العنوان صدمة النفط الثانية: غنيمة للدول المستهلكة
الكاتب عبدالكريم حمودى
تاريخ النشر الثلاثاء 19-سبتمبر-2000
مشاهدات 42
نشر في العدد 1418
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 19-سبتمبر-2000
إزاء حملة الضغط التي قادتها الدول المستهلكة للنفط وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية لجأت منظمة الأقطار المصدرة للنفط (أوبك) في اجتماعها الوزاري الذي عقد في فيينا في العاشر من سبتمبر الجاري- ذكرى تأسيس منظمة أوبك عام ١٩٦٠م- إلى زيادة إنتاجها بنحو ٨٠٠ ألف برميل يوميًا بعدما تجاوز سعر برميل النفط في الأيام الأخيرة التي سبقت الاجتماع حاجز الـ٣٠ دولارًا للبرميل الواحد لنفط سلة أوبك وحاجز الـ٣٣ دولارًا للخام الأمريكي الخفيف ليرتفع بذلك سقف الإنتاج الجديد لأوبك إلى ٢٦,٢ مليون برميل يوميًا.
ويعتقد الكثير من الخبراء والمهتمين بشؤون النفط أن الأسعار التي وصل إليها برميل النفط خلال الفترة التي سبقت اجتماع فيينا كانت مفتعلة وتعود لأسباب أخرى ليس من بينها نقص إمدادات النفط في السوق العالمية كما حاولت الدول المستهلكة أن توحي بذلك، ومن هذه الأسباب:
أولًا: المضاربات في الأسواق المالية للتعاقدات الآجلة، وفي هذا الإطار قال وزير الطاقة والمناجم الفنزويلي ورئيس أوبك علي رودريجيز إن المضاربات في الأسواق والضرائب رفعت أسعار النفط الخام بما يتراوح بين أربعة وستة دولارات للبرميل، ثم جاءت اختناقات مصافي النفط لتفاقم الارتفاع، وقد أيده في هذا الرأي نائب الأمين العام المنظمة أوبك السيد شكري غانم الذي أكد أن الارتفاع الأخير في الأسعار يرجع إلى التكهنات وأضاف أن حركة الأسعار هذه الأيام وفي الشهر أو الشهرين الماضيين ترجع أساسًا إلى المضاربة. فالإمدادات من أوبك ومن خارجها أكثر من الطلب في السوق النفطية، وفي الربع الثاني من العام الجاري تحديدًا تجاوزت الإمدادات السقف بأكثر من مليوني برميل يوميًا وقد أيد غانم فيما ذهب إليه الرئيس التنفيذي لشركة (فيبا أويل الألمانية الذي قال: ليست هناك أزمة إمدادات في سوق النفط، بل إن بعض الخبراء أكد أن هناك فائضًا كبيرًا في السوق، ويستدلون على ذلك بشواهد عديدة منها أن غالبية الدول باستثناء السعودية وبدرجة أقل الإمارات والكويت إما أنها تنتج بكامل طاقتها أو قريبًا جدًا من طاقتها مما يقلص قدرتها على زيادة إنتاجها. كما تظهر أرقام حركة ناقلات النفط العالمية أنها تعمل بطاقة ٩٧% من قدرتها وذلك للمرة الأولى منذ عام ۱۹۷۳م.
وتعمل المصافي حاليًا في غالبية البلدان وخاصة في الولايات المتحدة قرب أقصى طاقتها الإنتاجية، وتسحب من مخزونات الخام المتناقصة فقد ارتفع استهلاك المصافي الأمريكية من ۱۳,۸ مليون برميل يوميًا في يناير الماضي إلى ١٥,٧ مليون برميل يوميًا في يونيو الماضي، بزيادة قدرها۱.۹ مليون برميل تبلغ نسبتها ١٤%.
