العنوان صراع المصالح الأجنبية ومليشيات الحرب يستنزف الصومال
الكاتب حسن عيسي
تاريخ النشر السبت 13-أكتوبر-2007
مشاهدات 61
نشر في العدد 1773
نشر في الصفحة 30
السبت 13-أكتوبر-2007
"رغم الدعم العسكري الإثيوبي والإفريقي والأمريكي للحكومة الانتقالية لم تستطع بسط سيطرتها على البلاد"
"١٦مؤتمرًا لحل مشكلة الصومال منذ سقوط حكومة سياد بري لكن دون جدوى"
رغم أن الأزمة الصومالية أوشكت أن تنهي عامها السابع عشر منذ انهيار حكومة الرئيس سياد بري عام ۱۹۹۱م، وعُقد خلال هذه الفترة ما يربو على ١٦ مؤتمرًا تقريبًا لجلب الأمن للبلاد بدءًا من مؤتمر جيبوتي الأول عام ١٩٩١م، وصولًا إلى المؤتمرين المتناقضين في «مقديشو» و«أسمراء»، فلا يزال الصومال ينزف ويعاني نتيجة صراع المصالح المرير بين مليشياته الداخلية ومصالح القوى الأجنبية الغربية والإفريقية هناك.
وإذا كان الاقتتال السابق في الصومال منذ نهاية الثمانينيات من القرن الماضي ظل يجري بين المليشيات على مصالحها هناك. وكذلك بينها وبين جيرانها وخاصة الإثيوبيين في إقليم أوجادين، فالجديد في الصراع الحالي الذي اندلع عقب الاحتلال الإثيوبي والأمريكي للصومال وإنهاء سيطرة قوات المحاكم الإسلامية أنه تحول إلى صراع بين الصوماليين أنفسهم تارة، وبينهم وبين قوات الاحتلال تارة أخرى وأصبح صراعًا عسكريًا وسياسيًا معًا.
فعلى الخارطة السياسية الصومالية اليوم تبرز عدة قوى تختلف في أهدافها المعلنة وربما غير المعلنة أيضًا هذه القوى الموجودة حاليًا في الساحة الصومالية هي: الحكومة الصومالية المؤقتة المدعومة بمساندة إثيوبية وأمريكية ومعها مليشيات الحرب السابقة، وتحالف إعادة تحرير الصومال، الذي شكل في أسمراء عاصمة إرتيريا، مؤخرًا، ويضم الإسلاميين والوطنيين الصوماليين وإدارة بونتلاند، وجمهورية أرض الصومال التي أعلنت استقلالها من جانب واحد ولم يعترف بها كدولة مستقلة عن بقية الصومال.
وهذه الأطراف الأربعة هم اللاعبون الأساسيون في شؤون الصومال، وكل طرف منهم يتمتع بدعم أجنبي، مما يزيد الطين بلة، ويعمق الخلافات الداخلية لتضارب مصالح هذه القوى الأجنبية مع مصالح الصوماليين، ولهذا من الضروري تسليط الأضواء عليها.
حكومة بارونات الحرب، جاءت الحكومة الصومالية المؤقتة الحالية نتيجة المخاض عسير لمؤتمر المصالحة الوطنية الذي عقد في إمبجاتي، في كينيا واستمر سنتين كاملتين، وشاركت فيه جميع فعاليات المنظمات الصومالية بما فيها زعماء أو بارونات الحرب، وزعماء العشائر ومنظمات مدنية وسياسيون مستقلون، ورجال أعمال وبعض علماء الإسلام والنساء، ولكن الواقع الفعلي يؤكد أن بارونات أو مليشيات الحرب الصومالية السابقين ظلت لهم اليد العليا في تحريك هذه الحكومة المؤقتة وكان لهم حق اختيار أعضاء البرلمان.
وبدل أن يجري تقديم هؤلاء البارونات بسبب ما اقترفوه من جرائم حرب بحق الشعب الصومالي الذي مزقوه شر تمزيق والدمار الذي ألحقوه بالبلاد - حتى إن جرائمهم لم تسلم منها البهائم والأشجار - كوفئ هؤلاء بأن أصبحوا الممثلين الوحيدين للشعب الصومالي ولهذا أصبح البرلمان الذي شكل في إمبجاتي، يمثل في غالبيته العظمى بارونات الحرب، ما أدى إلى امتعاض وغضب كبير في أوساط من شاركوا في هذا المؤتمر ومن لم يشاركوا حيث أصبحوا يعتبرون مؤتمر المصالحة بين الصوماليين ليس إلا مؤتمرًا لتقسيم الغنائم بين بارونات الحرب.
صراع المليشيات وحكومتهم
وقد سعت الحكومات الأجنبية التي تدعم زعماء الحرب للضغط لإعطاء تجار الحرب نصيب الأسد في تقسيم كعكة الحكومة الصومالية التي تمخضت عن المؤتمر، مما زاد استياء الشعب وجعل الصوماليين يرتابون من شكل الحكومة التي يتم طبخها في كينيا، حتى إن البعض اعتقد أنها مؤامرة تدبر لهم من وراء الكواليس.
وكان من المخطط أن يجري اختيار رئيسين للبرلمان والجمهورية من زعماء الحرب أيضًا كما خطط مسبقًا، ولكن رئيس البرلمان جاء على عكس ما تشتهي سفن بارونات الحرب لأنه لم يكن من زعماء الحرب، ولذلك أصبح شخصًا غير مرغوب فيه، وكان نكسة عليهم لأنهم لم يتوقعوا أن إنسانًا وطنيًا كـ شريف حسن شيخ آدم لن يتماشى مع مطالبهم وأهدافهم غير المعلنة، فكانت هذه أول مشكلة واجهت زعماء الحرب ومن يدعمهم من الأجانب.
وبعد أن رجع بارونات الحرب إلى الصومال بدأوا كعادتهم يختلفون: أين سيكون مقر الحكومة التي جاءت لتوها من المنفى؟ فانقسموا إلى جبهتين: الأولى حيث تمركز بعضهم في العاصمة مقديشو في حين ذهبت الثانية إلى مدينة «جوهر» «۹۰ كم شمال العاصمة وعلى رأس الفريق الأخير عبد الله يوسف أحمد رئيس الجمهورية الفيدرالية الصومالية ورئيس الحكومة علي محمد جيدي.
وبدأت في نفس الوقت حرب إعلامية بين الطرفين حيث كانت حجج عبد الله يوسف وصاحبه علي محمد، أنهم لا يريدون أن يكونوا رهائن لمليشيات قبلية وكان الرجلان يفضلان في لحظة دخولهما إلى الصومال أن تكون معهما قوات أجنبية لحمايتهما، وهو ما تحقق أما بارونات الحرب في مقديشو فكانوا يرون أنه إذا جاءت قوة أجنبية تدعم الحكومة فإنهم لا يستطيعون أن يتمتعوا بمليشياتهم ونفوذهم داخل العاصمة، والتي كانت مقسمة لديهم وكل واحد منهم يدير حيًا من أحيائها ويأخذ من أهلها إتاوات باهظة يفرضها عليهم ولذلك لم يرغبوا في استقدام قوات أجنبية داخل البلاد ولم يكن رفضهم لمصلحة البلاد والشعب.
ثم انتقلت الحكومة إلى بيدواء حيث نقلوا هناك جميع أركانهم، وأصبحت القوة الأجنبية التي تدعمهم تظهر بصورة أوضح وبدأ بعض السياسيين المستقلين والوطنيين يتحدثون عن النفوذ الإثيوبي داخل أركان الحكومة بصورة سرية، وبدأ أيضًا عصر الاغتيالات وتصفية الحسابات.
في ذلك الحين رأت القوة الخفية التي تسيطر على مقاليد الأمور في الصومال أن شخصية الرئيس عبد الله يوسف هي أهم شخصية في هذه المرحلة؛ لأنه كان من أكابر زعماء الحرب وأول من انشق عن النظام الصومالي السابق «سياد بري» حيث كون أول معارضة صومالية لجأت إلى إثيوبيا في عام ۱۹۷۸م. وكان حلمه الوحيد أن يصل يومًا إلى سدة الرئاسة واستخدم كل الطرق الممكنة للوصول لمنصب الرئيس وتحققت أمنيته على يد أصدقائه الذين لم يستريحوا حتى أجلسوه على كرسي الرئاسة، ووعدوه أن يزيلوا جميع العقبات التي ربما تعترض طريقه إلى مقديشو.
ولكن المشكلة التي ظل زعماء الحرب يتخوفون منها حينئذ كانت هي تنامي دور الإسلاميين الذين شكلوا قوة لا يستهان بها في مواجهة ما يسمى تحالف إعادة الأمن ومكافحة الإرهاب الذي ضم جميع زعماء الحرب ما عدا حسين عيديد وعثمان عانو وتحققت مخاوف زعماء الحرب حينما بدأت قوات المحاكم الإسلامية تفرض سيطرتها التدريجية على المدن الصومالية وصولًا للعاصمة وطرد مليشيات الحرب، وتحقق الأمن لأول مرة في الصومال ما أنعش النشاط الاقتصادي، قبل أن يعود زعماء الحرب والحكومة المؤقتة على صهوة دبابات إثيوبيا وقصف الطائرات الأمريكية التجمعات الإسلاميين.
إنه رغم هذا الوجود والدعم العسكري الإثيوبي والإفريقي والأمريكي الذي تجده الحكومة الانتقالية إلا أنها لم تستطع بسط سيطرتها على البلاد، حيث كثرت في جنوب البلاد حواجز التفتيش غير القانونية وعاد قطاع الطرق الذين ينهبون كل ما يمتلكه المسافرون أو الفارون من جحيم الحرب للظهور مرة أخرى بعدما اختفوا في وقت سابق خلال حكم المحاكم الإسلامية.
هناك أيضًا كارثة إنسانية وشيكة الحدوث بدأت ملامحها في التبلور وهي كارثة المهاجرين الصوماليين داخل البلاد والذين يفترشون الأرض ويلتحفون السماء ولا تستطيع الهيئات الإغاثية الوصول إليهم بسبب كثرة قطاع الطرق، وفي بعض الأحيان منع الحكومة من الوصول إليهم بدعاوى أمنية وأخرى إدارية، حتى إن الأمم المتحدة تتحدث عن أكثر من ٤٦٠ ألف صومالي مهاجر داخل بلادهم ويعيشون في ظروف مزرية.
عودة زعماء الحرب للصومال على صهوة جواد الغزو العسكري الإثيوبي الأمريكي المشترك، وانعدام الأمن في البلاد مرة أخرى أعاد الصومال بالتالي لنقطة البداية وإلى حلقة مفرغة من العنف وابتزاز الميليشيات - تحت اسم الحكومة الانتقالية - للشعب، وإلى حين ظهور فجر التحرر من الاحتلال الأجنبي وسطوة مليشيات الحرب سيظل الصومال - الدولة العربية رقم ٢٢ التي نسيها العرب والمسلمون - ينزف.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل