العنوان شهادة من.. سجلات التاريخ القديم
الكاتب المحرر المحلي
تاريخ النشر الثلاثاء 17-يوليو-1984
مشاهدات 69
نشر في العدد 679
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 17-يوليو-1984
بدأت الدعوة إلى «القومية» العربية، وإلى «القومية» الإقليمية وإلى «العلمانية» أواخر القرن الماضي وخلال العقود الأولى من القرن الحاضر، وتبناها النصارى من العرب بقوة، وتبعهم بعض المسلمين ممن تربوا على الثقافة الغربية هنا أو هناك. ولقيت تلك الدعوات دعمًا قويًّا من البلاد الاستعمارية الطامعة في تمزيق العالمين الإسلامي والعربي تمهيدًا لابتلاعهما، وأنشئت من أجلها مجلات وصحف في الشام ومصر، جل أصحابها وكتابها من النصارى.
وقد قدر لهذه الدعوات «القومية والعلمانية» أن توضع -وبشكل رسمي ومتحمس- موضع التطبيق في عاصمة الخلافة الإسلامية في تركيا، وكانت الدول الغربية والقوى الصهيونية وراءها تدعمها بكل قوة لتجعل منها نموذجًا مغريًا للتطبيق في البلاد الأخرى. ومن أجل هذا النجاح المرجو في خارج تركيا، صنعت القوى المعادية للإسلام والمسلمين -عربًا وغير عرب- من منفذ التجربة التركية في القومية والعلمانية بطلًا أسطوريًّا وأمدوه بالعون المادي والمعنوي. ولكن الله خيب آمالهم جميعًا، فكان نصيب تجربة تركيا المدبر تلك فشلًا ذريعًا رغم أن مصطفى كمال استحل في سبيل تطبيق القومية والعلمانية كل وسائل القهر والبطش فضلًا عن وسائل التأثير الأخرى.
أما في البلاد العربية، فقد تبنى الدعوة إلى «القومية» أحزاب وتيارات وأفراد وأُتيح لهم تملك السلطان في بلادهم، ولكن النتيجة بعد عشرات السنوات من التسلط كانت فشلًا مثاليًّا في تحقيق أي تقدم في مجال توحيد الدول العربية، حتى على مستوى الحكومات التي لا يقف في طريقها شيء. وماتت الدعوة إكلينيكيًّا، وإن كنا لا نزال نسمع بين الحين والحين أصواتًا من هنا ومن هناك تريد أن تبعث الرفات... وهيهات.
كذلك كان مصير دعوة «العلمانية» التي تبنتها معظم الحكومات العلمانية تبنيًا فعليًّا بعزل الإسلام وقوانينه عن مجالات كثيرة في الحياة وحصره في نطاق الشعائر التعبدية وفي نطاق قوانين «الأحوال الشخصية»، وهو ما ينادي به العلمانيون، وإن كان لسان مقال الحكومات -وهو لا يغني أبدًا عن لسان الحال والواقع الصارخ- يزعم التمسك بالإسلام، بل ويعلن الرغبة في تقنين الشريعة للحكم بها، أو أسلمة القوانين، فكلها لا تزال مشروعات كلام لتلهية الشعوب المسلمة التي لا ترضى -ولن ترضى- بغير حكم الله وشرعه بديلًا مهما سقط من أبنائها المئات من الشهداء والآلاف من السجناء المعذبين.
ولكن ما زلنا نسمع من حين لآخر أصواتًا واهية مذكورة تريد تجديد الدعوة إلى هذا الإثم والشر المستورد.
إلى هؤلاء وأولئك -العلمانيين والقوميين- نسوق هذا الشاهد من التاريخ القريب من كتاب وثائقي، نتبين منه أمورًا بارزة وخطيرة يجب أن يضعها كل مسلم نصب عينيه أبدًا:
- الدعوة إلى «القومية» رجعة إلى «الجاهلية»، والعصبية والإقليمية تبث من الكراهية والتمزيق أكثر مما تُحدث من المودة والتجميع.
- الدعوة إلى «العلمانية» طريق متدرج هدفه النهائي إقصاء الإسلام عن الحياة، ثم جر الناس إلى الاتحاد الذي صار دين الغرب المنافق والشرق المجاهر بإلحاده.
- ما يقوله القوميون والعلمانيون عن حسن ظنهم بالإسلام واحترامهم له وعن عدم إنكارهم لرابطة الدين بين جميع الشعوب المسلمة، ليس في حقيقته كما دلت التجارب الفعلية الواقعية في تركيا وفي البلاد العربية سوى ذر للرماد في العيون، وليس هذا حكمًا على أحد بعينه وإنما هو حكم على منهج وظاهرة طبقًا لآثارها الفعلية.
- ثمة ترابط وتعاضد بين النزعة القومية والدعوة «العلمانية»، لأن القومية -بمعناها الذميم- تجعل الولاء الأول لها وتؤخر الدين إلى المحل الثاني أو إلى ما هو أقل من ذلك، وهذا هو ما تدعو إليه العلمانية.
وإليك الآن -أخي القارئ- الشاهد التاريخي الذي أخذناه بالنص من كتاب: «نشوء القومية العربية، مع دراسة تاريخية في العلاقات العربية التركية» - «دار النهار للنشر، بيروت ١٩٦٨م»:
• «أما جمعية الاتحاد والترقي فإنها كانت ترى أن أفضل ضمان لحماية الإمبراطورية هو قوتها الداخلية ومِنعتها، وأفضل وسيلة لتوافر القوة والمنعة في الداخل هي إطلاق الحريات السياسية العامة. وكانت نظرتها إلى الحرية مستمدة من مبادئ الثورة الفرنسية التي كانت تنادي بالحرية والمساواة والإخاء.
وكانت تعلن أن هذه المبادئ ستطبق فيصبح جميع السكان في الإمبراطورية على اختلاف دينهم وعرقهم مواطنين أقرارًا في أمة واحدة، ولاؤها للدولة العثمانية، وبهذا تحل مشكلة القومية من تلقاء ذاتها». (ص٨٢)
• «وقد وجدت جمعية الاتحاد والترقي أن الأتراك وحدهم لا يعارضون المركزية، وأن أهدافهم السياسية المثلى لم تكن تتعارض بشيء مع فكرة الدولة العثمانية، ولذلك عادوا إلى قوميتهم التركية وأصبحوا يعتبرون سياسة التتريك الوسيلة الطبيعية الناجعة لبلوغ غاياتهم...». (ص ۸۳)
• «يبدو أن قادة تركيا الفتاة في أثناء السنوات الواقعة بين ۱۹۰۹ و۱۹۱۲، أصبحوا على يقين أن دستورهم هذا لا يمكن أن يزيل فكرة الجامعة الإسلامية، كما أدركوا أن القوة الرابطة في الجامعة الإسلامية أقوى بكثير مما تصوروه سابقًا، ولذا يبدو واضحًا أن جمعية الاتحاد والترقي في ۱۹۱۱ قررت نهائيًّا تبني برنامج الاتحاد الإسلامي على الأقل في سياستها الخارجية «. (ص٨٤-٨٥)
• «غير أن قادة العرب المسلمين كانوا يبدون شكًّا في إخلاص جمعية الاتحاد والترقي، وذلك لسببين جوهريين: «أولًا- لأن قادة جمعية الاتحاد والترقي وزعماءها كانوا جميعًا -وبدون استثناء- من البنائين الأحرارfree-masons»»، والتعصب الديني يتعارض مع مبادئ البنائين الأحرار «الماسونيين». وثانيًا- لأن يهود سالونيكا كانوا جزءًا لا يتجزأ من جمعية الاتحاد والترقي». (ص ٨٦)
• «ويبدو أن جمعية الاتحاد والترقي في بادئ الأمر وطدت العزم على الانتفاع بتبني الفكرتين معًا: «الاتحاد الإسلامي» و«الاتحاد الطوراني» لاستغلالهما في سبيل مصالحها، على أن يكون استقلال الحركة الإسلامية بين المسلمين في الأقطار العربية خارج بلاد الأناضول، والحركة الطورانية في تركيا.
• «شرع الوطنيون الأتراك في إحياء حركة يمكن أن تسمى «حركة جاهلية»، أي سابقة للإسلام؛ فقد أحاط الأتراك الفاتحون الطورانيين الوثنيين أمثال جنكيز خان وهولاكو «وهما من المغول لا من الأتراك»، بهالة من التقديس والعبادة، وكان على كل عضو من أعضاء الجمعية المعروفة بجمعية «ترك قوجي» أي التركي الشجاع، أن يتخذ له اسمًا طورانيًّا عوضًا عن اسمه الإسلامي. وكانوا يحملون أعلامًا عليها صورة الذئب التركي، مع العلم بأن صور الخلائق الحية في نظر الإسلام الحقيقي أمر محرم». (ص٨٩)
• «... وقد وقعت صورة أمر تركي صادر إلى العساكر التركية في حوزة وزارة الحرب البريطانية، وفيه تعليمات للجنود أن يذكروا «النقب الرمادي في صلواتهم». (۸۹)
• «وجد جيش الملك حسين علَى جثة أخي القائد التركي في المدينة منشورًا أصدرته إحدى الجمعيات التركية الطورانية، جمعية «ترك أو جاقي»: أي جمعية «الموقد التركي»، وجاء فيه: «إن هذه البدعة الخيالية المخيفة التي يسمونها «الأمة الإسلامية»، والتي ظلت إلى أمد طويل سدًّا يحول دون التقدم بوجه عام، ودون تحقيق الوحدة الطورانية بوجه خاص، هي في طريقها الآن إلى التفكك فالزوال. وليس لنا أن نتخوف منها على
أنها تشكل خطرًا على خططنا في تحقيق مبادئنا وأهدافنا، يتضح ذلك جليًّا من مجرد الحوادث بين المسلمين في الهند...». (ص ۸۹-٩٠)
أرأيت -أخي القارئ- كيف تبدأ الحركة وتتدرج في خطوات مرسومة لتنتهي إلى الارتكاس في حماة الجاهلية والإلحاد؟!
أرأيت كيف عبد أولئك القوميون والعلمانيون الشخصيات الوثنية وملأوا فكرة الأمة وميادين الدولة بأصنام الجاهليين القدامى والمحدثين؟
هذه هي «القومية» التي يرفضها الإسلاميون ويرون فيها ما يناقض الإسلام. أما «القومية» بمعنى حب العرب لمكانهم من الإسلام في نشره وحمل رسالته والحفاظ على لغته ونصوصه، والاعتراف لهم بهذه المكانة والتطلع إلى رؤيتهم قوة واحدة تحت راية الإسلام لا الجاهلية، تحمل أعباء الرسالة السماوية في قوة واقتدار لخيرها وخير المسلمين أجمعين وخير البشرية جمعاء، فذلك ما يؤمن به المسلمون ويجاهدون من أجل الوصول إليه عن هذه الطريق: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (سورة آل عمران:١٠٣) (۱۰۳/۳).
إن الشيوعيين وأولياءهم يدعون أنفسهم -زورًا- «تقدميين»، لأنهم كما -يزعمون- يعملون لقيام تجمع بروليتاري أممي يتجاوز حدود القوميات، ويستحلون لأنفسهم -في سبيل إقامة هذا الكيان الطبقي الضيق- محاربة القوميات والمشاعر الوطنية، ويغذون أتباعهم بالحقد الأسود ويبيحون لهم سفك الدماء إذا ما تمكنوا من القوة والسلطة. فهم يدفعون العرب المضللين من عملائهم إلى أن يؤمنوا بأن ولاءهم للحزب الاشتراكي الإسرائيلي يأتي قبل ولائهم للأمة العربية (۱)، بله ولاءهم للإسلام والمسلمين. هذه هي التقدمية التي يدعو إليها البعض.
أما «العلمانية» فأمرها أهون؛ إنها نبت «وارد الخارج» لا يصلح لتربتنا وجوّنا وهوائنا، ولا تصلح هي له مهما تصايح بفوائدها المتصايحون.
إن الغرب -والشرق- المادي يئن من أوجاع كثيرة بعضها مميت نتيجة السير في حضارة العلمانية المادية العوراء، وبدأت صيحات العقلاء تتحدث في مقالات وكتب عدة عن «انهيار الغرب»، وبدأت أصوات أخرى تناقش قضية الدين وتطالب بالعودة إليه.
فلنتعاون على ما هو خير، على معرفة أعدائنا الحقيقيين في الداخل والخارج، وعلى كشف مخططاتهم ودسائسهم، ولنفض بهذه الطاقات والنعم أن تضيع في بعث الموات، ولنوجهها إلى إصلاح نفوسنا وأسرنا وشعوبنا وحكوماتنا ووضع الجميع على جادة الإسلام الصحيح،﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (سورة الأنعام: ١٥٣) (١٥٣/٦).
(١) راجع: نهار الغادرين- التاريخ السري للعلاقات الشيوعية الصهيونية (د. ت صفحات: ۱۷۳، ١۷۵، ١٨٤,١٨٣,١٧٦)
• تأليف: الدكتور زين نور الدين- الأستاذ بالجامعة الأمريكية في بيروت.