وقد عزا كثير من الخبراء والمسؤولين في الدول المنتجة للنفط ارتفاع الأسعار إلى ارتفاع الضرائب على المستهلكين واختناقات مصافي النفط نتيجة تغيير آلية مصافي النفط لإنتاج بنزين جديد يتوافق مع مواصفات التشريعات الجديدة المتعلقة بالبيئة وخاصة في الولايات المتحدة.
ثانيًا: إبقاء أسعار سلة نقط أويك فوق حاجز الـ ۲۸ دولارًا للبرميل مدة عشرين يومًا وهي المدة التي وضعتها أوبك لزيادة الإنتاج، وقد تعاونت جهات عدة لاستمرار ارتفاع الأسعار لمدة عشرين يومًا، ففي الأول من أغسطس الماضي بلغ سعر البرميل لسلة أوبك ۱۷, ۲۵ دولارًا، وابتدأ هذا السعر في الارتفاع ليقفز عن مستوى ۲۸ في العشرين من أغسطس وهو المستوى اللازم لتشغيل آلية زيادة الإنتاج إذا ظلت الأسعار فوق مستوى ۲۸ دولارًا للبرميل لأكثر من عشرين يومًا، مما يعني ضرورة المحافظة على السعر المرتفع حتى انعقاد القمة لدفع دول أوبك إلى زيادة الإنتاج، وهو ما حدث بالفعل فقد اكتملت الأيام العشرون في الثامن من سبتمبر أي قبل الاجتماع الوزاري بيوم واحد.
ثالثًا: تأليب الرأي العام العالمي على منظمة أوبك وتحميلها وحدها مسؤولية ارتفاع الأسعار وبالتالي تهديد مواطني الدول الصناعية بالموت بردًا إذا بقيت الأسعار ترتفع دون تدخل المنظمة، فراحت جهات عدة تؤكد أن سعر البرميل ربما يقفز إلى ٣٥ دولارًا، فيما توقعت تقارير أخرى أن يصل سعر البرميل بحلول الشتاء في نصف الكرة الشمالي إلى ٥٠ دولارًا، رغم أن التقرير نفسه أورد أن معدل خام برنت بلغ ۲۵,۹۸ دولارًا للبرميل خلال الـ ۱۲ شهرًا الماضية، وهذا يعني أن معدل سعر نفط أوبك كان أقل من هذا السعر ربما بدولارين على الأقل. ومن الذين روجوا الارتفاع الأسعار إلى معدلات قياسية بنك جولدمان ساكس الاستثماري الأمريكي في الأول من سبتمبر الجاري الذي أعلن أن وصول سعر برميل النفط إلى ٥٠ دولارًا احتمال واقعي لا يمكن استبعاده.
رابعًا: الترويج لحدوث عجز في العرض العالمي من النفط نتيجة لارتفاع الطلب العالمي عليه مع بداية فصل الشتاء القادم، وفي هذا السياق قالت التقديرات الأولية للعام ٢٠٠٠م التي نشرتها وكالة الطاقة الدولية التي تمثل مصالح الدول المستهلكة في مطلع أغسطس الماضي إن الطلب العالمي على النفط سيرتفع بمقدار ١,٩ مليون برميل في اليوم في ۲۰۰۱م. أي ما نسبته ٢.٥ مرتفعًا بذلك إلى ٧.٧ مليون برميل في اليوم مقابل ٧٥.٨ مليونًا هذا العام.
وتوقعت وكالة الطاقة الدولية اللجوء إلى منظمة الدول المصدرة للنفط أوبك كي تنتج ۲۸٫۱ مليون برميل في اليوم في ۲۰۰۱م أي بزيادة مليون برميل في اليوم مقارنة بالعام الجاري، وأضافت الوكالة في تقريرها أن توقعات العرض النفطي للدول غير الأعضاء في أوبك في ۲۰۰۱م تشير إلى زيادة من ٦٧٠ ألف برميل في اليوم مما يجعل إنتاجها ٤٦,٦٢ مليون برميل مقارنة بإنتاج ٤٥,٩٦ مليون برميل في اليوم في العام الحالي في أعقاب قفزة إنتاجية قدرت بـ ۱٫۳۱ مليون برميل. ويعتقد بعض المراقبين أن وكالة الطاقة ربما تكون تقديراتها الحاجة السوق غير دقيقة وأن نشرها جاء لدفع أويك الزيادة الإنتاج، فقد سبق أن أوردت تقديرات غير دقيقة في نهاية عام ۱۹۹۷م ساهمت في انهيار أسعار النفط، وجاء في بيان أصدرته جمعية البترول المستقلة الأمريكية في حينها أن توقعات الوكالة أغفلت وجود ١,٦ مليون برميل نفط في اليوم من الإنتاج العالمي تم استهلاكها أو أضيفت إلى المخزون العالمي، وقد اعترفت الوكالة فيما بعد بوجود غموض حسابي في إحصاءاتها التي صدرت في سبتمبر عام ۱۹۹۸م يوحي بأن التفاوت بين الإمدادات والمخزون ربما كان في ازدياد. كما بلغت البراميل الضائعة من إحصاءات وكالة الطاقة الدولية في النصف الأول من عام ۱۹۹۸م نحو ۱٫۸ مليون برميل في اليوم.
خامسًا: استخدام المخزونات الاحتياطية كسلاح ضد الدول المنتجة، وقد دلت التجارب على أن الدول الصناعية تتحكم في مستويات الأسعار من خلال التهديد بهذا المخزون لدفع الدول المنتجة إلى زيادة الإنتاج للتعويض عن الفاقد من المخزون الاستراتيجي لها، وقد تولت الولايات المتحدة الأمريكية أكبر مستهلك للنفط في العالم ومنذ فترة ليست قصيرة وبالتحديد منذ مارس عام ١٩٩٩م حينما اتخذت أوبك قرارها بتخفيض الإنتاج لإنقاذ أسعار النفط المنهارة - تولت استخدام المخزون الاحتياطي كعصا في وجه الدول المنتجة ترفعها متى وجدت أن الأسعار ارتفعت أكثر من اللازم. فيكفي أن يتحدث تقرير معهد البترول الأمريكي الذي يصدر أسبوعيًا عن انخفاض المخزون الاحتياطي من النفط لترتفع الأسعار في بورصة النفط العالمية مباشرة، وبالتالي تبدأ الحملة الإعلامية على الفور حول أخطار ارتفاع أسعار النفط على الاقتصاد الأمريكي والعالمي، وضرورة مسارعة منظمة أوبك إلى زيادة الإنتاج لتهدئة مخاوف الأمريكيين، وعلى سبيل المثال أعلن المعهد في ٢٢ أغسطس الماضي أن مخزونات النفط الأمريكية تراجعت في الأسبوع المنتهي في ١٨ أغسطس بمقدار ۷,۷ مليون برميل إلى ۲۷۹.۷ مليون برميل أي بنسبة ١١ عن المخزون خلال الأسبوع نفسه من العام الماضي، الأمر الذي أدى إلى أن يقفز سعر البرميل إلى ٣١ دولارًا.
وهكذا كانت كل الظروف قد تهيأت أمام الرأي العام ومنظمة أوبك لزيادة الإنتاج.
وكانت منظمة أوبك في اجتماعها الذي عقدته في مارس الماضي وافقت على زيادة الإنتاج بنحو 1,7مليون برميل، كما زادت الإنتاج في: يونيو الماضي بنحو ۷۰۰ ألف برميل يوميًا والآن تزيد الإنتاج بنحو ۸۰۰ ألف برميل ليصل مجموع الزيادة في الإنتاج إلى ٣,٢ مليون خلال العام الجاري، وهو قريب من الرقم الذي خفض به الإنتاج عام ١٩٩٩م لإنقاذ الأسعار.
يذكر أن منظمة أوبك تضم في عضويتها إحدى عشرة دولة هي السعودية إيران الكويت قطر العراق الإمارات، إندونيسيا، فنزويلا، ليبيا الجزائر ونيجيريا. كما تضم سلة نفط أوبك سبع خامات هي خام صحارى الجزائري، وميناس الإندونيسي، ويوني الخفيف النيجيري، والخام العربي الخفيف السعودي، وخام دبي وخام تيا خوانا الفنزويلي، وايستموس المكسيكي.
من الذي يتحكم في الأسعار :
أوبك أم الولايات المتحدة (السعر المثالي ) ؟
أعلن الرئيس الأمريكي بيل كلينتون في أكثر من مناسبة أن السعر المثالي لبرميل النفط هو بين ٢٠ و ٢٥ دولارًا للبرميل الواحد، لكننا لم نجد أياً من مسؤولي الدول المستهلكة الغنية يتحدثون عن العدالة حينما هبط سعر البرميل إلى ثمانية دولارات في نهاية عام ۱۹۹۸ م ومطلع عام ١٩٩٩م والأضرار التي لحقت بالدول المنتجة وباقتصاداتها ويشعوبها، ومع الاعتراف بدور منظمة أوبك في وقف تدهور أسعار النفط عام ۱۹۹۹م من خلال تخفيض كميات النفط المتدفقة إلى الأسواق الدولية إلا أنه حينما بدأت أسعار النفط بالارتفاع من جديد سارعت الولايات المتحدة إلى الضغط على أوبك الزيادة الإنتاج، فتم زيادة الإنتاج هذا العام ثلاث مرات على التوالي حتى الآن، ورأينا كيف أن السعر المستهدف الذي أعلنت عنه أوبك وهو بين ۲۲ إلى ۲۸ دولارًا قريب من السعر الذي وضعته الولايات المتحدة، وبالرجوع إلى معدلات سعر البرميل خلال السنوات الأربعة الماضية نجد أنها لم تبلغ حتى السعر الذي وضعته الولايات المتحدة . الأمريكية، فعلى سبيل المثال بلغ معدل سعر البرميل سنويًا على النحو التالي: عام ١٩٩٦م نحو ۲۰۰۲ دولارًا، ۱۹۹۷م نحو ۱۲,۷ دولارًا، ۱۹۹۸م - نحو ۱۱.۸ دولارًا، ۱۹۹۹م نحو ۱۷,۳ دولارًا وبالتالي فإن المعدل الوسطي لسعر البرميل من النفط لدول أوبك خلال السنوات الأربعة الماضية لم يتجاوز ١٥,٥ دولارًا أي أقل بعشرة دولارات عن السعر الأمريكي المثالي.
إذن ما يمكن قوله في هذا المجال إن منظمة أوبك لا يزال لها دور فاعل في سوق النفط الدولي بدليل أنها استطاعت إنقاذ الأسعار العام الماضي فيما يرى آخرون أن هذا الدور يتم بالتنسيق مع الدول الصناعية لضبط إيقاع سوق النفط العالمي وفق مصالحها بالدرجة الأولى وخاصة مصالح الولايات المتحدة كدولة منتجة للنفط على عكس الاتحاد الأوروبي واليابان، كما أن منظمة أوبك ليست وحدها المسؤولة عن زيادة الأسعار، وإن كانت الدول المستهلكة تحملها هذه المسؤولية فهي لا تسيطر على سوق النفط العالمي لاعتبارين: الأول أن سعر سلة نفطها يأتي في المرتبة الثالثة بعد الخام الأمريكي الخفيف وخام برنت، والثاني أن إنتاجها لا يتجاوز ثلث الإنتاج العالمي، واستنادًا إلى آخر الإحصائيات فقد بلغ الاستهلاك العالمي من النفط في يوليو الماضي نحو ٧٦,٧٥ مليون برميل حسب بيانات وكالة الطاقة الدولية مرتفعًا بنحو ٥٧٠ ألف برميل عن شهر يونيو، وتبلغ حصة أوبك من الإنتاج العالمي نحو ۲۷,۹۳ مليون برميل، أي أن إنتاج أويك يبلغ نحو %٣٦,٣٩ من الإنتاج العالمي فيما بلغ الإنتاج من خارج أوبك ٤٥,٩٧ مليون برميل فكيف تتحمل أوبك مسؤولية ارتفاع الأسعار وحدها وهي تحتل المرتبة الثالثة في الاستفادة من الأسعار وتنتج ثلث الإنتاج العالمي تقريبًا، كما أن الزيادة في الإنتاج من داخل أوبك التي بلغت ٢٥٠ ألف برميل هي أقل، فقد بلغت الزيادة من خارج أوبك نحو ۳۲۰ ألف برميل أي أن مساهمة أويك ارتفعت ٣٤,٨٥ فقط من الزيادة في الإنتاج.
ويرى المراقبون أن منظمة أوبك تحاول أن تحافظ ي الحد الأدنى من تماسكها ولذا فهي تحاول أن ستجيب لضغوط الدول المستهلكة، وفي الوقت نفسه خذ مطالب الدول المنتجة ولو بدرجة أقل بعين اعتبار، ذلك أن الذهاب إلى آخر الطريق في استجابة لشروط الدول المستهلكة قد يدفع بالأسعار ن الانهيار كما حدث بعد اجتماع جاكرتا عام ۱۹۰م، وهو درس وعاه المنتجون الرئيسون في أوبك فعوا ثمنه غاليًا فيما بعد، كما أن الاستجابة لمطالب الدول المنتجة وخاصة المتشددة منها قد يؤدي إلى انهيار المنظمة وهو ما لا يريده المستهلكون ولا ينتجون على الأقل في الوقت الراهن.
من المستفيد الأول من سلعة النفط؟
تأتي الدول المستهلكة في مقدمة الرابحين من سلعة النفط، فهي سواء حصلت على النفط من الدول المنتجة بأسعار منخفضة أو مرتفعة نوعًا ما، فإنها تفرض عليه ضرائب باهظة يدفعها مواطنوها، حيث تصل هذه الضرائب في بعض الحالات إلى ثلاثة أرباع السعر الذي يدفعه المستهلك. وما المظاهرات الضخمة التي شهدتها فرنسا وإسبانيا وبريطانيا مؤخرًا إلا دليل على هذا الارتفاع. فللمرة الأولى منذ عام 1973م - عام الصدمة النفطية الأولى - وجهت الانتقادات لا إلى الدول المصدرة للنفط، وإنما إلى الحكومات الغربية التي تجني من بيع المنتجات النفطية المكررة أضعاف ما تجنيه الدول المنتجة والمصدرة للنفط.
ففي أوروبا الغربية تباع المنتجات النفطية بأسعار تفوق بكثير الأسعار السائدة في بقية دول العالم، كما أن أسعار البنزين في بريطانيا والترويج - وهما دولتان منتجتان ومصدرتان للنفط تفوق أسعاره في أي مكان آخر من العالم حسب الأرقام الصادرة عن وكالة الطاقة الدولية في باريس كما يذهب في بريطانيا ٧٧% من سعر لتر البنزين الخالي من الرصاص المباع إلى الخزينة على شكل ضرائب، وفي النرويج فإن النسبة ترتفع إلى ۷۹. وفي هذا السياق يقول جون براون كبير المسؤولين في شركة بريتيش بتروليوم / أموكو البريطانية - الأمريكية إن سعر كل ليتر بنزين نبيعه في محطاتنا يعود منه ٦١,٥ بنس للحكومة وأقل من بنس واحد لشركاتنا والباقي هو سعر التكلفة. يذكر أن سعر لتر البنزين في بريطانيا يفوق ٨٠ بنسًا بالمتوسط.
وفي فرنسا فإن ٧٣% من السعر الذي يدفعه صاحب السيارة الفرنسي للبنزين أو الديزل يذهب للحكومة على شكل ضرائب. كما تصل الضرائب في إسبانيا إلى ٦٢. واستنادًا إلى وزير الطاقة الجزائري شكيب خليل فإن إجمالي الضرائب الفرنسية على المحروقات توازي إجمالي الناتج المحلي للجزائر الذي يبلغ نحو ٤٩ مليار دولار. وإذا ما أضفنا الأرباح التي تجنيها الحكومة البريطانية سنويًا من الضرائب المفروضة على النفط والتي قدرها بعض المصادر بنحو ٣٠ مليار دولار فإن أرباح الدولتين تبلغ ۷۹ مليار دولار أما في الولايات المتحدة فإن حصة الحكومة مما يدفعه المستهلك لا تتجاوز %٢٤ ولهذا لم تسمع عن مطالبات بخفض الضرائب على الوقود.
شركات النفط المستفيد الثاني من ارتفاع الأسعار
تجمع شركات النفط العالمية على أن ارتفاع أسعار النفط إلى ثلاثة أضعاف منذ مارس ۱۹۹۹ كان بمثابة نعمة هبطت من السماء على هذه الشركات، تمامًا مثلما كانت عملية خفض الأسعار عام ۱۹۹۸ م حيث مكنت هذه الشركات من العودة إلى الدول المنتجة من خلال الاستثمار ودفعتها إلى الاندماج، فقد ارتفعت أرباح هذه الشركات إلى مستويات قياسية خلال الفترة الماضية، وقالت مصادر اقتصادية مطلعة إن شركات النفط وشركات التكرير والتوزيع جنت الحصة الأكبر من الأرباح نتيجة ارتفاع الأسعار فمنذ يوليو الماضي يعمد المسؤولون عن القطاع النفطي إلى الإعلان بسرور عن النتائج القياسية الفصلية ونصف السنوية التي سجلت نموًا لافتًا للنظر، فقد أعلنت شركة "ريبسول - وأي بي إف. الإسبانية في العاشر من أغسطس الماضي عن ارتفاع أرباحها الصافية في الفصل الأول من العام ٢٠٠٠ إلى ۱۰۰۳ مليار دولار أي ۳,۱ مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. كما أن شركة اكسون - موبيل، الأولى على الصعيد العالمي أعلنت في ٢٥ يوليو الماضي أرباحاً صافية بلغت ٧,٥ مليار دولار، أي بزيادة بمعدل ١١٦ مقارنة بالأشهر السنة الأولى من العام الماضي.
وحققت أيضًا شركة رويال دوتش شل البريطانية - الهولندية وشركة بريتش بتروليوم البريطانية اللتان تتنافسان على المرتبة الثانية في التصنيف العالمي أرباحًا طائلة، فقد أعلنت الأولى تقدماً بلغ ١٠٦ في الفصل الأول أي ٦،٢ مليار دولار، فيما كانت نتيجة الثانية ٦,٣ مليار دولار في الفترة نفسها أي بزيادة ١٩٧%.
والجدول المرفق يوضح أرباح شركات النفط العالمية من زيادة الأسعار خلال الربع الثاني من عام ٢٠٠٠م الجاري.
أما شركات التكرير والتوزيع فقد جاءت حصيلة أرباحها الأعلى منذ عشرة أعوام، وقال محلل في مؤسسة سالمون سميث بارني إن هوامش أرباح شركات تكرير النفط الدولية ارتفعت بشدة في الربع الثاني من السنة الجارية، وحققت شركات التكرير الأمريكية والأوروبية أعلى الأرباح منذ عشرة أعوام.
وقال المحلل بول تينغ تتوقع ارتفاع إيرادات الشركات الكبرى العاملة في قطاع المصب التكرير والتسويق بنسبة %٦٥ في الربع الثاني مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وارتفاع إيرادات شركات التكرير المستقلة وشركات التسويق بنسبة ١٥٠ %. كما بلغت أرباح التكرير في المصافي الأوروبية ٤,٦٠ دولار للبرميل الواحد، أي ما يقارب ثلاثة أمثال أرباح الربع الثاني من العام الماضي، وسجلت أرباح التكرير ٣,٦٧ دولار للبرميل في الربع الأول من السنة.
وارتفعت هوامش أرباح المصافي الأمريكية في الربع الثاني إلى ٣,٦٧ دولار من ۳,۰۱ دولار قبل عام وبزيادة ٤,٤٣ دولار في الربع الأول من السنة الجارية.
الدول المنتجة آخر المستفيدين
وفي قائمة المستفيدين من هذه السلعة تأتي الدول المنتجة في المرتبة الثالثة، وهو ما أكده ريلوانو لقمان الأمين العام لمنظمة أوبك بقوله: إن بعض الحكومات الغربية تحصل على عائدات من الضرائب المفروضة على النفط تفوق ثلاثة أضعاف تلك التي تحصل عليها الدول المصدرة والمنتجة للنفط الخام.
وأوضح لقمان أنه في بعض دول الاتحاد الأوروبي فإن %٦٨ على الأقل من سعر المستهلك عبارة عن ضرائب و ١٦ يذهب للمصافي وشركات التسويق أما ما يذهب إلى الدولة المصدرة فإنه الـ 16 الباقية.
وفي هذا السياق يقول الخبير النفطي الدكتور وليد خدوري رئيس تحرير «نشرة ميس النفطية التي تصدر في قبرص في دراسة له أنه في عام ١٩٩٦ م حصلت الدول الصناعية الغربية على حوالي ۲۷۰ مليار دولار من ضرائب النفط بينما بلغ ربع أقطار أوبك في ذلك العام حوالي ١٨٥ مليار دولار، ولنا أن نتوقع حجم الأرباح التي ستجنيها الدول الصناعية من انخفاض العائدات النفطية الدول أوبك لعام ۱۹۹۸م والتي قدرها تقرير حكومي أمريكي بأن تهبط إلى ۱۰۱ مليار دولار فيما كانت قيمتها عام ۱۹۹۷م حوالي ١٤٩ مليار دولار، وبذلك تكون خسائر دول أوبك عام ١٩٩٨م حوالي ٨٤ مليار دولار عن دخلها في عام ١٩٩٦م.
ولعل الأزمات الاقتصادية التي تعاني منها الدول المنتجة للنفط خير دليل على تدني العائدات النفطية، حتى إن شعوب بعضها أصبحت تعاني من الفقر والبطالة فيما اتجه الكثير منها إلى تنويع الولايات المتحدة وأوبك شركاء متشاكسون.
ما زال لـ«أوبك» دور فاعل ربما بالتنسيق مع الدول الصناعية لضبط إيقاع السوق العالمية وفق مصالحها
تعتبر الولايات المتحدة أكبر مستورد للنفط في ت العالم، فهي تستورد نحو ٥٦% من احتياجاتها النفطية في الوقت الحالي، وبلغ متوسط استيرادها - اليومي من النفط في الأشهر الخمسة الأولى من السنة الجارية نحو ٨.٥ مليون برميل يتقاسمها . منتجو أوبك والمنتجون المستقلون بحصص متقاربة إذ بلغت حصة أوبك ٤٨,٣ مقابل ٥١,٧ - للمنتجين المستقلين لكنها أيضًا في الوقت نفسه تعتبر من الدول المنتجة، وسعر خامها الخفيف هو الأعلى على الصعيد العالمي، لذلك فهي تحرص على أن تبقى الأسعار في حدود معينة بما يحقق - مصالحها الاقتصادية والسياسية، لذلك تتعامل مع أوبك على أساس أنها شريك لها في المصلحة تستعين بها في الأوقات اللازمة للضغط على أوروبا واليابان بين الحين والآخر من خلال رفع الأسعار للجم هاتين القوتين الاقتصاديتين المنافستين، فعلى الصعيد الأوروبي اقترنت زيادة الأسعار مع هبوط . حاد في قيمة اليورو أمام الدولار، وفي هذا السياق تقول مجلة بزنس ويك الأمريكية إن زيادة أسعار النفط منذ يناير عام ۱۹۹۹م بنسبة ١٧٠ سوف يبطئ النمو الاقتصادي ويزيد من التضخم وخصوصًا في أوروبا، لأن ضعف اليورو سيجعل استيراد البترول الذي يسعر بالدولار أعلى ثمنًا. كما تفعل مع اليابان الشيء نفسه فهي تمنع أي محاولة يابانية لوضع الاقتصاد الذي أكمل عقدًا من الركود على طريق النمو من جديد، وذلك كي يبقى الاقتصاد الأمريكي الأكثر قوة على الصعيد العالمي وهو ما تحقق بالفعل فجميع الاقتصادات العالمية تعاني من مشكلات بينما الاقتصاد الأمريكي يواصل نموه المطرد ومنذ أكثر من سبع سنوات على التوالي، فقد جاء في آخر تقرير لوزارة الخزانة الأمريكية أن ميزانية الولايات المتحدة في الشهور العشرة الأولى من العام الجاري التي تنتهي في ٢٠ سبتمبر الحالي سجلت فائضًا مقداره ۱۸,۹۷ مليار دولار، وهو أكثر من ضعفي الفائض الذي حققته في الفترة نفسها من العام الماضي والذي بلغ ٦۱۱۲ مليار دولار، في حين أن إنتاج دول أوبك في عام لم يتجاوز مبلغ ١٢٤ مليار دولار كما ارتفع الناتج الإجمالي الأمريكي خلال الربع الثاني من العام الحالي بمعدل سنوي قدره ٥,٢ مقارنة بمعدل بلغ ٤,٨% في الربع الأول.
ما يمكن قوله إن الزيادة التي أقرها وزراء أويك في اجتماعهم الأخير في فيينا وهي ٨٠٠ ألف برميل يوميًا قد رفعت كميات النفط المتدفقة إلى الأسواق العالمية زيادة عما هي عليه منذ مطلع العام الجاري بمقدار ۳٫۲ مليون برميل، ومع الأخذ بعين الاعتبار جميع التأكيدات السابقة بأن السوق لا تعاني من نقص في الإمدادات فإن مما لاشك فيه أن أسعار النفط ستنخفض أكثر مما توقع وزراء أوبك وهذا الانخفاض ربما يستمر لفترة أطول من فترة العشرين يومًا مدة آلية أوبك كما هي العائدة ففترات الارتفاع قصيرة وفترات الهبوط طويلة، وإذا ما صحت توقعات صحيفة فيلت أم سونتاج الأسبوعية الصادرة في مدينة هامبورج الألمانية في العاشر من سبتمبر الجاري بأن أسعار النفط الخام في الأسواق العالمية ستنخفض تدريجيًا حتى يصل سعر البرميل الواحد في يناير المقبل إلى عشرين دولارًا للخام القياسي، فهذا يعني أن سعر برميل نفط أوبك سيكون أقل من ذلك أي أن كل برميل سيفقد ربما أكثر من عشرة دولارات من السعر الذي وضعته أوبك، وإذا اعتبرنا أن إنتاج أوبك يقترب من ۲۷ مليون برميل يوميًا، فهذا يعني أن الخسائر اليومية ستبلغ ۲۷۹ مليون دولار تخسرها الدول المنتجة التي هي بأمس الحاجة إلى كل دولار من هذه الدولارات الضائعة، وخاصة الدول الصغيرة منها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل