها ارتباط عضوي بالديمقراطية وحرية الشعوب في اختيار طريقة حياتها والتقدم والتكامل الاقتصادي.
- إنضاج التجربة الديمقراطية وتداول السلطة وإعادة إنتاجها في إطار الخصوصية الإسلامية، وإن كانت الديمقراطية وتداول السلطة لا يمكن فصلهما عن الثقافة والتنمية واحترام حقوق الإنسان.
- إنشاء تكتلات اقتصادية على المستويين العربي والإسلامي لمواجهة التكتلات الدولية التي تشكلت في ظل العولمة، وهذه المسألة ليست ثانوية فهي مهمة جدًا للتعامل معها بما يخدم أمتنا لأنها واقع وليست ظاهرة ومرتبطة بالعلم والتجارة ورأس المال.
- ما الأفكار التي يجب أن تطورها؟
مطلوب من الأمة أن تتجه نحو نهضة فكرة يجتمع في مضمونها روح العصر وعراقة التراث الإسلامي، بعيدًا عن انزلاق التغريب أو التقوقع أو رفض الانفتاح الحضاري على الآخر.
أما بخصوص الأفكار التي يجب تطويرها في القرن المقبل فربما يكون منها:
- موضوعات الفكر السياسي وتأصيلها الشرعي.
- التوسع في الموضوعات التي تتناول الفصل ما بين موروثات التقاليد وقيم الدين وهو ما يطلق عليه مالك بن نبي مصطلح الدين الاجتماعي، لأن هناك تقاليد أخذت صفة المقدس الديني وكانت سببًا في تخلف الأمة.
- تطوير موضوعات الفكر التي تتجه للتوفيق بين نظم الأفكار المختلفة في ساحة الأمة لتخفيف حالة التناقض التي نعيشها مثل تكريس الروح التوافقية ما بين الإسلام والقومية مثلًا.
- وما المطلوب من الأمة في قرنها المقبل؟
- المطلوب من الأمة أن تنتبه لخطر العولمة وخاصة فيما يتعلق بالخصوصية الثقافية للأمة، وعليه يلزم الأمة أن:
- تعود للقيم والثوابت المقدسة لأنها النواة الصلبة التي تتماسك حولها هوية الأمة.
- تتكتل اقتصاديًا لمواجهة خطر العولمة الاقتصادية العاتي.
- تتبنى سياسات تعليمية لإنتاج جيل يتعاطى مع معاني التطور التقني والمعلوماتي
- تنتبه للخطر الصهيوني، وألا تستسلم للهيمنة الأمريكية- الصهيونية، وأن تعد البرامج المناهضة هذا الخطر، وإذا لم تستطع الأوساط الرسمية بسبب الضغوط التي تتعرض لها، فلا أقل من أن تسمح للأوساط الشعبية في السير نحو هذا الاتجاه.
د. مصطفى حلمي الحاصل على جائزة فيصل العالمية: الفكر الإسلامي انتقل من مرحلة الركود والتقليد
إلى طور الحركة والتجديد
- أحداث كثيرة، ورغم أنها قد تكون سياسية إلا أنها تلقي بظلالها على الفكر إذ إن هناك علاقة جدلية بين الفكر والواقع فالأفكار قد تؤدي إلى تغيير الواقع كما أن الواقع كثيرًا ما يفرز أفكارًا جديدة أو يغير في الأفكار السائدة، ومن الأحداث التي أثرت في فكر الأمة الإسلامية طوال هذا القرن:
- الثورة البلشفية سنة ١٩١٧م:
فقد كان لها تأثيرات عميقة على خريطة الفكر الإنساني عمومًا وفي العالم الإسلامي بصفة خاصة، إذ أدخلت إلى كثير من دوله منظومة الفكر الماركسي الذي اعتنقه الكثير من النخب الثقافية والسياسية في العالم الإسلامي، وسيطر هذا الفكر على نواح فكرية كثيرة من الأدب والثقافة والفن والاجتماع والفلسفة.. بل وقامت على أساسه حكومات في كثير من الدول إلى أن بدأت في الانهيار بعد سقوط الاتحاد السوفييتي.
- إلغاء الخلافة الإسلامية سنة ١٩٢٤م:
فقد أثار هذا الحدث حالة من الاضطراب في فكر الأمة لم تشهدها من قبل، وكان أكبر ضربة أصابت وعي الأمة في تاريخها، وما زلنا نعيش تداعياتها إلى الآن إذ شاعت حالة من التفكك والانهيار في جسم الأمة كما ثارت إشكالات لا تنتهي مثل كيفية عودة الخلافة أو إيجاد بديل لتجميع الأمة، بل وأحيانًا تتعلق بصميم فكرة الأمة نفسها! هل هي موجودة؟ وما قيمتها؟!..
- قيام جماعة الإخوان المسلمين ۱۹۲۸م على يد الإمام الشهيد حسن البنا:
كانت نشأة جماعة الإخوان بداية لإعادة الروح إلى الأمة مرة أخرى ليس على المستوى الحركي والسياسي والتربوي فقط وإنما على مستوى الفكر الإسلامي بصفة عامة فقد نقلته نقلة نوعية هائلة من الجمود والتقليد إلى الحركة والتجديد، وأخرجت جيلاً من المفكرين والدعاة أعادوا للفكر الإسلامي حيويته ومرونته واستطاعوا إعادته إلى الصدارة في وعي الأمة وعلى مستوى خريطة الفكر الإنساني.
- نكسة ١٩٦٧م بعد نكبة قيام إسرائيل:
فقد أصابت الأمة بشرخ هائل في وعيها ووجدانها يفوق ما أصابها سنة ١٩٤٨م عند قيام دولة إسرائيل نفسها وأعتبرها من أقسى الهزائم في تاريخ الأمة الإسلامية إذ إنها صدمتها في قدرتها على المقاومة ورسخت عندها لفترة طويلة فكرة العجز والتضاؤل أمام الآخر «إسرائيل والغرب».
- وما أهم الشخصيات التي مارست تأثيرًا مهمًا على مسيرة الأمة الفكرية طوال هذا القرن؟
- ليست هذه الشخصيات بالضرورة من المفكرين، ولكن هناك شخصيات لا تحسب على مجال الفكر قد أثرت جذريًا في مسيرة فكرة الأمة في هذا القرن:
ومن هذه الشخصيات وعلى رأسها- في رأيي- الإمام الشهيد حسن البنا فعلى الرغم من كونه ليس مفكرًا بالمعنى الذي يتبادر إلى الذهن، ولكن كان له أبرز التأثيرات على مسيرة فكر الأمة الإسلامية فهو الذي أسس أكبر تجمع إسلامي في العصر الحديث مارس بدوره تأثيره البالغ على الفكر الإسلامي كما أشرت، كما أنه أحيا فكرة شمول الإسلام وأنه منهج حياة شامل، فهذه الفكرة كانت قد ماتت- أو كادت- في أذهان المسلمين فأعادها مرة أخرى فأحدثت أكبر نقلة في تاريخ الفكر الإسلامي الحديث.
- وهناك الشيخ الأستاذ مصطفى عبد الرازق شيخ الأزهر السابق فهو رائد الفلسفة الإسلامية الحديثة وإذا ما قيمناه في الظروف والعصر الذي عاش فيه نجد أنه أحدث تغييرًا جذريًا في مسيرة الفكر الإسلامي: إذ صحح النظرة الشائعة للفلسفة الإسلامية والتي تراها امتدادًا للفلسفة اليونانية، وكشف عن أن أعظم جهد الفلسفة الإسلامية يتمثل في علم أصول الفقه وهو أرقى جهد عقلي في تاريخ الإسلام، وربما في تاريخ الفكر الإنساني عمومًا وضم إليه علم الكلام ليؤسس بذلك للفلسفة الإسلامية الصحيحة، وينحو بها بعيدًا عن المسار اليوناني الذي ارتبطت به.
- سيد قطب مفكر الإسلام العملاق في هذا القرن وهو الذي انتقل بالفكر الإسلامي من موقع الدفاع إلى الهجوم وأعاد إليه الثقة والقدرة على تقديم طرح مستقل عن الآخر.
- الشيخ محمد عبده وكان له دور تجديدي في مسيرة الفكر الإسلامي لا يمكن أن ندرك حجمه وتأثيره إلا إذا وضعناه في سياقه فقد ظهر في نهاية القرن الماضي حيث كان الجمود والتقليد يغلبان على الفكر الإسلامي الذي لم يكن يتجاوز الشروح والحواشي التي لا تقدم طرحًا جديدًا.. فاستطاع محمد عبده تجاوز ذلك إلى مرحلة التجديد والاجتهاد حتى ولو لم نتفق مع بعض ما انتهى إليه، فهذا لا يقلل من حجم تأثيره.
وإلى هؤلاء يمكن أن نضيف عددًا آخر من المفكرين أثروا إيجابيًا في مسيرة الفكر الإسلامي مثل: محمد الغزالي، ومالك بن نبي ومحمد البهي، ومحمد عبد الله دراز، وطنطاوي جوهري، وعبد الرزاق السنهوري، ومحمد فريد وجدي، وأمين الخولي، ومحمود شاكر.
وهناك مفكرون على الجانب الآخر لهم رؤى مخالفة للفكر الإسلامي أبرزهم المفكر القومي ساطع الحصري الذي يعد أهم دعاة الفكرة القومية في العالم العربي وربما الإسلامي وهي بدورها مارست تأثيرًا بالغًا فيما يتعلق بوحدة الأمة على مستوى الفكر أو الممارسة، وهناك طه حسين الذي كان له تأثير بالغ على فكر ووعي النخب في الأمة العربية خاصة في مجال الأدب والاجتماع وأدخل مفاهيم وأفكارًا جديدة غربية عليها ما زالت تمارس تأثيرها إلى الآن أبرزها فكرة الارتباط بالحضارة الغربية كجزء منها أو تابع لها وهي فكرة لا تزال تلقي بظلالها على واقعنا وأفكارنا حتى هذه اللحظة.
• وما أهم الأفكار أو الفلسفات التي أثرت في مسيرة الأمة طوال القرن وحددت الشكل الذي انتهت إليه؟
- على مستوى الأفكار أو الفلسفات التي تركت آثارًا سلبية تأتي الماركسية فهي أكثر الفلسفات التي أدخلت المادية في فكر ووعي الأمة الإسلامية، كما أنها شكلت الإطار أو الأساس الفكري لعدد من الثورات والحكومات في منطقتنا العربية وفي بعض الدول الإسلامية وتجاوز تأثيرها الجانب السياسي والاقتصادي المتمثل في النظام المركزي والاقتصادي الموجه لكي تترك تأثيرات عميقة في مجالات فكرية أخرى أبرزها الثقافة والأدب.
وتأتي بعدها فكرة القومية فقد كانت سببًا رئيسًا من أسباب سقوط الخلافة الإسلامية، وضربت بها فكرة الوحدة الإسلامية وقامت على إثرها ثورات وحركات انفصالية مثل الثورة العربية التي قادها الشريف حسين- وانتهت بتقسيم العالم الإسلامي إلى مناطق وأجزاء ودول منفصلة عن بعضها، حتى التي يتجمع منها لا يتجمع وفق رابطة العقيدة وإنما روابط أخرى.
وجاءت الوطنية لتكمل نفس التأثير الذي بدأته القومية وإن كنا نشير إلى ما طرأ على الفكر القومي من تطور بدأ يخرج به عن الصدام مع الفكرة الإسلامية.
وهناك الفلسفة البراجماتية الأمريكية وهي الفلسفة التي ترى أن الفكرة ليست صحيحة أو خطأ في ذاتها ولكن في تطبيقها وما تأتي به من نفع، وهو ما يمتد إلى فكرة الدين نفسه، والحقيقة أنها بدأت تتغلغل في البناء الفكري لمعظم تيارات الأمة الإسلامية حتى إن بعض الأفكار الإسلامية نفسها تأثرت بالفلسفة البراجماتية.
وهناك فلسفات أخرى مثل الوجودية والحداثة مارست تأثيرًا سلبيًا على فكر الأمة ولكن تأثيرها اقتصر على النخبة وخاصة في مجال الأدب.
أما بالنسبة للأفكار التي أثرت إيجابيًا من وجهة نظري فأهمها فكرة شمولية الإسلام التي نادى بها الإمام حسن البنا وكان لها أعظم الأثر كما أشرنا.
• وماذا عن أهم الكتب أو المجلات التي شهدها القرن الحالي، وكان لها تأثيرها في مسيرة الأمة الفكرية؟
- أهم الكتب من وجهة نظري:
- كتاب «الإسلام وأصول الحكم» الذي نسب للشيخ علي عبد الرازق، فرغم تراجعه عنه وتبرئه منه إلا أنه أحدث تأثيرًا عميقًا في مسار فكر الأمة منذ ظهوره في نهاية الربع الأول من القرن وإلى الآن، فقد قال بفكرة لم يسبقه بها أحد من العلماء وهي الفصل بين الدين والدولة واعتبار الإسلام دينًا لا يتضمن نظرية للحكم وأن الخلافة ليست من الإسلام، فقد قسمت هذه المقولة الأمة وأحدثت بها صدعًا هائلًا واستثمرتها التيارات التغريبية في تأكيد مشاريعها الحضارية إلى الآن وخاصة أنها جاءت من رجل دين.
- كتاب «مستقبل الثقافة في مصر» للدكتور طه حسين فهو أهم وربما أول كتاب يحدد مستقبل دولة إسلامية وفق رؤية جديدة مخالفة لما استقرت عليه الأمة، ويربطها مباشرة بالمشروع الحضاري الغربي بكل ما فيه من حلو ومر، وخير وشر، وهو غاية ما يمكن أن يقدمه مفكر لبلاده من تبعية وأنا أتحدث عن الكتاب وما احتواه دون النظر إلى ما تردد عن تراجع صاحبه عن كثير من أفكاره بعد ذلك.
وهناك كتب أخرى لكنني اكتفي بهذين النموذجين.
- أما أهم المجلات في نظري فهي:
- مجلة «المنار» التي أصدرها الشيخ رشيد رضا في نهاية القرن التاسع عشر وإلى منتصف الثلاثينيات من مصر، ومثلت علامة بارزة في الفكر الإسلامي.
- مجلتا «الرسالة» و«الثقافة اللتان أصدرهما الأستاذ أحمد حسن الزيات في مصر، وكان أثرها يتركز بالأساس على الجانب الثقافي والأدبي.
- مجلة المسلمون التي أصدرها الأستاذ سعيد رمضان في أوروبا، وهي في نظري أهم مجلة أثرت في الفكر الإسلامي طوال هذا القرن.
• وكيف ترصد مسيرة الفكر الإسلامي طوال هذا القرن؟ وما تقييمك لها؟
- يمكن رصد مسيرة الفكر الإسلامي في القرن العشرين من خلال عدة جوانب أو زوايا تؤكد جميعها أنه في تطور ويسير إلى الوجهة الصحيحة:
- فقد انتقل الفكر الإسلامي من مرحلة الركود والتقليد التي لم يكن يخرج فيها عن الشروح والحواشي التي تمثل اجترارًا لأفكار تجاوزها الزمن إلى طور الحركة والتجديد من خلال تفاعله من الواقع المستجد ومشكلاته وقضاياه التي لم تكن مطروحة، وننبه إلى أنه لم ينقطع عن أصوله وثوابته في عملية التجديد والاجتهاد وهو ما تمثل في حركة تحقيق أمهات وأصول كتب التراث والتي قادها محمد عبده مع غيره من علماء عصره.
- كما تجاوز هذا الفكر صدمة الانبهار بالغرب أو الارتباط به والفناء فيه، إذ أصبح هناك استقلالية للفكر الإسلامي ومثال ذلك ما فعله الشيخ مصطفى عبد الرازق في كتابه التمهيد الذي أسس لفلسفة إسلامية مستقلة تمامًا عن الفلسفة اليونانية الغربية.
- ومن زاوية ثالثة نجد أنه أيضًا انتقل من المحدودية التي انحصر فيها في القرن الماضي والذي صار فيه الإسلام جزءًا من المكتبات والتكايا والمساجد لا يخرج منها إلى ميدان الحياة، فجاء حسن البنا بفكرة شمول الإسلام وأنه منهج حياة لتعود للإسلام هيمنته على شتى مناحي الفكر ومجالات الحياة.
- وانتقل الفكر الإسلامي من موقع الدفاع الذي يحاول فيه تبرئة ساحته والدفاع عن نفسه ضد الاتهامات الموجهة إليه بل والدفاع عن أصل وجوده ليقف موقف الهجوم مع مفكره العملاق سيد قطب.
- واستطاع الفكر الإسلامي تجاوز مرحلة الهزيمة الروحية أمام الحضارات الأخرى وخاصة الغربية ليدخل مرحلة الثقة والتحدي وهو ما برز من أسماء وعناوين الكتب التي صدرت تحمل هذا المعنى مثل كتاب وحيد الدين خان «الإسلام يتحدى» وغيره ولم يكن ذلك واردًا في القرن الماضي.
- كما استطاع الفكر الإسلامي حل وتجاوز العديد من الإشكالات التي أثير حولها جدل مفتعل وحظيت بسوء فهم بالغ الأثر مثل علاقة الإسلام بالعلم والمرأة وحقوق الإنسان.. وغيرها من الإشكالات التي استطاع الفكر الإسلامي وهو على عتبات القرن الجديد تجاوزها فظهرت كتابات ومعالجات فكرية لهذه الإشكالات استطاعت بيان موقف الإسلام: فظهر مثلًا في قضية العلاقة بين الإسلام والعلم كتابات الإسلام في عصر العلم للدكتور محمد كامل الغمراوي، ومحاضرات الزنداني عن الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، بل وتأسس العديد من المراكز المتخصصة بقضية الإعجاز العلمي في القرآن، وكذلك قضية المرأة التي لم ينته القرن إلا وتأكدت قيمتها في الفكر الإسلامي وعظمة موقف الإسلام منها، ومن أبرز الأعمال في هذا المجال موسوعة تحرير المرأة في عصر الرسالة للمرحوم عبد الحليم أبو شقة، والأمر لا يختلف كثيرًا بالنسبة لقضايا أخرى كحقوق الإنسان والحريات.. إلخ.
- لذلك فأنا أرى أن المسيرة إيجابية وتسير في الاتجاه السليم، حتى ولو كان هناك بعض العثرات فنحن ننظر من منظور إجمالي كلي.
• ونحن في نهاية هذا القرن: ما أهم الظواهر الفكرية التي أثرت في المسيرة الفكرية للأمة طوال القرن وتحدد الشكل الذي تخرج به منه؟
- هناك ظاهرتان فكريتان لم تأخذا حقهما من البحث والدراسة رغم ما لهما من دلالات عميقة على تطور الفكر الإسلامي في هذا القرن:
الظاهرة الأولى: يمكن أن نسميها العودة إلى الإسلام وأعني بها عودة كبار المفكرين والفلاسفة المسلمين إلى حظيرة الفكر الإسلامي الصحيح بعد أن قضوا حياتهم في أحضان الفلسفات الغربية، وهو ما يعني إفلاس هذه الفلسفات وأنها لا تعبر عن المشروع الحضاري الذي يتطلع إليه هؤلاء المفكرون والفلاسفة صفوة المجتمعات الإسلامية.. لا أستطيع حصر هؤلاء ولكن أضرب أمثلة فقط هناك الفيلسوف العملاق عبد الرحمن بدوي الذي بدأ حياته وجوديًا حتى صار رائدًا لها في العالم العربي، ثم لم يلبث به الحال إلا وتحول بعد ذلك إلى الفكر الإسلامي، وقد صدر له مؤخرًا من إقامته في فرنسا كتابان غاية في الأهمية وهما «الدفاع عن القرآن ضد منتقديه» و«الدفاع عن الرسول» ولهما من الدلالة ما يحتاج إلى بحث مستقل، وكذلك د. زكي نجيب محمود والذي بدأ حياته ماديًا عقلانيًا ثم اتجه قبل وفاته إلى الفكر الإسلامي، وهناك د. محمد عمارة ود. مصطفى محمود وقد بدأ كل منهما ماركسيًا ثم انتهى إسلاميًا أصوليًا، وهناك د. إبراهيم بيومي مدكور، ود. توفيق الطويل ود. محمد على أبو ريان وهم من كبار الفلاسفة العرب انسحقوا في بداياتهم تحت بريق الفلسفة الغربية ثم انحازوا إلى حضارتهم الإسلامية مرة أخرى، بل وكتبوا الكثير في نقد الفلسفة الغربية.. ثم هناك سيد قطب عملاق الفكر الإسلامي فلم تكن بدايته تدل أبدًا على النهاية التي انتهى إليها.
أما الظاهرة الثانية: فهي الإسلام في الغرب.. فهناك اتجاه إلى الإسلام بين الصفوة وهو ما نتج عنه تكون فكر إسلامي غربي شارك في صياغته عدد من المفكرين الغربيين الإسلاميين مثل: علي عزت بيجوفيتش، وروجيه جارودي، ومريم جميلة، وروجيه دوباسكويه، وموريس بوكاي، ورينيه جينو، ومراد هوفمان وغيرهم كثير وهم ليسوا حالات فردية ولا يعبرون عن تجارب شخصية بقدر ما يمثلون ظاهرة متكاملة تجسد تردي الحضارة الغربية وحجم المأساة التي تعيشها.. والحق أن إعمال مبدأ عالمية الإسلام يقنعني بعدم الانكفاء على الفكر الإسلامي بالشرق، ويدعو إلى الاستفادة من هذه الظاهرة التي تمثل في نظري أقوى صفعة للمستغربين في بلادنا وأبلغ رد على دعاواهم وأبرزها مستقبل الثقافة في مصر... وأرى ضرورة الاستفادة منها في تعديل مناهجنا التعليمية للتخلص من النظرة الأحادية للثقافة الغربية والتي تهمل تمامًا الفكر الإسلامي العربي، كما يمكن اعتبارها درعًا فولاذيًا في مواجهة الغزو الثقافي الغربي إذ إنها تحلل الحضارة الغربية وتنقدها من داخلها كما تحذر المفتونين بها من أبناء الحضارات الأخرى.
بطاقة شخصية
عمل الأستاذ الدكتور مصطفى حلمي أستاذًا للفلسفة والعقيدة الإسلامية بجامعتي أم القرى بالسعودية وجامعة القاهرة بمصر، وهو الآن أستاذ متفرغ بكلية دار العلوم- جامعة القاهرة، حاصل على جائزة الملك فيصل العالمية في مجال العقيدة الإسلامية نال الماجستير من جامعة الإسكندرية في موضوع نظام الخلافة الإسلامية، كما نال الدكتوراه بدراسة عن الإمام ابن تيمية، ويعد من أبرز من كتب عن السلفية بين العقيدة الإسلامية والفلسفة الغربية وله كتاب بالعنوان نفسه، إضافة إلى كتابه المعروف قواعد المنهج السلفي... اهتم بفكرة صياغة منهج إسلامي للدراسات الإنسانية والاجتماعية وله كتاب مهم بعنوان «منهج البحث في العلوم الإنسانية»، بالإضافة إلى عدد آخر من المؤلفات في مجال الفلسفة والعقيدة والفكر الإسلامي.
نهاية القرن.. هل تشهد نهاية الحركات الإسلامية؟
السعي لتصفية الحركات الإسلامية انتقل من توقعات الخبراء إلى أهداف ثابتة للساسة في الشرق والغرب
المتتبع للنشاطات العامة للحركات الإسلامية خلال عقد التسعينيات، يلاحظ أنها تشهد تراجعًا ملحوظًا، وذلك بسبب عزم بعض الحكومات على تضييق الساحة السياسية على تلك الحركات، وهذا التضييق من الممكن أن يكون ذاتيًا من داخل هذه الحكومات، نظرًا لطبيعة وجودها وكون الحركات الإسلامية هي المنافس الحقيقي لها، والسبب الثاني وقوع الحركات الإسلامية في بعض الأخطاء أثناء ممارستها للشأن السياسي فيما يتعلق بقضاياها الداخلية مع الحكومات أو ردود أفعالها تجاه الأحداث العالمية، أو قد يكون ذلك بسبب الضغوط التي تمارس من قبل الغرب الذي يرى في وجود الحركات الإسلامية مناهضًا لمشروعه الاستعماري ومصالحه.
إن السببين الأول والثاني هما محل نظر ودراسة من جانب الحركات الإسلامية والحكومات، حيث يدرس كل منهما الآخر ويخرج بنتائج إيجابية أو سلبية تنعكس في تعامل كل طرف مع الآخر، أما السبب الثالث وهو ممارسة الغرب فهناك العديد من الدلالات على الدور الفاعل للغرب في هذا المضمار منها خفوت صوت الغرب المنادي بحقوق الإنسان إذا ما انتهكت حقوق الإنسان المسلم وكذلك التقييم السلبي للحركات الإسلامية واتهامها بالتطرف والرجعية.
مستقبل الحركات الإسلامية في ظل العولمة
مستقبل الحركات الإسلامية يشغل بال الكثيرين- خاصة أبناءها- في ظل زمن العولمة الذي اختلطت فيه الأمور على الرغم من افتراض أنه يتسم بالشفافية، فالجميع يحاول أن يستقرئ موقعه في القرن المقبل، وهذا يستلزم الاهتمام بدراسة مجريات الأمور والتنبؤ بما سيكون عليه المستقبل.
وقد لفتت نظري «مجلة العربي» الكويتية عدد أبريل ۱۹۹۷م، حيث استعرض د. محمد الرميحي في افتتاحية العدد كتابًا تحت عنوان «فشل الإسلام السياسي» للكاتب الفرنسي أوليفر روي، والكتاب من وجهة نظر د. الرميحي عرض عقلاني للعقبات التي تواجه المجتمعات والحركات الإسلامية السياسية في العالم الإسلامي من أجل إيجاد صيغة سياسية واقتصادية نابعة من المفاهيم الإسلامية وتساير في الوقت نفسه متطلبات الدولة الحديثة.
وعلى رغم العرض الشائق للكتاب من طرف د الرميحي إلا أن هناك عديدًا من النقاط التي يمكن الرد عليها، ولكن ثمة عبارة وردت لا تزيد على سطر وهي محل اهتمام هذا المقال وهي: كثير من المحللين والكتاب يعتقدون أن نهاية هذا القرن سوف تشهد نهاية الحركة الإسلامية السياسية والعبارة تأتي في سياق العرض على أنها من مسلمات الكتاب.
وليس من قبيل المؤامرة أن الأمر انتقل من نطاق المحللين إلى هدف للسياسيين يسعون لتحقيقه، وهناك الكثير من الدلالات التي تشير إلى سعي السياسيين للوصول إلى هذه النتيجة وهي نهاية الحركات الإسلامية السياسية مع نهاية القرن العشرين، فمع بداية التسعينيات وسيطرة النظام العالمي الجديد أحادي القطبية بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية بدأت مظاهر تقليص الدور السياسي للحركات الإسلامية في العديد من الدول الإسلامية.
ففي مصر بدأ الأمر بتضييق الخناق لمنع الإسلاميين من دخول البرلمان، ثم إصدار قانون تقييد النقابات وتصفيتها، ثم تصفية الاتحادات الطلابية في المدارس والجامعات من الإسلاميين، وانتهاء بالمحاكمات العسكرية.
ولم تكن تجربة الإسلاميين في تركيا أحسن حالًا على الرغم من وصولهم إلى قمة السلطة، حيث تدخل الجيش والمؤسسة العلمانية لمنع الإسلاميين من الحصول على كثير من حقوقهم السياسية، فضلاً عن الحقوق الإنسانية، ولعل آخر هذه التجاوزات هو منع الجمعيات الإسلامية في تركيا من تقديم المساعدات لمنكوبي الزلزال!!
ولم تكن الحركات الإسلامية في البلاد الأخرى أسعد حالًا من تجربة مصر وتركيا فتونس تعيش الحركة الإسلامية فيها حالة تهميش منذ فترة طويلة، أما آخر هذه المآسي فهو تصرف الحكومة الأردنية مع حركة حماس والذي يهدف إلى العزلة الدولية للحركة.
التجارب كثيرة مما دعاني لأكتب في إحدى المرات خواطري في هذا الأمر تحت عنوان: «الإسلاميون ومأتم الديمقراطية» ولكني لم أسع لنشرها لأنها قد تحمل رؤية تشاؤمية، وقد ينظر إلى ما أطرحه في هذه السطور على أنه لم يخرج عن إطار نظرية المؤامرة التي ترى بها الأحداث، ولكني أعتقد أن الواقع يعكس صحة ما ذهبت إليه، وهو أن السعي لتصفية الحركات الإسلامية السياسية انتقل من توقعات وتحليلات الخبراء إلى أهداف ثابتة للساسة في الشرق والغرب على السواء، خاصة في إطار ما سمي بالعولمة ولعل الظواهر الآتية تبرهن على ذلك، ومنها:
- محاولات دمج المجتمعات الإسلامية في ما سمي بالعولمة حتى تفقد هويتها الثقافية والاجتماعية والأخلاقية المرتبطة بالإسلام وبالتالي لا تتوافر للحركات الإسلامية القاعدة اللازمة للتعامل معها للسعي لإقامة مشروع حضاري إسلامي.
- تغليب الجانب الاقتصادي على كافة الجوانب الأخرى، والتقليل من أهمية الجانب العقائدي وتغليب الجانب المادي الذي يخضع لاعتبارات الشهوة، أو المكسب والخسارة بالمعايير الدنيوية.
- إيجاد نماذج من الرأسمالية المتخلفة في البلاد الإسلامية، والتي توجد فجوة كبيرة بين طبقات المجتمع، بحيث تتحكم قلة من المجتمع في إمكاناته وموارده الاقتصادية وبالتالي هي التي تحكم وتسيطر وتحرص على توطيد علاقاتها بالغرب.
- التوسع في إيجاد نماذج من الديمقراطيات الصورية التي تكرس وجود حكومات غير ديمقراطية، وبالتالي تفتقد الحركات الإسلامية التفاؤل أو الأمل في جدوى الخيار السياسي.
- توسيع دائرة الخلاف بين الحركات الإسلامية وبعض الحكومات في القضايا الداخلية أو الخارجية، مما يوسع دائرة الصدام وعدم وجود ثقة في التعامل بين الطرفين.
إن الأمر لا يعدو أن يكون كسوفًا لا غروبًا كما تعلمنا في فقه الدعوة، كما أن السياسة أداة من أدوات الإصلاح، وممارستنا لها تأتي في إطار متطلبات الدعوة إلى الله- عز وجل- وهي بالنسبة لنا ليست كما يقول غيرنا بأنها اللعبة القذرة، فنحن أصحاب تراث وتاريخ طويل حفظ حقوق العباد من خلال نماذج نادرة من الحكام والمحكومين وقد علمنا رسول الله ﷺ كيف تؤدى الواجبات، وتؤخذ الحقوق.