; شوق.. يغالب النفس | مجلة المجتمع

العنوان شوق.. يغالب النفس

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 04-مارس-2006

مشاهدات 106

نشر في العدد 1691

نشر في الصفحة 43

السبت 04-مارس-2006

في كثير من الأحيان تسأم النفس ويهن العزم، ويشرد الفكر، خاصًة في أجواء العواصف والزلازل التي تصارع الأمة اليوم، وتحمل الفتن والتحديات والمصاعب الجسام، وتكالب الأمم علينا في أجواء الاستنواق الذي يلف الأمة، والجهالة التي تحيط بها، والدكتاتوريات الآخذة بخناقها، والجاثمة على صدرها وعند فقدان المثل وظلام الطريق وضلال القصد. 

وما إن شعرت بهذا السأم حتى اشتاقت نفسي وتوجه فكري إلى تراثنا العظيم وتاريخنا المعطاء، ورجالنا الأفذاذ الذين قهروا المستحيل، وبددوا الجاهلية، وأزاحوا الكفر عن مواقعه، وأبدلوه بالإيمان الكريم، وما كانوا في كثرة من العدد أو العتاد، ولكنهم ثبتوا ثبوت الجبال حتى نالوا الشهادة، ورفعوا راية الإسلام خفاقة فوق العالمين.

عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه قال: «بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد أطلب سعيد بن الربيع، فقال لي: إن رأيته فأقرئه مني السلام، وقل له يقول لك رسول الله كيف تجدك؟ فطفت بين القتلى فأصبته وهو في آخر رمق وبه سبعون ضربة أخبرته فقال على رسول الله وعليك السلام، وقل له: يا رسول الله أجد ريح الجنة، وقل للأنصار، لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيكم عين تطرف، قال: وفاضت نفسه رضى الله عنه». 

رجاٌل لا يهابون المصاعب، ولا يتخلون عن الرسالة ولو كانوا في آخر رمق، عظماء في حلهم، عظماء في موتهم ووصاياهم، ولهذا فهم يشمون ريح الجنة التي تنتظرهم.

عن جعفر بن عبد الله بن أسلم، قال: لما كان يوم اليمامة في قتال مسيلمة واصطف الناس كان أول من جرح أبو عقيل رمي بسهم فوقع في منكبه وفؤاده في غير مقتل فأخرج السهم ووهن له شقه الأيسر في أول النهار، وجر إلى الرحل، فلما حمىّ القتال، وانهزم المسلمون، وجاوزوا رحالهم وأبو عقيل واهن من جراحه سمع معن بن عدي يصيح يا معشر الأنصار الله الله والكرة على عدوكم، قال عبد الله بن عمر فنهض أبو عقيل يريد قومه فقلت ماذا تريد؟ ما فيك قتال، قال: قد نادى المنادي باسمي. 

قال ابن عمر فقلت له: إنما يقول: يا للأنصار، ولا يعني الجرحى، قال أبو عقيل أنا من الأنصار، وأنا أجيبه ولو حبوا قال ابن عمر فتحزم أبو عقيل وأخذ السيف بيده اليمنى، ثم جعل ينادي يا للأنصار كروا كيوم حنين، اجتمعوا رحمكم الله جميعًا، تقدموا فالمسلمون دريئة دون عدوهم، حتى أقحموا عدوهم الحديقة فاختلطوا واختلفت السيوف بيننا وبينهم قال ابن عمر: فنظرت إلى أبي عقيل وقد قطعت يده المجروحة من المنكب فوقعت على الأرض، وبه من الجراح أربعة عشر جرحًا كلها قد خلصت إلى مقتل وقتل عدو الله مسيلمة. 

قال ابن عمر فوقفت على أبي عقيل وهو صريع بآخر رمق فقلت يا أبا عقيل قال: لبيك - بلسان ملتاث- لمن الدائرة قلت: أبشر قد قتل عدو الله، فرفع إصبعه إلى السماء يحمد الله ومات يرحمه الله قال ابن عمر فأخبرت عمر بن الخطاب بعد أن قدمت خبره كله فقال رحمه الله.. مازال يسعى للشهادة ويطلبها وإن كان ما علمت من خيار أصحاب نبينا وقديم إسلامه رضى الله عنه. 

نعم والله.. تلك العزائم الفذة، والإيمان الحي، والصدق العظيم رجل جريح لا يقوى على الحراك، يداوى في رحله، يسمع نداء قومه، فيتقدم نحو قومه في ساحة الوغى ويرود المسيرة أمام الجموع الزاحفة وتقع يده على الأرض فلا يبالي بها، ويجاهد حتى بلغت جراحه أربعة عشر جرحًا كلها تؤدي إلى مقتل وهو يجاهد ويتقدم حتى وقع صريعًا بعد أن بذل كل جهده، وأعطى كل ما عنده وتحامل على جراحه ونفسه تتشوق إلى النصر وعزة الإسلام ويريد أن يعرف نتيجة المعركة لتقر عينه ويرتاح فؤاده الذي يودع الدنيا. 

أمة عزيزة كريمة بنيت على سواعد أبطال، وعزمات جبال ﴿مِّنَ ٱلمُؤمِنِينَ رِجَال صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيه فَمِنهُم مَّن قَضَىٰ نَحبَهُۥ وَمِنهُم مَّن يَنتَظِر وَمَا بَدَّلُواْ تَبدِيلا﴾ (الأحزاب: 23) أين أمتنا اليوم من هذه الرجال الجرحى الذين لا يبالون بالجراح والآلام وإن كانت هي الموت؟ أين منا هذا اليوم وفلسطين تنادينا، ورجالها اليوم يطوفون الأقطار العربية والإسلامية، لا يطلبون الرجال، وإنما يطلبون المساعدة المالية لشعبهم المجاهد وأمتهم الصامدة؟ والمال في الأمة لا يعد ولا يحصى، فهل يسمع المخلصون في الأمة هذا النداء فيلبوه وهل يساعدون هذا الفصيل المدافع عن المقدس ليستنقذوه. 

لقد شاء الله أن يعطي القوس باريها، وأن يتقلد الأمر رجال الموت أحب إليهم من الحياة، وسيكسرون إن شاء الله ما يضرب عليهم من أبواب وأقفال، وسيزهق الباطل ويثبت الحق بإذن الله، وسيكون هذا صحوة للأمة، ودعوة إلى العزة والكرامة والبعث والإحياء بعد الموات للهمم، والقتل لكل ما هو جميل وسيبعث هذا الشوق في النفوس الحياة، وفي الأجساد العزائم وصدق الله:﴿أَوَمَن كَانَ مَيتا فَأَحيَينَٰهُ وَجَعَلنَا لَهُۥ نُورا يَمشِي بِهِۦ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ لَيسَ بِخَارِجٖ مِّنهَا﴾ (الأنعام: ١٢٢)، ألا فليسارع الجميع إلى إنقاذ نفسه وأمته وذلك بالرجوع إلى عقيدته وتراثه وتاريخه، لأنه هو الملاذ اليوم والنور الذي يضيء الحياة للحيارى والبائسين والشاردين .

الرابط المختصر :