العنوان صحة الأسرة.. عدد (1523)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الجمعة 25-أكتوبر-2002
مشاهدات 22
نشر في العدد1523
نشر في الصفحة 62
الجمعة 25-أكتوبر-2002
الفحص الطبي قبل
الزواج.. هل هو ضروري؟
كثر في الآونة الأخيرة الحديث عن قضايا الزواج
والوراثة وبعض الهموم المتعلقة بذلك، وبطبيعة الحال لا يمكن الحديث عن الزواج دون
التطرق للوراثة ولا يمكن الخوض في الوراثة دون الولوج في تفاصيل الزواج، ومن ناحية
أخرى فإن سلامة الزواج تبنى على أمور عديدة تنضوي كلها تحت عنوانين عريضين
فبالنسبة للرجل يقول: إذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة
في الأرض وفساد عريض. وبالنسبة للمرأة يقول خير الأنام صلى الله عليه وسلم تنكح
المرأة لمالها وجمالها وحسبها ودينها فعليك بذات الدين تربت يداك.. وفي رواية أخرى
فاظفر بذات الدين تربت يداك والإسلام لا يريد الأسرة إلا قوية متينة ترفرف عليها
ظلال السعادة والهناء، ولذلك فإنه قد شجع كل ما من شأنه تدعيم ذلك، والفحص الطبي
قبل الزواج يأتي في هذا الإطار، وحول هذا الموضوع كان الحوار مع د. عبد المطلب
السح استشاري طب الأطفال وحديثي الولادة، عضو الجمعية الأوروبية للوراثة البشرية.
ما المقصود بالفحص الطبي قبل الزواج؟
الزواج رباط مبارك نظم به الله تعالى العلاقات
الجنسية. وجعل نتيجته بناء الأسرة وإنجاب الذرية المباركة بإذنه وكل ما من شأنه أن
يحترم هذا الزواج لناحية قوته وثباته واستمراريته ونتائجه ومحصوله هو أمر مبارك
بإذن الله ويستحق كل التقدير والاحترام والفحص المذكور لا يأتي من باب الرفاهية
والكماليات، بل هو من الأمور الملحة التي علينا الإقدام عليها بلا خوف، بل على
العكس نقبل عليها برغبة وكلنا أمل بنتائجها، وبالحلول المبكرة التي نستطيع الحصول
عليها من ورائه يجرى الفحص قبل الزواج لغايات عديدة. ويهدف لوضع حلول لقضايا قد
تختلف من مجتمع لآخر، ويقسم الفحص عمومًا لشقين الأول السريري ويشتمل على القصة
السريرية التي يسمعها الطبيب من شريكي المستقبل ويدونها، وكذلك الفحص السريري الذي
قد يلزم إجراؤه لكلا الطرفين، أما القسم الثاني فيتعلق بالاختبارات والفحوص ولها
أنواع منها ما يتعلق بفصائل الدم، ومنها ما يتعلق بالأمراض الجنسية والتناسلية
ومنها ما يتعلق بالخصوبة والإنجاب، ومنها ما يتعلق بالأمراض العامة التي تصيب
الجسم وتصنف إلى نوعين حادة ومزمنة، ومنها ما يتعلق بالحالات المعدية، وربما يكون
في الإجراءات المزيد حسب الهدف المتوخى وحسب الحالة الصحية للأم. والحياة تتطور،
ومعطياتها في تجدد على الدوام، وكل يوم تزيد التعقيدات على ما سبق وفي الوقت نفسه
أباح التطور البشري للإنسان أن يحقق درجات من السعادة بإذن الله بسبل أبسط مما سبق.
وقد علمنا الله سبحانه ما لم نعلم. وهذه العلوم يجب أن نستغلها في منع العديد من
المآسي وفي الوقاية من الأمراض والتأسيس لزواج ناجح ومستقر بإذن الله.
ولا يمكنني إلا أن أقول إن الحالات الصحية والوراثية
موجودة منذ القديم، ولكن ما يكتشف منها، وما يعرف سببه في تزايد مستمر، كما أن
الحلول كذلك صارت متاحة، أي أن الأمراض الجنسية والجسدية وغيرها ومنها العديد من
الحالات التي ذكرناها في البداية صارت لها حلول علمية وموضوعية بمجرد تشخيصها، لكل
هذا صار من الضروري الإقدام على الفحص.
ما الاضطرابات الصبغية وعلاقتها بالأمراض الوراثية؟
هناك (٤٦) صبغيًا في خلايا جسم الإنسان فإن زادت أو
نقصت أو تضررت بنيتها أدى ذلك لاختلال التوازن الصبغي وبالتالي حصول خلل يصيب عموم
البدن، أما الأمراض الوراثية فهي أمراض لها علاقة -بشكل أو بآخر- بالمورثات التي
تقبع في الصبغيات تنتقل الوراثة بين الأجيال بحيث إن نصف الصبغيات يأتي من الأب
والنصف الآخر من الأم وهي تحمل الصفات الوراثية من الأب والأم للأبناء والأحفاد
سواء كانت هذه الصفات طبيعية كالطول ولون الجلد والشعر، أو مرضية تؤدي لحدوث أمراض
معينة.
فقد تبين وجود اضطراب صبغي في (٦٠.٥٠%) من
الإجهاضات العفوية الباكرة وقسم آخر يفقد في مراحل الحمل المتوسطة والأخيرة. وبذلك
فإن (۹۰%) من هؤلاء المشوهين لا يتجاوز مرحلة الحمل، أما الذين يولدون أحياء فإن
الكثير منهم يموت في الطفولة والكثير من الباقين على قيد الحياة لا ينجب، حيث إن
(٥۰%) من حالات غياب الطمث البدني تترافق مع هذه الاضطرابات كما أن (۱۰%) من حالات إصابة الذكور بالعقم تكون بسبب هذه الآفات. وكذلك فإن (۲۰%) من حالات التأخر العقلي تتبع هذه الأمراض.
هل هناك علاقة بين البيئة والوراثة؟
o
هناك علاقة وثيقة
بين البيئة والوراثة حيث لا يشترط أن تعبر الوراثة عن نفسها دائمًا، فهناك الكثير
من الأمراض التي يكون البدن مؤهلًا لها، لكن التفاعل ما بين المخزون الوراثي
للإنسان والبيئة التي حوله بمفهومها الشامل يؤدي أو لا يؤدي لظهورها، كما أنه يجب
أن يبقى في أذهاننا أن المرض الوراثي لا يتوقف عند حدود ما نرثه من أبوينا، فهناك
الطفرات المكتسبة خلال الحياة والتي تحدث إما بشكل عفوي أو كنتيجة لتقدم العمر أو
بسبب عوامل بيئية وما أكثر تلك العوامل في عصر لوث فيه الإنسان الماء والهواء وحتى
القضاء وعادة ما يكون المصاب هو الوحيد الذي ألم به المرض من بين أفراد عائلته
وسبب ذلك أن المرض الوراثي يتكرر بنسب قليلة للغاية. وليس كل ما هو عائلي وراثي،
فقد يكون السبب عاملًا بيئيًا، وكذلك فقد يصاب أكثر من طفل بمرض متماثل في نفس
العائلة، ويكون الوالدان سليمين والقضية هنا ليست وراثية. فيجب توخي الحذر قبل
توجيه أصابع الاتهام للوراثة.
·
كم عدد الأمراض
والحالات الوراثية؟
o
كثيرة، وهي في تزايد
مستمر وتذكر أن عدد مداخل الوراثة المندلية قد وصل إلى (13,346) حتى تاريخ ۲۰۰۲/۲/۷ بعد أن كان (۱۰.۰۰۰) في نهاية عام ١٩٩٨، منها (12,496) مدخل
وراثة جسدية و (٧٥٠) مدخل وراثة مرتبطة بالصبغي (x) و
(٤٠) مدخل وراثة مرتبطة بالصبغي (Y)، و(٥٩) مدخل وراثة ميتوكوندرية، جدير بالذكر أن هناك أيضًا
العديد من الوراثات متعددة العوامل وكذلك الحالات الصبغية والمتلازمات.
·
من يصاب بالأمراض
الوراثية؟
o
قد نظن الله أن الأخرين
فقط هم المعرضون لها والواقع أن كل شخص معرض لبعضها -لا سمح الله- إن تلك الأمراض
تنتشر في بقاع المعمورة ولكن يكثر بعضها في معينة ولدى شعوب بعينها أكثر من غيرها
وماذا عن الاستشارة الوراثية في بلاد معينه ولدي شعوب بعينها أكثر من غيرها.
المرض الوراثي لا يتوقف عند حدود ما ورثناه من الأبوين..
هناك الطفرات المكتسبة.. والعوامل البيئية؟
·
وماذا عن الاستشارة
الوراثية؟
o
نعني بذلك أن يقوم
الأهل بطلب الاستشارة من الطبيب حول مرض وراثي فيقوم الطبيب بعد التأكد من تشخيص
المرض بدراسة ممحصة للمرض في العائلة ويناقش الأمر مع الأهل بشكل مفصل. إن
الاستشارة قد تنفع -بإذن الله- في تشخيص المرض قبل الولادة، وكذلك قد تجرى بعد
ولادة طفل مصاب -لا سمح الله- إنها تسمح بالحصول على معلومات وراثية أيضًا قد تسمح
بتحديد مدى الخطر على الطفل أو إخوته في المستقبل، كما أنها قد تكون بمثابة دراسة
تطمينية من دون وجود مرض وبالنسبة لدور الأهل في الاستشارة فدورهم كبير حيث إن
الوالدين طرف أساسي في النقاش، وإن كان الطفل المصاب كبيرًا وجب أن يناقش أيضًا،
إن أفراد العائلة قد يكون بذهنهم بعض التفاسير التي قد يحصلون عليها من مصادر
عديدة وقد تكون هذه المعلومات صحيحة، كما أنها تحتمل الخطأ ويجب توضيح ذلك. لقد
أصبح من الممكن كشف من يحملون وراثة بعض الأمراض من دون أن يظهر المرض عليهم في
أحيان كثيرة، وذلك بمساعدة التقدم العلمي. والحمد لله -واحتمالات الخطأ قليلة جدًا-
بفضل الله. أعود وأؤكد أن الاستشارة الطبية ليست من الترف الطبي، بل على العكس قد
تصبح واجبة أحيانًا. إنها ليست عيبًا وليست فضولًا أو عبثًا، فقد تكمن فيها سبل
الوقاية وقد تنير طريق العلاج -بإذن الله.. كما أنه قد أصبح ممكنًا كشف بعض
الأمراض والجنين لا يزال في بطن أمه، كما أن العلاج داخل الرحم قد أصبح ممكنًا
لبعضها.
·
ماذا عن زواج
الأقارب؟
o
المقصود به أن يتزوج
الشخص من ابنة عمه أو ابنة خاله أو ابنة خالته أو ابنة عمته أو من عشيرته
الأقربين، ويشيع زواج الأقارب في البلدان والمجتمعات العربية والإسلامية وبالطبع
لا توجد دراسات شاملة تغطي كل السكان، ولكن هناك دراسات دقيقة يؤخذ بها وتمثل
شرائح واسعة من المجتمع، ففي دراسات سعودية تبين أن زواج الأقارب يشكل 57,51% من
حالات الزواج، أما في سورية فإن دراستي الخاصة التي قمت بها في محافظة حماة أشارت
إلى أن زواج الأقارب يشكل ٢٤.٣% من حالات الزواج، وفي شمال الأردن وصلت النسبة إلى
ما يقارب ٦٤% أما في تركيا فالنسبة كانت ٢٣% وفي لبنان ٢٥% ومصر ٢٩% والسودان ٦٣%
وفي بعض الدراسات الباكستانية وصلت حتى 76% بالمقارنة مع ١ بالألف في الترويج، و
٤.٣% في اليابان، و 9% في البرازيل.
· هل يقف العلم مع زواج الأقارب؟
o
الوراثة وقوانينها
تشير إلى أن مورثة مرض معين توجد بنسبة أكبر لدى نفس العائلة ولذلك يكبر احتمال
المرض حين التزاوج بين الأقارب بحيث تكثر إمكانية اجتماع مورثة ذلك المرض من الأب
مع مورثة مماثلة من الأم. وتكون النتيجة ظهور المرض لا سمح الله وخصوصًا إذا علمنا أن الكثير من الأمراض الوراثية
تتبع الوراثة المقهورة أو متعددة العوامل، ولذلك يزداد خطر وجود أمراض معينة لدى
الذرية في بعض حالات زواج الأقارب وتزداد نسبة الخطر أكثر بازدياد درجة القرابة
يحضرني قول الخليفة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لآل السائب الذين كانوا يتزوجون
من بعضهم قد أضويتم فانكحوا في الغرائب والضوى هو الهزال والتحول، ونحن نعرف الآن
أن الكثير من الأمراض الوراثية التي تنجم عن زواج الأقارب تؤدي فعلًا للضوى واتقاء
لهذه الحالة يجدر الزواج من البعيد في تلك الحالات، حقًا لقد قدم ابن الخطاب -رضي
الله عنه- استشارة وراثية رائعة في ذلك الزمان كما يطيب لي أن أذكر قولًا جميلًا
يذكره العرب اغتربوا لا تضورا، فإن
القرائب يضوين البنين.
·
هل زواج الأقارب غير
مرغوب دومًا؟
o
لا، فالأمر تحكمه
رغبة النفس التي يجب أن يضبطها الدين وعوامل عديدة نرجو الله تعالى أن تكمل بعضها
باتجاه زواج يعني السعادة وأكثر إن الزواج من القريبة أو القريب إذا كان يحمل في
طياته احتمال المرض فالأولى أن نغض النظر عنه، وكذلك إن الزواج من الغريبة إن كان
يحمل بين جنباته بعض الكوارث سواء بالنسبة للزواج بحد ذاته أو بالنسبة للعلاقات
الاجتماعية والذرية فإنه يجب البعد عنه.
إن القريبة هي من
الحلال الذي قد ترسو عند شاطئه سفينة الزواج، وهناك حالات زواج بين الأقارب كثيرة
ورائعة تغمرها السعادة وترفرف عليها أجنحة المودة والألفة ولكن يجب أن لا يصبح
السعي نحو القريبة همًا وقضية ويجب أن تؤخذ الأمور ببساطة وتسامح، إن كل إنسان هو
حالة خاصة والقضية ترتبط بالظرف المحيط بها، ولا يمكن إطلاقها قاعدة عامة، ولعل
تطبيق الاستخارة كما علمنا إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم الزاوية في هذا
المجال، والله الموفق.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل