العنوان صدام والمجيد وجنودهما
الكاتب أ.د. حامد بن محمود آل إبراهيم
تاريخ النشر السبت 17-يناير-2004
مشاهدات 73
نشر في العدد 1585
نشر في الصفحة 46
السبت 17-يناير-2004
أقر القرآن العظيم مبدأ أن الطاغية مسؤول مسؤولية كاملة عن جرائمه، ولكنه ليس المسؤول الوحيد، بل إن وزراءه وأعوانه، وجنوده، يتحملون الإثم والوزر، كل تبعًا لما اقترفت يداه. ولقد طالعتنا وسائل الإعلام بأقوال شتى تحاول أن تبرئ صدام حسين من جرائمه
تحت دعوى أنه الرئيس الشرعي للعراق أو على العكس أنه هو وحده المسؤول، وأن باقي المساعدين، والأعوان، كانوا لا يملكون عدلًا ولا صرفًا، بل هم مأمورون، لا يملكون غير تنفيذ الأوامر حتى رأينا الصحاف بوق صدام حسين، الذي خدع الشعب العراقي، وكذب على الأمة العربية والإسلامية، يتمتع بكامل حريته، ولا يؤاخذ على معاونته للطاغية، والتمكين له.
في محاكمة هتلر ونظامه النازي وهو دكتاتور أ وسفاح، أشعل نار الحروب وقتل واستعبد الناس وأهدر الأموال، وحطم الدول دفع الجنرالات والعسكريون ذات الدفع القانوني: «أنهم ينفذون الأوامر، ولا يملك العسكري إلا تنفيذ لأوامره».
ودفع السياسيون والإعلاميون بأنهم كانوا لا يملكون السلطة، بل هم حشرات صغيرة، لا تملك إلا أن تدور مع عجلة النظام الجبارة، وأنهم كانوا لا يملكون إلا أن يخوضوا مع الخائضين، فلا لوم عليهم ولا حساب.
لكن محاكمات نورمبرج أثبتت بالدليل والقانون والتحليل العقلي والمنطقي، أن الجرائم العامة لا تبرر ولا تدفع بمثل هذه الدفوع، ولا بد من مؤاخذة المجرمين عما اقترفته أيديهم، وأنه ليس من العسكرية في شيء قتل المدنيين، وهدم المدن على رؤوس أصحابها، وتعذيب واستعباد الشعوب، وتنفيذ المخططات التي تؤله الزعيم البطل الأوحد، والقائد الملهم، والسير في ركابه، والولوغ في أعراض الآمنين، واستباحة أموالهم ودمائهم.
وأصدرت المحكمة حكمها بالإعدام على رؤوس النظام النازي، وبالسجن على المشاركين فيه والمساعدين له، الذين لم يصل جرمهم إلى القتل وسفك الدماء.
لقد سبق القرآن، وأقر الحقيقة: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ (القصص: 8) فرعون الزعيم، وهامان يمثل الأعوان والمساعدين وجنودهما، يرمزون إلى كل التابعين والمنفذين من هنا، يجب أن يحاكم صدام وأعوانه وأنصاره على الجرائم كلها وأن ينال الجزاء العادل.
لن نعرض هنا آراء شخصية، ولكن وقائع أقرها قانون دولي، وحقائق قانونية تم الاعتداد بها وإصدار أحكام الإعدام بناء عليها.
ونستعرض بعض التفاصيل حتى يتبين الأمر:
ولننظر نظرة سريعة على قصة الطاغية ولد أدولف هتلر في ٢٠ أبريل ۱۸۸۹م وتولى رئاسة الحزب النازي في يوليو ۱۹۲۱م وأصبح مستشارًا لألمانيا ودكتاتورًا في ۲۳ مارس ۱۹۳۳م بعد أن حرق البرلمان في ۲۷فبراير ۱۹۳۳م وهزم وانتحر في ٣٠ أبريل ١٩٤٥م. تم تشكيل المحكمة العسكرية العالمية International Military Tribu nal (IMT) وبدأت المحاكمات في ۲۰ نوفمبر ١٩٤٥م في مدينة نورمبرج.
تباينت الآراء، كما هو الحال الآن ففي أغسطس ١٩٤٤م اقترح وزير المالية الأمريكي هنري مرجنتو على الرئيس الأمريكي روزفلت، أن يتم قتل القادة الألمان فور القبض عليهم وبدون محاكمة وأن تدمر الصناعة الألمانية وتحول ألمانيا إلى دولة زراعية وفي ١٥ سبتمبر ١٩٤٤م اقترح الكولونيل موري برنايز، أن يعامل النازي ورجاله معاملة عصابة من المجرمين. واقترح تشرشل قتل القادة الألمان فور القبض عليهم بدون محاكمة أما روزفلت وستالين الشيوعي الذي قتل الملايين من المسلمين، وهجرهم عنوة إلى(سيبيريا)، فقد اقترحا إجراء محاكمة.
حسمت هذه الآراء بعد جدل قانوني طويل ومداولات عديدة في مدينة بالتا بين تشرشل وستالين في فبراير ١٩٤٥م بإجراء محاكمة وهذا ما نريد أن نخلص إليه أن جدالًا سياسيًا، وقانونيًا قد تم وتضاربًا في الآراء كان، وقد تم ذلك بين نفس القوى المهيمنة الآن وآنذاك أمريكا وبريطانيا، وفرنسا وروسيا، وهذه سابقة قضائية، فقد ارتضوا ذلك سابقًا، وتمت أحكام على درجة عالية من العقوبات إعدام، وسجن مدى الحياة، ولم نسمع أن أحدًا اعترض عليها.
فليمض الأمر على ما تمت الموافقة عليه سابقًا وليطبق القانون على صدام وعصابته.
ولقد استعرض الاتهام أفلامًا سينمائية تبين الإجرام النازي في تحطيم المدن واستعباد مواطني الدول التي وقعت تحت احتلاله، لقد استخدمت تلك الآثار كدليل اتهام، فلا يطالب أحد اليوم بأوراق موقعة من صدام شخصيًا، حتى يمكن إدانته. فالأفلام قد اعتبرت دليلًا قانونيًا، وعندنا مئات الأفلام من الكويت، وجنوب العراق وحلبجة، وإيران شواهد دامغات على إجرام صدام وطغمته.
وعرض على المحكمة، في ١٣ ديسمبر ١٩٤٥م. هواية إجرامية لزوجة كارل كوخ مدير أحد معسكرات الاعتقال، حيث طلبت صناعة غطاء المصابيح الكهربائية من جلد المعتقلين البولنديين المزخرف بالوشم الملون.
إن ما شهدناه على شاشات الفضائيات من أيد مبتورة، وآذان مطموسة، وجثث مركومة، من ضحايا صدام وعصابته، يتفوق على إجرام النازي وصحبته.
كما أدينت المنظمات والهيئات النازية كذلك، ففي۱۸ديسمبر ١٩٤٥م قدمت اتهامات السبع منظمات نازية، فما بالنا لم تسمع عن إدانة أو إلقاء القبض على منظمات صدام الإجرامية منظمات الإعلام التي وطأت للطاغية، بغسل الأدمغة، وتسفيه المعارضة واستباحة أرض الكويت، ومثل أعضاء حزب البعث وفدائيي صدام، وفرق الإعدام، والمباحث والمخابرات وأمن الدولة؟
لقد حوكم ۲۱متهمًا في القضية الرئيسة تم إعدام ۱۱ منهم، وإعدام ١٤ من فرق القتل، وفي قضية الأطباء أعدم سبعة.
ونلاحظ أن القضايا شملت جميع المتهمين سواء من المسؤولين في الحزب، أو الأطباء، أو القضاة، ورجال الأعمال والصناعة الذين ساهموا مع النازي وأعانوه على جرائمه، فأين ذلك في العراق أين الصحاف من هؤلاء؟
استغرقت المحاكمات من ١٩٤٥م حتى ١٩٤٩م وظن الناس أنهم سيرون وحوشًا كاسرة، أو وجوهًا منفرة، ولكن عصابة النازي، مثلها مثل جميع العصابات المعاصرة، إذا جلست إليهم بعيدًا عن الموقف المتعالي في السلطة، وبعيدًا عن لحظة التكبر.
وجدتهم أناسًا عاديين، فإذا قرأت ما فعلوا من جرائم يعجز اللسان عن وصفها أو الحديث عنها، تبين لك كم هو خادع ذلك الوجه الهادئ، والحديث الوديع والأمر نفسه مع مجرمي صدام، بل مع صدام نفسه ولكن هيهات أن نخدع بذلك، فقد رأينا ماذا فعلوا وماذا أجرموا.
لقد أقر القضاة بأن القوانين التي حوكم بها النازي هي قوانين سنحاكم بها أنفسنا وإذا وضعنا
السم في فمهم، فلنعلم أننا سوف نتذوق يومًا ما. فلنتذكر الجرائم الخمس التي حوكم بها
المجرمون، وما ذلك إلا لكي نحاكم بها مجرمي اليوم. لكي نوقف الجدل العقيم.
قائمة الاتهامات التي وجهت إلى مجرمي الحرب النازية، يمكن توجيهها إلى صدام وعصابته مع تهم أخرى يتفرد بها.
الجريمة الأولى: جرائم ضد السلام:
التخطيط والإعداد وتنفيذ حرب عدوانية ضد الدول المجاورة، والصديقة أو تسعير حرب ضد الاتفاقيات الدولية، أو المعاهدات الدولية، أو عهود معتبرة، أو المشاركة في خطة عامة، أو في مؤامرة لأي من الأعمال السابق ذكرها.
الجريمة الثانية: جرائم حرب مخالفة قوانين وأعراف الحرب على النحو التالي: ولكنها ليست مقصورة عليها، فهي تشتمل على أشباهها من القواعد المرعية، فمنها على سبيل المثال لا الحصر: القتل والمعاملة السيئة، وترحيل الأجانب غير المرغوب فيهم واستعباد الناس سواء من أهل البلد أو البلاد المستعمرة، أو سوء معاملة الأسرى، أو قتلهم، وتدمير المدن والقرى على رؤوس أهلها دون ضرورة عسكرية والاستيلاء على الممتلكات والأراضي.
إن هذه الجرائم ليست بدعة ابتدعتها محكمة نورمبرج ولكنها موجودة في اتفاقات ۱۹۰۷م.
الجريمة الثالثة: جرائم ضد الإنسانية: وهي من أكثر القضايا إثارة للجدل وقد حسم هذا الخلاف بأن هذه الجرائم هي القتل، والإبادة والاستعباد، وترحيل الأفراد والسجن، والاعتقال والاغتصاب والاعتداء على الأفراد بناء على الدين أو الجنس، أو الانتماء السياسي. كل ذلك يعتبر جريمة سواء تم في أثناء الحرب أو بدونها. ولصدام حسين وعصابته، كما نعلم باع وأي باع في هذه الجرائم.
إن الخط الفاصل بين الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب أو الجرائم العادية تبعًا للقوانين المعمول بها في بلد ما، هو أنها ليست جرائم متفرقة تحدث هنا وهناك، بل جرائم كثيرة ووحشية، تتم بطريقة منهجية وتحت عباءة النظام.
الجريمة الرابعة: التآمر والعضوية في منظمات إجرامية: القادة والمنظمون والمحرضون والمشتركون والمتقاسمون في تكوين وتنفيذ مؤامرات عامة: يعتبرون مسؤولين مسؤولية مباشرة. ولقد توسع القانون في تحديد هذه الجريمة لتشمل كل شخص سواء كان مسؤولًا مباشرًا، أو ينوب عن المسؤول، أو يشارك في الموافقة أو الإقرار، وكان على اتصال، أو شارك في التخطيط، أو عضوًا في جماعة، أو منظمة تنتمي أو تشارك في الجرائم المنصوص عليها، فإنه يقدم للمحاكمة. والصدام وعصابته وأزلامه، باع في هذه الجرام ولا شك.
الجريمة الخامسة: المسؤولية الشخصية: أقرت محاكمات نورمبرج مبدأ المسؤولية الشخصية، وعدم قبول الاعتذار بالأوامر من القيادة وهي قاعدة قرآنية: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ (القصص: 8) فبالرغم من هروب رأس الإجرام هتلر منتحرًا فإن هيئة المحكمة لم تنف عن المشاركين والمناصرين المسؤولية الكاملة وأرسلتهم إلى حبل المشنقة.
تهم جديدة:
ونضيف على هذه القائمة تهمًا ارتكبها نظام صدام لا تقل بشاعة عن تلك التي ارتكبها النازي:
الجريمة السادسة: تحطيم النقاء الإسلامي:
تحطيم النقاء الإسلامي، إذ لبس صدام مسوح الإسلام، واستغفل العامة والخاصة ورفع شعار الإسلام العظيم الله أكبر وكتبه على علم الدولة. وقد أدى ذلك التمثيل إلى الإساءة البالغة للإسلام.
الجريمة السابعة: تحطيم الوحدة العربية: تحطيم الوحدة العربية، وانفراط عقد الجامعة العربية، باعتدائه على الكويت وتهديده للمملكة العربية السعودية مما أطاح بالوحدة العربية نواة الوحدة الإسلامية المرجوة.
إن هاتين التهمتين أتاحتا الفرصة لأعداء الأمة. للولوغ في دمائها، والتحكم في مصائر الدول العربية والإسلامية، وإذلالها وجعلها تابعًا ذليلًا للقوى الخارجية.
وأتاح الفرصة لإسرائيل لضرب الفلسطينيين والسعي الحثيث لتحطيم الأقصى المبارك، وضرب لبنان وسورية، وتهديد المنطقة.
مجموعة المنتحرين:
لقد أثرت مجموعة من النازيين، وعلى رأسهم رأس الإجرام هتلر الهروب من مواجهة المحاكمة والأحكام، فلاذت بالانتحار، كما يتضح ذلك في الجدول الثاني، لكن صدام وعصابته لم يفعلوا..
م | اسم القضية | التهم | الأحكام |
1 | الأطباء | ۲۳متهمًا قاموا بإجراء تجارب إجرامية على البشر، منها تأثير التبريد الشديد على الإنسان، وأحسن طرق التدفئة لتوفير طرق لإنقاذ الطيارين الألمان حين سقوطهم في ماء المحيط المثلج. وعادة ما يموت الفرد محل التجربة. | أعدم سبعة
|
2 | القائد ارهارد ملش | قتل وتعذيب المعتقلين، مع المشاركة في تجارب التبريد الشديد، وتأثير الارتفاعات الشاهقة على البشر. | السجن مدى الحياة |
3 | القضاة | تسعة قضاة اتهموا بإقرار قوانين غير أخلاقية، وارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب | أدين أربعة منهم |
4 | ازولد بول
| سبعة عشر اتهموا من الإدارة الاقتصادية والإدارية بارتكاب جرام ضد الإنسانية وجرائم حرب. | أعدم منهم ثلاثة |
5 | فردرش فلك ومجموعته الصناعية | ستة من مديريها باستغلال الشعوب المعتدى عليها واستخدام رجالها عبيدًا في مصانعهم. | عوقب منهم ثلاثة بالسجن |
6 | فارين، ومجموعته الصناعية | ٢٤ متهما بجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب. | عوقب منهم ثلاثة عشر بالسجن |
7 | الرهائن والأسرى | ۱۲ضابطًا اتهموا بقتل آلاف الرهائن والأسرى | انتحر بعضهم وسجن آخرون |
8 | مكتب الجنسية والإقامة | ١٤ متهما بجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب | عوقب منهم ثلاثة عشر بالشجن |
9 | فرق القتل | ٢٤ متهمًا من فرق القتل اتهموا بجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب وبارتكاب أعمال إجرامية ضد المدنيين لا تستدعيها ظروف الحرب. | أدين جميع المتهمين ١٤ تم إعدامهم ثم تم تخفيف الحكم عن ١٠ منهم بعد ذلك. |
10 | الفرد كروب مجموعة صناعة الحديد والصلب | اتهم جميع مديريها باستغلال الشعوب المعتدى عليها واستخدام رجالها عبيدًا في مصانعهم. | أدين ۱۱ منهم بالسجن
|
11 | الوزراء | اتهم ۲۱ وزيرًا بالمشاركة في إشعال الحرب، وبجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب | أدين منهم ١٩ وحكم عليهم بالسجن تبع إجرام كل منهم |
المنتحرون | ||
1 | أدولف هتلر | ٣٠ أبريل ١٩٤٥م |
2 | هنرش هملر | ٢٣ مايو ١٩٤٥م |
3 | روبرت لي | ٢٥ أكتوبر ١٩٤٥م |
4 | هر من جورنج | ١٥ أكتوبر ١٩٤٦م |
5 | جوزيف جوبل | أعلن عن وفاته (*) |
6 | مرتين بورمن | أعلن عن اختفائه (*) |
(*) في عالم اليوم، إذا أعلن عن وفاة المتهم، أو اختفائه، فإن الأعم الأغلب أنه قد قتل أثناء التحقيق. ولا تعجب فقد تم تسجيل واقعة حفل استقبال لهانز فرانك في بايرن (بافاريا ) من قبل مجموعة من الجنود الأمريكان اصطفوا على الجانبين ودفع به خلال ممر الجنود على مدى ۷۰ قدمًا (حوالي ١٥ مترًا)، يركلونه ويضربونه ويلكمونه، وذلك في طريقه لغرفة التحقيق، فما أدراكم بما حدث في غرفة التحقيق!
----------------------------------------------
المراجع:
1)The Subsequent Nuremberg Trials: An Overview by Doug Linder (c) 2000.
2) The Nuremberg Trials By Doug Linder (c) 2000.
3) Nuremberg Trials by G. M. Gilbert.
4) The American University Law Review, Volume 17, Number 3, June 1968, By Benjamin B. Ferencz.
5) Internet data about Nuremberg Trials.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل