الثلاثاء 19-يونيو-1984
على الرغم من عدم ظهور بارقة أمل حقيقية إلى الآن تشير إلى قرب توقف رحى الحرب العراقية الإيرانية، إلا أن وكالات الأنباء والصحافة العالمية بدأت تنقل منذ فترة قريبة أنباء عن صراع ناشب في أوساط القيادات الحاكمة في إيران؛ بسبب الطريق المسدود الذي دخلته إيران في هذه الحرب، وفشل إيران في تحقيق نصر عسكري على العراق تنهي به هذه الحرب لصالحها، هذا النصر الذي كان محور تصريحات المسؤولين على مدى السنوات الأربع التي انقضت من عمر هذه الحرب، وإذا ما أضفنا إلى تهاوي هذه التصريحات تلك الخسائر البشرية الجسيمة التي تكبدتها إيران في هذه الحرب، والأوضاع الاقتصادية المتدهورة في إيران نتيجة الإصرار على الحرب، مع تكريس الجزء الأكبر من الدخل القومي للتسلح وتغطية النفقات الباهظة التي تتطلبها المعركة المستمرة- لأدركنا من خلال ذلك كله سر هذا الصراع الدائر حاليًا بين رجال الدين من جهة، والقادة العسكريين من جهة أخرى، ففي تقرير نقل بتاريخ 15/6/84م عن يواس نيوز ورد: «إن أحد الأسباب الرئيسة لتأجيل الهجوم الإيراني الواسع الذي كان مقررًا في أوائل رمضان يعود للخلاف الناشب بين رجال الدين المهيمنين على نظام الحكم في طهران، وبين قادة الجيش النظامي الإيراني حول ما إذا كان هجوم واسع على شكل موجات بشرية تتألف في معظمها من شبان صغار السن، وغير مدربين من حراس الثورة- يستطيع التغلب على القوات العراقية المتحصنة في مواقعها الدفاعية القوية»، وتشاطر صحيفة نيويورك تايمز مجلة نيوز الرأي فتقول: برزت في إيران مؤخرًا انتقادات لرجال الدين الذين يحكمون البلاد حول استمرارية الحرب إلى ما لا نهاية مع ما يرافقها من تضحية بشباب إيران».
ففي حين يرى رجال الدين ضرورة استمرار الحرب بأي شكل فإن القادة العسكريين باتوا مدركين لمخاطر هذه الاستمرارية، ويرون ضرورة العودة لحرب الاستنزاف الطويلة المدى، إن لم يكن يرجحون توقف هذه الحرب لإنقاذ الأوضاع المتردية على الصعيد الداخلي، تقول مجلة الأيكونومست في دراسة مطولة نشرتها أخيرًا عن أوضاع إيران الداخلية:
إن إیران تهيئ کل ما تستطيع للحملة القادمة، وإذا ما فشلت في ذلك فإنها عندئذ ستبحث عن التسوية عن طريق المفاوضات، ويعطي المعلقون السياسيون عدة أدلة على ذلك، منها:
1- أن الحملة القادمة ستوصل إيران إلى حالة إنهاك كاملة.
2- ستزداد المعارضة الشعبية ضد المسؤولين المؤيدين لاستمرار الحرب.
3- ستتفاقم حالة الاقتصاد بشكل يستحيل معه التغاضي عنها على الجبهة الداخلية.
ويبدو أن التيار الذي بات يعارض الحرب في إیران بدأ يلقى تجاوبًا من بعض القيادات المدنية، وعلى رأسها رئيس الجمهورية على خامنئي، تقول جريدة «القبس» في عددها الصادر بتاريخ 14/6/84م ما يلي:
قد تشهد الأيام القليلة القادمة حسمًا للصراع المحتدم بين رئيس الجمهورية علي خامنئي ورئيس مجلس الشورى هاشمي رافسنجاني؛ حيث يتهم الأخير رئيس الجمهورية بالخيانة بعد موافقته على اقتراح السكرتير العام للأمم المتحدة بالتوقف من ضرب المدن، وفي الوقت الذي أصدر فيه خامنئي أمرًا للجيش الإيراني بالتوقف عن ضرب المدن العراقية، استدعى هاشمي رافسنجاني محسن رضائي قائد حرس الثورة، وطلب إليه الاستمرار بقصف المدن العراقية، وبخاصة مدينة البصرة، وقد هدد رئيس الجمهورية خامنئي بالاستقالة من منصبه إذا لم تكُف قوات الحرس الثوري التي يدين قائدها بالولاء لرافسنجاني عن خرق الاتفاق الذي تم التوصل إليه بواسطة الأمم المتحدة، وحمل خامنئي في الرسالة العاجلة التي بعث بها إلى آية الله الخميني رافسنجاني المسؤولية، وطلب من الخميني إعطاءه حرية التصرف بصلاحياته كاملة كرئيس للجمهورية ورئيس لمجلس الدفاع الأعلى»، وهكذا يصل الصراع من أجل الحرب إلى القمة، بل إلى السُلطتين التنفيذية التي يرأسها على خامنئي رئيس الجمهورية، والتشريعية التي يرأسها هاشمي را فسنجاني.
▪ المراقبون السياسيون يراقبون الآن ما يجري من تطورات على الساحة الداخلية الإيرانية، وإن كانت الدلائل الأخيرة تشير إلى تفوق ورجحان كفة التيار المعارض لرجال الدين في أعقاب الموافقة على وقف قصف المدن والناقلات.
ترى هل يعي رجال الدين في إيران خطر استمرار هذه الحرب على شعوب إیران وعلى شعوب المنطقة بأسرها؟ هل يعون هذا فيتخذون قرارًا بالموافقة على دعوة العراق إلى المفاوضة وإنهاء القتال، أم أنهم لن يهتموا بذلك، وبالتالي سيشتعل فتيل الحرب الداخلية في إيران؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل