العنوان صدق أو لا تصدق
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 17-يونيو-2006
مشاهدات 61
نشر في العدد 1706
نشر في الصفحة 41
السبت 17-يونيو-2006
أنا مع الذين تنفطر قلوبهم على أمتهم المنهوبة والمستباحة والحبيسة في بحور الظلمات والقهر، ومع الذين تتفتت أكبادهم لحجم التخلف والانحدار والعفن الذي أصابها، الحقيقة أن حجم الفساد كبير جدًا، وحجم عمالة كثير كثير وحجم الضياع مهول مهول، ضاع الحق فضاعت العدالة وديس القانون فساد وظلم والبغي، ونهبت الأموال، فضاع الكادحون المجدون، وتقلد الأقزام فضاعت الرجولة والعزيمة، وتمكن الجبان، فاتهم الشجعان وطورد الإقدام، وتسلط الدكتاتور فأحرق الأخضر واليابس، وصبغ الكون بالسواد، ولوت الأجواء الجراثيم، وطعن الشرف في مقتل، وبدد أفراح وزرع الأحزان، ونشر الخراب هنا وهناك. حكمت الأهواء، فضاعت الحكمة، وقتلت العقول، وفسد كل شيء في الأرض، وتطاول الفساد حتى عانق السماء، وصدق الله العظيم ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ﴾ (سورة المؤمنون: 71)
عجيب أمر هذا الوضع الكنود الفاسد، الذي سبب وأصيب بعمى الألوان والبصائر، وعجيب أمر هذه السلطات التي أصيبت بالطاعون العقلي والجنون النفسي، وانقلبت موازينها في كل شيء. بدلاً من حماية أمن المواطنين، أصبحت مهمتها اعتداء عليهم وهتك أعراضهم، وبدلاً من حبس المجرمين وإرهابهم، تستعين بهم الدولة لضرب وسحل خصومها المطالبين بالعدالة والإصلاح، وبدلاً من التضييق على هؤلاء المسجلين الخطرين، تصرف لهم الرواتب الخيالية التي تبلغ راتب المجرم الخطر من النساء والرجال ٨٠ جنيه لليوم الواحد في الانتخابات الفائتة ويساوي في الشهر ٢٤ ألف جنيه مصري، لا يحصل عليهم توني بلير في بريطانيا العظمى!!
فمن الذي يتعب نفسه في العلم ويأخذ شهادة في الطب أو الهندسة أو أي كلية أخرى يتقاضى راتبًا بعد بطالة عشر سنوات ٢٠٠ جنيه مصري في الشهر، لا تطعمه وحده خبزًا فقط، فمن الذي لا يعمل بلطجيًا، وتحميه الدولة ويأخذ هذا الأجر عدا الإتاوات التي عرضها على الناس ويفعل ما يريد بدون رقيب أو حسيب؟ وبعد قليل كما يقول أحد الخبراء سيأخذ البلطجي رتبة في الأمن عقيد بلطجة، وغير ذلك من الرتب، وسلام على أيام زمان يوم كان السارق تزفه الناس ويلقى الإهانات من كل الشعب ويكون جزاؤه السجن والامتهان، أما الآن فقد تلاحقت الكوارث على خراش، حتى أصبح الإنسان لا يدري بماذا يصف هذه الأوضاع الكئيبة التي صارت كما وصف الرسول -صلى الله عليه وسلم- قلوب الناس المتنفذين فيها، فقال عن هذا القلب «أسود مرباد كالكوز مجخيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه».
ولقد ذهلت حين رأيت البلطجية يخرجون من السجون ويدخلها خيرة رجال الأمة بغير ذنب ولا جريرة، وهم الكوادر التي قل نظيرها وفي أعلى السلم التعليمي والعقلي والثقافي من أمثال الدكتور محمد مرسي، والدكتور رشاد البيومي، والدكتور إبراهيم الزعفراني، والدكتور حسن الحيوان، والدكتور عصام العريان والدكتور محمد عبد الوهاب، وتحرم الدولة من طاقاتهم وجهودهم وعقولهم وإخلاصهم أمة تستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير أتستطيع أن تقوم بإصلاح أو تنهض نحو التقدم والخير أم تنحط إلى أسفل سافلين؟
ولهذا نسمع عن الجرائم المروعة في كل يوم من ضيق الحياة، أو من الفساد والفقر في الجرائد والمجلات نسمع عمن ينتحر بعد أن يحرق زوجته وأطفاله.. ينحر طليقته ويفصل رأسها عن جسدها.. يقتل شقيقه وشقيقته... وهذا ما لفت نظر المراقبين الدوليين في الأمم المتحدة، فأصدروا تقريرًا يتهم النظام المصري وأمثاله، بأنه السبب في زيادة معدل الجريمة بكافة صورها، من جراء سياسته الفاشلة التي ساهمت بشكل كبير في تفشي الفقر بين جموع الناس، حتى وصلت أوضاعهم إلى طريق مسدود. وأرجع التقرير تفشي الجريمة إلى الفقر والضياع والتسلط الأمني وسوء استخدام الثروة بحيث تستحوذ الأجهزة الأمنية والمتنفذون على ثروات الأمة، وتترك قطاعات مهمة كالإسكان والصحة والتعليم بدون مخصصات تسد الرمق.
أما علماء الاجتماع فإنهم يربطون بين زيادة معدل الجريمة وبشاعة صورها وبين انتشار البطالة وتفشي الفساد وتباطؤ العدالة بالإضافة إلى تزايد عوامل الظلم والقهر السياسي، مما أدى إلى تفاقم الجريمة وبشاعة صورها بعد أن فقد الكثيرون إنسانيتهم وتشوهت ملامح شخصيتهم بشكل لم يسبق له مثيل، الأمر الذي يعده الخبراء دليلاً على تراجع منظومة القيم والأخلاق بشكل كبير في السنوات الخمس الأخيرة، هذا عدا رصد المنظمة المصرية لحقوق الإنسان لانتشار جريمة التعذيب حتى تحولت إلى ظاهرة عادية وأصبحت ظاهرة واضحة في أقسام الشرطة في ظل غياب العدالة والنصوص التشريعية والإرادة التي تحمي المواطن. وأخيرًا وليس آخرًا، أشياء كثيرة ظهرت في أمتنا وقصص في شعوبنا يحكيها المتندرون تحت عنوان صدق أو لا تصدق:
• هل تصدق أن الأردن تعتقل أربعة نواب عندها بدون تحقيق أو جريمة غير أنهم ذهبوا إلى عزاء جيران لهم في مصابهم الأليم، بموت أحد أفراد أسرتهم، لأنه متهم؟
• هل تصدق أن السلطات التونسية فرضت بطاقة تسمى بطاقة الصلاة يستسمح فيها المواطن الشرطة لأداء الصلاة في المسجد الذي تحدده السلطات؟
• هل تصدق أن الخطيب الذي يحسب على نصرة حماس يجرم ويهان من قبل الدولة؟
• هل تصدق أن محمد دحلان قد ألف في فلسطين فرقًا تسمى فرق الموت، لا لتقتل الإسرائيليين وإنما لقتل الفلسطينيين الذين لا يخضعون لليهود وإمرته؟
• هل تصدق أن عموم الأمة العربية والإسلامية لم تشجب أو تدن بالكلمات مجازر اليهود اليومية؟
• هل تصدق أن أحرار فلسطين يعيشون أحرارًا، ويموتون شهداء أحرارًا، حتى إن جمال أبو سمهدانة أوصى قبل استشهاده ألا يعزي فيه خائن لوطنه، أو عميل، ولهذا منع محمد دحلان من العزاء تبعًا لوصية أبي سمهدانة؟
• هل تصدق أن رئيس السلطة الفلسطينية يتآمر مع اليهود على شعبه المقهور المقتول؟
هذه هي الحقيقة المرة التي ينبغي أن تصدقها الأمة حتى يأتي الله بأمره، والله قوي عزيز.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل