العنوان شيخ الانتفاضة أحمد ياسين ثلاث سنوات ونصف السنة من السجن والاعتقال
الكاتب المحرر السياسي
تاريخ النشر الثلاثاء 08-ديسمبر-1992
مشاهدات 115
نشر في العدد 1028
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 08-ديسمبر-1992
بقلم: يقين صالح واشنطن
في شهر أكتوبر الماضي أجريت مقابلة
مع الشيخ أحمد ياسين في سجنه، تحدث فيها عن مواقف حركة «حماس» من
عدة قضايا كالانتخابات والحكم الذاتي والعملية التفاوضية وقوى المعارضة الفلسطينية
ومجموعة متفرقات سياسية أخرى.
وعندما سئل إذا ما كانت هناك معاناة
نفسية يواجهها داخل المعتقل أجاب بالقول: «لا يوجد معاناة نفسية داخل المعتقل،
فالقوة الروحية تهضم أي معاناة نفسية، لأن السجن بالنسبة لي خلوة مع الله، وذكر
وعبادة وتلاوة للقرآن، مما يجعل الإنسان في سعادة روحية لا يدركها الكثير من الناس».
بهذه الكلمات القوية المعبرة عن طاقة
التحدي العظيمة للاحتلال، تحدث الشيخ الجليل، وبرغم الشلل والعجز والمرض كانت
عطاءات الروح فيه أقوى من تبعة الجسد، حيث ترتفع الكلمات بنبراتها فوق
بقايا جسد، لتجعل من أحمد ياسين -حقًا- الظاهرة المعجزة وأسطورة التحدي.
إن كلماته -وهو في معتقله يواجه
السجن والسجان وعذابات المحتلين- تحلق في آفاق عوال، لا يرقى إليها تعليق أو
مقال.
هذا القعيد الذي أقام العالم، ولم
تهدأ انتفاضة شعبه، جدير أن تلقى له التحية، كلما عادت حركة الزمن لتسجل السنوات
المجيدة من تاريخ المواجهة الشعبية الفلسطينية للاحتلال.
فاحترامًا ووفاء لهذا الرجل العظيم
الذي عرفناه منذ أواخر الستينيات كطاقة جبارة في الدعوة والحركة والعمل، وتعايشنا
مع فكره الجهادي في الثمانينيات، وحظونا بمشاركته الرأي والموقف مع بدايات
الانتفاضة المباركة.. لذلك كانت هذه التحية.
أستاذي وشيخي..
قبل ثلاث سنوات ونصف السنة عادوا
فاعتقلوك مرة ثانية، ليوقفوا مد الدعوة الإسلامية ويحاصروا ساحات الفرج عن الدعاة
والدعوة في حارات ومساجد ومخيمات غزة وخان يونس والبريج ورفح.. اعتقلوك.. لينطفئ
اللهيب وإشعاعات الفرج عن «جيتو غزة» والشاطئ الحزين.. اعتقلوك
لتضيق فضاءات التحرك وسجفات كانت تطل منها أحلامنا إلى أيام خالدة كحطين وعين
جالوت.. اعتقلوك.. لحجب أبعاد صراعنا الحضاري معهم، وإشغال معترك التحدي
بثارات القبائل ونزاعات عبس وذبيان.. اعتقلوك ليتحرر -رغم أنوفهم- ألف
سجين في كل مخيم من إسار شهواته وطينتيه ليلحق بخطى جهادك وركب جماعتك.. اعتقلوك.. لمسح
شعارات الخلاص والانعتاق وقتل مهد النداءات للتحرير والجهاد والثورة.. اعتقلوك.. وكان
صبرك والثبات دافعًا لتزمجر فوارس «حماس»
وتنطلق نداءاتها عالية في الآفاق: يا خيل الله اركبي.. اعتقلوك.. وغزة
في مخاضها تنتظر الوليد فإذا جيل اسمه أحمد ياسين.. اعتقلوك.. لتنهض غزة
بالشهادة والرسالة والحماس بخطو سريع، نداؤه واإسلاماه.
حاكموك فإذا بالسجان يجثو على
ركبتيه، والقاضي في قفصه متهم.. حاكموك في فضاء واسع وعسكر كثير، لأن أقدامك واسعة
الخطو، وقامتك لا تتسع لعليائها جدران أربعة وسقف.. فكان لك الأفق مفتوحًا
لتنطلق له برؤية الأمة وإشراقة آيات الإسراء.. حاكموك فكنت تطأ بكرسيك سنوات
علوهم، وتبشر بخراب ملكهم.. حاكموك ليقولوا للعالم: انظر إلى هذا العاجز
في مظهره، القعيد في مجلسه، إنه التجسيد الحقيقي للخطر على حضارتكم، لأن روحه -لا
قدميه- هي التي تصنع التاريخ وتجدد الحضارات.. حاكموك ليشهد التاريخ على
ضعفهم وزيف ادعاءاتهم بالقوة والجبروت، فكمْ أوجعتهم حجارة الأطفال في المخيم،
وردتهم على أعقابهم خاسرين، وكمْ طاردتهم كلماتك -یا أبا محمد- حجارة ناطقة
قذفتها أيادي سواعدك الرامية، وفتيانك الأبابيل.. حاكموك.. ولكن لسوء حظهم
كانت الانتفاضة الجهادية قد لخصت عطاءها في عبارة: أحمد ياسين وأطفال الحجارة..
ثلاث سنوات ونصف السنة مضت.. وأنت خلف القضبان، شامخ على السجن والسجان..
ثلاث سنوات ونصف السنة مضت.. وزيتون
غزة وكرومها، وبيارات رفح ومشاتلها ثابتة على رجالها تقاوم الجوع والحصار، وتطارد
المحتلين والمستوطنين.. ثلاث سنوات ونصف السنة مضت.. وكوكبة المجاهدين معك
خلف القضبان تواصل حمل الأمانة وتبليغ الرسالة، وتبعث لنا ببطاقات الأمل.. ثلاث
سنوات ونصف السنة مضت.. وإخوانك في زنازين غزة وسجن الرملة ومعتقلات
أنصار (1، 2، 3) قد جاوزوا عنق الفتنة، واختناقات العذاب،
وصاروا دعاة لمن حولهم، أخلاء فيما بينهم، تجمعهم الرحمة والمودة والوفاء.
ثلاث
سنوات ونصف السنة مضت.. وذكريات الأسماء والأحداث ما غادرت منازل صحوِنا
ومضاجع المنام، فلكل عظيم منهم صفحات تتفاعل في الصدور، ما يحجب صدورها إلا خشية
تزايد البطش والعذاب عليهم.. ثلاث سنوات ونصف السنة مضت ومازالت ذكريات آخر لقاء
في بيتك تحدثني -وأنا على سفر- عن رؤيتك لمستقبل الحال، وطريق ذات الشوكة،
والفجر الذي طال، وكانت نظراتك تتجاوز عمر رعيلنا الأولى والسابقين الخيار، إلى
سنوات لا تشكلها الشهور والأيام بل تدافع الأجيال.. إلى حال تتخطى بنا -أو
بغيرنا من جيل الكرام- دخَن المرحلة وغثائية العواصم، وعبطية الغرور
الاستعماري (الصليبي- الصهيوني) إلى العلياء والتاريخ والحضارة.
لقد كان الحلم الأول -يا أبا
محمد- جنين واقعنا آنذاك، وها هو اليوم يتشكل وتتدافع به الأرحام.
أخي أبا محمد - شيخ المجاهدين
أحمد ياسين- وأنا أنتظر لحظة الشروق، وأترقب رؤيتك بعد العذاب والسجن والغياب
لتحاكم إسرائيل القاضي والسجان.. ويكون لفيض كلماتك عافية جديدة لانتفاضتنا
الجهادية المباركة، ونفحة روحية لاستعار جمراتها في قلوب الغاصبين وأقدامهم.
وحتى نراك يا أبا محمد
قلوبنا معك.. شعب وأمة، والله يرعاك.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل