; فضائح وفساد وهزائم القوات الروسية في الشيشان | مجلة المجتمع

العنوان فضائح وفساد وهزائم القوات الروسية في الشيشان

الكاتب فاليري ياكوف

تاريخ النشر الثلاثاء 27-أغسطس-1996

مشاهدات 77

نشر في العدد 1214

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 27-أغسطس-1996

الشيشان

صحفيَّة روسية تكشف عن:

*لقد انتقل المجاهدون الشيشان من القتال وجهًا لوجه إلى حرب العصابات للمحافظة على أكبر عدد من قواتهم، وقد مكنتهم المعرفة الجيدة لأرضهم من توجيه الضربات المؤلمة للجيش الروسي.

إذا صدقنا الإعلانات الرسمية التي تطلقها الحكومة الروسية يمكننا أن نؤمن إيمانًا جازمًا بأن القوات الروسية قد طردت المقاتلين الشيشان إلى مغارات الجبال وفرقتهم إلى مجموعات قليلة العدد لا يتجاوز أفراد المجموعة خمسة عشر مقاتلًا، وأنه لا يوجد أحد للتفاوض معه عدا الرفيق «زفجايف» رئيس الحكومة الشيشانية الموالية لموسكو.

وإذا لم نصدق الإعلانات الرسمية والرسميين وصدقنا ما شاهدناه بأعيننا فإننا سريعًا يمكن أن نفهم أن المقاتلين الشيشان يفرضون وجودهم ونفوذهم على بقعة في الشيشان أكثر من القوات الروسية، ولا يخافون أحدًا، بل ولا يلاحقهم أحد. أما الرفيق «زافجايف» فلا يمتلك من الحكم والنفوذ إلا في داخل مطار «سيفرني» الشيشاني لا غير. وهو يعتبر مقيمًا بصفة دائمة في موسكو، وبصفة وقتية في جروزني.

إلى هذه الخلاصة غير المتوقعة توصلت بعد عدة أيام جُبت فيها كل منطقة جنوب الشيشان تقريبًا، والذي تتحدث عنه وسائل الإعلام الرسمية الروسية بأنه محاصر من قبل القوات الروسية.

وقد بدأت هذه الرحلة المثيرة من سوق البضاعة القديمة في جروزني، ومن الناحية العملية فإن أيا من هواة المغامرات وارتكاب المخاطر الذين يرغبون في زيارة «شالي» أو «جودرمس» ثاني أكبر المدن الشيشانية، يمكنه أن يتجه للساحة الموجودة في العاصمة جروزني، والمسماة «مينوتكا» ويركب في الحافلة للاتجاه إلى المناطق المذكورة أعلاه إذا كان يمتلك إذنًا رسميًّا من السلطات الروسية بدخولها، وإذا كان لا يمتلك الإذن فعليه أن يتجه إلى أحد الأدلاء الخصوصيين ويقوم بدفع مائة دولار أو يفاصل حتى ما يوازي مبلغ أربعمائة ألف روبل « ۸۰۰دولار»، ثم يجلس في السيارة ويبدأ المسير.

«كل هذه التفصيلات شرحتها لي الصحفية الشيشانية «تايسا إيسانيا»، والتي بكل ترحيب وسخاء قلب وافقت أن تكون دليلتي في بلاد الشيشان، فهذا السخاء يستحق الشكر والعرفان بالجميل، وخصوصًاإذا علمنا أنه منذ فترة لا تكاد تجد أحدًا -باستثناءات نادرة- يفعل شيئًا بدون مقابل».

وفي حالة عدم وجود الإذن الرسمي وغياب الدليل المأجور، فيكفي أن تطلق اللحية وتضع حول جبهتك عصابة خضراء وتأخذ بعض العتاد وتضعه في نافذة السيارة، وبعد ذلك ستجد أن جميع الحواجز الروسية سوف تفتح أمامك. صحيح لن يؤدوا لك التحية العسكرية، ولكن الأعين المتفهمة تغمض أحيانًا وأحيانًا تبتسم من أجل علبة سجائر. وهكذا خرجنا نحن من «شالي» وكان يركب معنا في السيارة رجال محترمون من المقاتلين الشيشان لم تكن بحوزتهم أسلحة ضخمة، ولكن جيوبهم كانت ممتلئة بالذخيرة الحية وكان بعضها يوجد في مؤخرة السيارة. وفي أول حاجز مشحون بجنود القوات الفيدرالية الروسية، فإن سيارتنا عبرت بدون تفتيش!

فالجندي البائس المتسخ الثياب الذي كان يقف على الحاجز ألقى نظرة على الركاب ثم تبسَّم بكل تفهم وأخذ علبة سجائر ثم ودعنا شاكرًا. وبعد عدة كيلو مترات فوجئنا بحاجز روسي آخر، ولكن الإجراءات والتعليمات هنا يبدو أنها كانت أكثر صرامة، ولذلك اقترب الجندي الروسي منا وقال: من فضلكم أين إذن العبور؟ ولكن سائقنا ذا الخُلق الرفيع أجابه: عندي إذن خاص! ودفع بيده إلى نافذة السيارة بورقة نقدية قيمتها عشرة آلاف روبل «دولاران» فاستلم الجندي الإذن وسمح لنا بمواصلة المسير، وفي هذه الأيام شاهدت أمثلة كثيرة لما ذكرته من قبل مع اختلاف الأماكن والظروف ونوع الإذن الخاص بالعبور!

على مشارف «جودرمس»:

وفي أحد الحواجز على حدود «جودرمس» أصبحت التجارة وعلاقات السوق أكثر شيوعًا وتطورًا، حيث أوقفنا جندي روسي عاري الصدر اكتفى من اللباس ببنطال ونعل، ثم اقترب من نافذة السيارة سائلًا السائق: أيها الصديق ألا تحتاج إلى قطعة غيار سيارة من نوع «دفياتكا»؟ فإني أبيعها لك رخيصة مقابل «ليمونتين»، وإذا لم تكن في حاجة إليها فاسأل عندكم لعل أحد أصدقائك يرغب فيها، فأخبره حتى يأتي هنا ويسأل عن «ماشا»!!

وبعد ذلك جعلنا ننتقل من سيارة إلى أخرى وترافقنا مجموعة من المقاتلين الشيشان لتسلمنا إلى مجموعة أخرى، وبهذه الطريقة عبرنا «شالي» و«جودرمس»، و«فيدونسك»... وغيرها حتى دخلنا المنطقة الجبلية للشيشان وبدأنا نتجاوز الفرق الروسية العديدة الواحدة تلو الأخرى والخنادق المجهزة التي امتلأت وغطيت بالحشائش والأشجار. ثم تناولنا الغداء في منزل أحد القادة الشيشانيين يدعى «محمود» في داغستان، وهناك أخذنا رشاشًا فيه كاتم صوت، وقاذفة «أر بي جي» وبعض الذخيرة التي وضعناها في مؤخرة السيارة وصببنا عليها كيسًا من البطاطا وانطلقنا عائدين. الحاجز الروسي الذي يفتش أمتعة المواطنين العزل المشتبه فيهم لم ينتبه إلى السيارة، وبالتالي لم نكن في حاجة إلى تهدئة سرعة السيارة، وهنا لم أتحمل ما يجري أمام عيني، فسألت مستغربة: لماذا لم يوقفونا؟ فأجابني محمود: لأنهم يريدون الحياة، اليوم يوقفوننا وليلة الغد يقوم رجالي بنسفهم.

والواضح للعيان أن كثيرًا من جنود الحواجز الروس اتفقوا مع المقاتلين حتى لا يغيروا عليهم مقابل أن يسمحوا للمقاتلين الشيشان بحرية الحركة، فالقادة الميدانيون يحافظون على حياة جنودهم، فإذا كان السياسيون قد أوقفوا الحرب لمصالح انتخابية وخدعوا الناس ثم أشعلوها بعد ذلك لأن مصالحهم تقتضي إشعالها والضحايا هم آخر من يبحث عنهم أحد، فما الدافع أن نرمي الناس في طاحونة الحرب؟

مواصلة المسير في الليل:

وفي الساعة الثانية بعد منتصف الليل واصلنا المسير في اتجاه داغستان، وحيث إننا في الليل يجب أن نتجنب الحواجز الروسية لأنهم يطلقون النار دون سابق إنذار، فقد اتخذنا من الطرق والشعاب غير المعبدة سبيلًا لنا، وبينما نحن نسير حذرنا محمود قائلًا: انظروا إلى اليسار، فإنه يوجد حاجز هناك على مسافة كيلو متر ونصف تقريبًا، فإذا شاهدتم شعلة فمعنى ذلك أنهم بدؤوا في إطلاق النار، فعندها نتوقف ونبتعد عن السيارة وننتظر قليلًا. ونظرنا فلم نر شيئًا، ولكني لا أدري سر الرغبة الجامحة التي انتابتني في التوقف والابتعاد عن السيارة، إنني لم أعرف متى ولا كيف قطعنا حدود داغستان، ولكن مع الجماعة نفسها ومع السلاح نفسه وبدون البطاطا دخلنا بكل هدوء إلى الأراضي الروسية المحمية. وفي الساعة الثانية والنصف صباحًا كنا في بيت «محمود» نشرب الشاي ونشاهد الفيلم الذي صورناه في رحلتنا، أما النعال المغبرة والرشاش فقد اختفوا عند الباب، وبينما أنا أنظر من النافذة فإذا بكلب قروي ينبح ليقطع نوم الجنود الروس الذين من المفترض أنهم يغلقون بحزم حدود وطننا روسيا مع الشيشان.

 من المالك الحقيقي للبيت الشيشاني؟

مدينة «شالي» التي استولت عليها القوات الفيدرالية الروسية منذ فترة طويلة والموجودة تحت سيطرة «دوكو زافجايف» والتي فتشت فيها الأوراق الثبوتية لدى السكان، وادعت أنها نظفت أكثر من مرة من المقاتلين الشيشان وأقيمت فيها حفلات تسليم السلاح وغير ذلك من الإجراءات، وكل مداخل ومخارج المدينة مغلقة بالحواجز الروسية المنيعة وحولها فرق كثيرة من القوات الروسية، وتعمل فيها الشرطة وقيادة رجال المخابرات ومؤسسات أخرى يحتاج إليها الناس، ومع ذلك فقد كنت بحاجة إلى زيارة القائد الميداني «أصلان بك إسماعيلوف» نائب القائد المعروف «شامل باساييف»، والذي كنت عنده من قبل رهينة متطوعة في عملية «بيديونوفسك»، وهو من الواقعين تحت المراقبة القانونية، وتبحث عنه كل وسائل الأمن الروسية، وحتى لا نضيع وقتنا عند الشرطة أنا وتاسيا الصحفية الشيشانية، سألنا رجلًا ملتحيًا يظهر من شكله وزيه أنه من القادة الشيشانيين الميدانيين كان يتجول في سوق وسط المدينة: أين يمكننا أن نجد أصلان بك؟ فدلنا على الطريق بكل التفصيلات، ولما وصلنا إليه استقبلنا بكل سرور وقال مازحًا: جئت من جديد كرهينة؟ فابتسم أصلان بك الأكبر الذي كان يمشي خلفه وهو كذلك من نواب «باساييف» في العملية المشهورة، ومن الذين تبحث عنهم المخابرات الروسية، وهذا في الإعلام الرسمي وعلى ألسنة الرسميين، فإن المدينة يحكمها ممثل «زافجايف»، ولكن إذا كان «زافجايف» نفسه ليس حاكمًا إلا في المطار وبإذن العسكريين، فمن باب أولى ألا يشعر ممثله بأنه حاكم لشالي وحتى بإذن من العسكريين. 

وبعد الاستقبال الحار من قبل المقاتلين الشيشان الذين تعذر على رجال المخابرات الروسية الوصول إليهم كان من الضروري أن نلتقي بــ «رسلان علي خاجييف» والذي كان قائدًا لدبا ١١١ الجنرال دوداييف، فالتقينا به في وسط المدينة يتجول بدون حراس ولا يجرؤ أحد أن يمسه بسوء، ولم نستطع أن نتكلم معه لكثرة رده للسلام على المارين في الشارع، فاضطررنا للذهاب إلى منزله، حيث أعطانا عنوان «أصلان مسخادوف» وهكذا تركنا شالي ونحن مطمئنون على هذه المدينة التي تدعي القوات الفيدرالية وحكومة «زافجايف» أنهم يسيطرون عليها، والحقيقة أن ممثلي حكومة «زافجايف» يطلبون الموافقة على كل حركة يقومون بها من قادة الشيشان من رسلان وأصلان بك، وحينما يقومون بالتفتيش على الأوراق أو القيام بشيء من هذا القبيل، فيكون ذلك بموافقة المقاتلين الشيشان، حيث يحصلون بعدها على أوراق رسمية صالحة للاستخدام عند الضرورة.

 تردد وسائل الإعلام الرسمية الروسية قتل عدد كبير من المقاتلين الشيشان، وتتعجب حينما تعلم أن القصف الروسي يكون من ارتفاع عال جدًّا، وبمدفعية ذات مدى بعيد، وتتعجب أكثر أن المقاتلين الشيشان يعلمون بالهجوم قبل وقوعه ويخرجون من المدينة إلى الغابات المجاورة، والذين يتعرضون للقصف الروسي هم النساء والأطفال والعجزة الذين لا يستطيعون مغادرة المدن والقرى الشيشانية. ولقد دخلنا إلى إحدى هذه القواعد المتمركزة في الغابات، والتي لم يسبقنا إليها أي صحفي منذ بداية الحرب وهي قاعدة للمقاتلين المعدين للعمليات الخاصة، حسبما صرح لي به القائد محمود. وقد سمحوا لنا بتصويرهم، وعرضوا أمامنا بعض تدريباتهم وخاصة قنص الأصداف مستخدمين كاتمات الصوت، حيث توجد على بعد كيلو مترات قليلة خنادق ومعسكرات القوات الفيدرالية الروسية وهم يستطيعون ضربها بكل سهولة، ولكنهم لا يعزمون على ذلك لأن وجودهم بقربهم يكفل لهم الأمن والمراقبة الجيدة لمعرفة نواياهم وتحركاتهم. وفي المساء يركبون تلفازًا صغيرًا على بطارية السيارات ويشاهدون الأخبار، وحينما يشاهدون نبأ مزورًا وكاذبًا عن نتائج المعارك وخاصة في منطقتهم ترتفع الضحكات ويسخرون مما يشاهدون. ولقد انتقل المجاهدون من خطة المواجهة والقتال وجهًا لوجه إلى خطط أخرى للكر والفر وحرب العصابات؛ وذلك للمحافظة على أكبر عدد منهم، وقد مكنتهم المعرفة الجيدة لأرضهم من التسلل ونصب الكمائن للقوات الفيدرالية والذوبان في المسالك والمعابر بعد توجيه الضربات المؤلمة للجيش الروسي. وهكذا يتلقى الجيش الروسي الخسائر الفادحة، ولكن ماذا عساه أن يفعل مع هذا النوع من الحروب غير الانتقام من المدنيين العزل والنساء والأطفال الأبرياء والعجزة الذين لا حول لهم ولا قوة!

 ومن المضحك المبكي إعلان «تيخا ميروف» قائد الجيش الروسي في الشيشان أنه لا يوجد اتصال بين المقاتلين الشيشان، وأن نظام الاتصال بينهم قد تحطم، وأن «مسخادوف وسليم خان» لا يمكنهم الاتصال عبر الأثير، صحيح أنهم قللوا فعلًا في الفترة الأخيرة من استخدام الأثير، ولكن ماذا يقول هو عن مصير دوداييف أو مصير كواليكوف؟ أما فيما يتعلق بموضوع التنسيق والاتصال بينهم فإني أحكي ما شاهدته بعيني في بيت أحد القادة الشيشانيين، خريطة عليها علامات توضح تمركز القوات الروسية ومواقعها وحركة المصفحات الروسية والمدد المتحرك من جروزني وإليها، وكان من حين إلى آخر تأتي الأخبار عن المقاتلين والاشتباكات، وفجأة تحذف النقاط التي على الخريطة لتظهر في مكان آخر، ولهذا فإن التصور الذي يحاول العسكريون السياسيون الروس أن يفرضوه علينا بعدم وجود تنسيق أو اتصال بين المقاتلين غير صحيح.

وقبل العودة إلى «خاسافيورت» وبينما أنا أشرب كأسًا من الشاي مع الحليب في منزل أحد المقاتلين الشيشانيين، كان القائد الميداني «حسان» يتصل بواسطة الأجهزة اللاسلكية بمقاتليه في إقليم «شليكوفسك» داخل الشيشان، وإذا بأحدهم يخبره عن عملية جديدة يحضرون لتنفيذها، وبعد ذلك يفتح الخط مع رجاله في جروزني، ثم يعرض عليَّ أن أذكر له اسم أي أحد من المقاتلين الشيشان الذين تعرفت عليهم في جبال الشيشان ليفتح لي الخط معه وأنقل إليه تحياتي.

هذه هي حقيقة الوضع في الشيشان.

(*) مراسلة صحيفة «أزفستيا» الروسية في الشيشان.

الرابط المختصر :