العنوان صراع مصري- أمريكي على السودان: السودان.. أسئلة المستقبل.. «مشاكوس» يعيد العلاقات المصرية السودانية إلى نقطة الصفر
الكاتب محمد جمال عرفة
تاريخ النشر السبت 17-أغسطس-2002
مشاهدات 57
نشر في العدد 1514
نشر في الصفحة 28
السبت 17-أغسطس-2002
د. مصطفى الفقي: لا يمكن لدولة أن تصحو فجأة ذات صباح لتجد أن جارتها انقسمت إلى دولتين
لم تختلف التعليقات في الصحف المصرية ولا بين النخبة السياسية المصرية بمن فيهم مسؤولون سابقون على كلمات من قبيل «طعنة في الظهر» و«شاكوش على رأس مصر»، و«قرار سري» يتجاهل مصر، وغيره مما يكشف جانبًا من الخلاف المصري-السوداني الجديد عقب توقيع بروتوكول «مشاكوس» الذي أقر تقرير المصير للجنوب، مما تعتبره الأوساط الرسمية المصرية انفصالًا في نهاية الأمر يؤثر على أمنها القومي.
بل إن د. مصطفى الفقي- سكرتير الرئيس المصري السابق للمعلومات، ورئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشعب، ومسؤول ملف السودان حتى العام قبل الماضي في الخارجية المصرية. وصف اتفاقية «مشاكوس» بأنها «خروج عن النص» على طريقة ممثلي المسرح الذين يهوون الخروج عن النص المكتوب أملًا في الجمهور!
في إرضاء كما وجهت للاتفاق انتقادات مماثلة من كل من وزير الخارجية أحمد ماهر، ومستشار الرئيس للشؤون السياسية د أسامة الباز كانت أكثر دبلوماسية، حرصًا على عدم فتح الجراح أما ما كتبه د. الفقي-في مقال بجريدة الأهرام يوم 3 أغسطس-فقد كان صريحًا، واقترب من نص الاعتراضات التي سلمتها مصر للخرطوم عبر المبعوث الشخصي للرئيس البشير قطبي المهدي.
فما تفاصيل الاعتراضات المصرية التي تهدد بإعادة العلاقات بين البلدين إلى نقطة الصفر؟
من الواضح أن القاهرة غاضبة من توقيع الاتفاق فجأة دون استشارتها، لذلك قال الفقي: إنها «المرة الأولى في ظني التي يتخذ فيها السودان قرارًا إقليميًا بهذا الحجم، دون أن يستشير جيرانه خصوصًا مصر».
وقال: إنه «كان من الطبيعي ألا يتم هذا الاتفاق المصيري الذي يؤثر على جيران الشمال والجنوب على حد سواء بهذا التفرد وتلك السرية، بينما هناك أطراف أخرى سودانية وغير سودانية سوف يمس الأمر مصالحها، ومع ذلك لم تكن شريكًا في المفاوضات أو حتى مراقبًا لها أو متابعًا لمراحلها».
ورغم أن الفقي أشار إلى ما لم يشر إليه المسؤولون المصريون الآخرون من أسباب رفض الاتفاق تتصل بمخاوف من احتمال وجود "إسرائيلي" في الجنوب، أو قيام دولة دينية في الشمال، أو لأسباب تتصل بمنابع النيل، فقد قال: إن السبب الرئيس الغضب مصر هو أنه لا يمكن لدولة أن تصحو فجأة ذات صباح لتجد أن الدولة الجارة قد انقسمت إلى دولتين، وأن الجغرافيا السياسية قد تغيرت والحدود قد اختلفت، وأن عليها أن تعيد حساباتها بعد تعاملات ثابتة امتدت لقرون طويلة!
حيرة القاهرة تتحول إلى نشاط في السودان
ويبدو أن القاهرة وقعت في حيرة شديدة عقب الاتفاق وكيفية التعامل معه، وكان نائب الرئيس السوداني يستعد لزيارة مصر لتوقيع العشرات من اتفاقيات التعاون في إطار اجتماعات اللجنة المصرية-السودانية العليا، كما أن نتائج أحداث 11 سبتمبر، وبوادر التدخل الأمريكي في السودان أظهرت الحاجة لتكامل البلدين.
ويبدو أن رد الفعل المصري الأول بعدم لقاء الرئيس المصري نائب الرئيس السوداني كان مقدمة لردود أفعال مصرية أخرى، لأن الاتفاق وفصل جنوب السودان في نهاية الأمر يمثل خطرًا على الأمن القومي المصري، بيد أن المخاوف المصرية من ترك السودان في أحضان أمريكا من جهة، وصعوبة دفن الرؤوس في الرمال في قضية حيوية كهذه، دفع باتجاه السعي للتدخل بشكل أكبر في مفاوضات المرحلة الثانية في منتصف أغسطس الجاري، واستمرار التعاون مع السودان، وقد ألمح لهذا التوجه أيضًا د مصطفى الفقي بقوله: «لا يمكن أن تقف مصر، أو ليبيا باعتبارهما نموذجين لجيرة الشمال موقف المراقب من بعيد، والمتأمل بغير وعي».
وأضاف أن «المسؤولية في النهاية لا تقف عند حدود السودان وحده، وليست هذه دعوة للتدخل في شأن داخلي سوداني لأن الأمر عندما يصل إلى احتمالات التقسيم، فإنه يبدو مختلفًا تمامًا ولا يصبح ح شأنًا. داخليًا بقدر ما هو شأن إقليمي، وقضية تمس أطرافًا غير سودانية أيضًا».
لماذا تجاهل السودانيون مصر؟
ما يمكن أن نطلق عليه تجاهل السودان لمصر -برغم الحديث عن أن السودانيين أنفسهم لم يكونوا يتوقعون قبول حركة جارانج للاتفاق حتى اللحظات الأخيرة له أكثر من مبرر:
فليس سِرًّا أن السودانيين يستشعرون نوعًا من عدم الندية في تعامل القاهرة معهم منذ سنوات ما بعد الاستقلال، وهناك دومًا شكوى سودانية «يقول المصريون إنها مجرد حساسية مفرطة» بأن القاهرة تتعالى على الخرطوم.
وقد زادت هذه الفجوة بين الطرفين خلال سنوات الخلاف التي أعقبت نجاح ثورة الإنقاذ وتولي رموز من الحركة الإسلامية السودانية السلطة، ثم اتهام القاهرة للخرطوم بإيواء إرهابيين حتى إن التعاون الطبيعي بين الشعبين تأثر بسبب هذه الجفوة وانهارت التعاملات التجارية، وبالطبع التعاون السياسي والعسكري حتى إن مسؤولًا سودانيًا حدثني خلال زيارة للخرطوم عام ١٩٩٣م عن رفض مصر إصلاح طائرات سودانية مطلوب استخدامها لردع حركة التمرد في الجنوب وتولى العراقيون إصلاحها في أسبوع.
وقد تمخض هذا التراجع في علاقات البلدين هجوم صيني وكوري، وماليزي على السودان التنفيذ العديد من المشاريع التي رفضت مصر العمل فيها، ومنها مجال استخراج البترول، مما دفع السودانيين للاعتماد على أنفسهم تارة، وعلى الأسيويين تارة، ولم يبق لمصر موضع قدم في عالم الاقتصاد السوداني.
بعبارة أخرى، أصبح السودانيون أكثر حرية في قراراتهم، ولا يبالون كثيرًا بالمواقف المصرية المؤيدة أو المعارضة، خاصة أن حكومة الإنقاذ تنهم مصر بالسعي للتخلص من الإسلاميين في السودان بأي شكل، وترد بذلك على تهمة إيواء الإرهاب التي تطلقها مصر عليهم، بل إن نائب الرئيس السوداني طه عثمان الذي كان نائبًا للترابي كزعيم للجبهة الإسلامية سابقًا قال خلال زيارته الأخيرة لمصر: إن الخرطوم قبلت المبادرة المصرية الليبية لهدف مصلحة السودان واستقراره، رغم علمها أن هدف المبادرة هو التخلص من حكم الحركة الإسلامية للسودان.
بعبارة أخرى، هناك حساسية سودانية بشأن المواقف المصرية القديمة تجاه قادة الإنقاذ، وبناء عليها جاء التحرك السوداني أكثر تنسيقًا مع كينيا وواشنطن لتوقيع اتفاق «مشاكوس».
القاهرة تتحرك
ولأن مواصلة القاهرة غضبها وجفاءها تجاه الخرطوم سيضر مصر أكثر مما يضر الخرطوم فقد جاء التحرك المصري لاستيعاب ما حدث ومحاولة التأثير فيما هو أت في مفاوضات منتصف أغسطس.
وبالمقابل استوعبت الخرطوم الطلبات المصرية، وسعت لإعطاء مصر دورًا أكبر في جولة المفاوضات الثانية، وبادرت الخرطوم يطلب دور مصري في المفاوضات، ودور استراتيجي أكبر في المساعدة في إقناع الجنوب على البقاء في الوحدة وعدم الانفصال.
والملاحظة الجوهرية هنا أن مباحثات نائب الرئيس ووزير الإعلام السودانيين الأخيرة بالقاهرة انصبت حول هذا الهدف من دون مواربة، ومن دون الحديث عن خلافات علنية بين القاهرة والخرطوم حول الاتفاق.
وقد تفاعلت القاهرة مع الرسالة السودانية. حيث أكد أحمد ماهر -وزير الخارجية – عقب اللقاء، أن مصر تقف بقوة مع السودان الشقيق في مساعيه لتحقيق الاستقرار، وتقف مع وحدة السودان، ومع الشعب السوداني في سعيه من أجل تثبيت الوحدة في إطار سودان واحد قوي يتمتع فيه كل أبنائه بحقوقهم كاملة ويجنون جميعًا ثمار الثروة القومية السودانية.
وأكد المستشار الإعلامي السوداني بالقاهرة الخاتم عبد الله أن مبعوثي البشير سلما مصر نصوص اتفاقات الخرطوم مع حركة التمرد. ورسالة من الرئيس البشير تشرح ما تم، وتطلب مساعدة مصر في إنجاح المصالحة «لاحظ أنه لم يقل الانفصال».
كما أكد عثمان محمد طه - نائب الرئيس السوداني - في تصريح المجلة المصور الحكومية المصرية يوم ٢ أغسطس-أن الخرطوم تعرف أن مصر تتحفظ على مسألة تقرير المصير للجنوب وأنها حريصة على سودان موحد، وهي «تطلب من مصر مساعدة السودان على تكريس عوامل الوحدة في الجنوب بالمساعدة في تنميته ودمجه في السودان».
اعتراضات مصر على الاتفاق
الاعتراضات المصرية التي تم تسليمها لمبعوثي الخرطوم، والتي تم تسريب بعض تفاصيلها إلى الصحف المصرية، تتضمن أيضًا اقتراحات مصرية لتجاوز مشكلة اتفاق «ماشاكوس»، أبرزها أن تشارك مصر وليبيا في صياغة ورعاية اتفاق السلام، وأن هذه مسألة لا تنازل عنها.
أما أبرز الاعتراضات المصرية فتتلخص في:
أن انفصال الجنوب تهديد للأمن القومي المصري، والقاهرة بسعيها للتكامل مع السودان تريد التكامل مع سودان موحد لا مجزأ
أن انفصال الولايات الجنوبية الثلاث معناه انفصال مناطق أخرى مثل النوبة، وشرق السودان، وجبال ايبي بل والتأثير على انفصال مناطق أخرى في إفريقيا.
أن الاتفاق يعطي المتمردين حقوقًا أكثر من الشمال، ويعطيهم الحق في حكومة وجيش إقليمي وقبول معونات من الخارج ودستور منفصل واقتسام عائدات البترول مع الشمال. أي ممارسة صلاحيات دولة حتى قبل أن يفصل الجنوب.
أن تجزئة السودان وفق هذا الاتفاق جزء من مخطط واسع، لتفتيت الدول العربية والإفريقية على أسس دينية وعرقية وقبلية، وهو ما ترفضه مصر.
وبالطبع لم تتطرق الاعتراضات المصرية الرسمية لنقاط أخرى هي:
أولًا: تأمين الجنوب - سواء انفصل أم لا - من الوجود الإسرائيلي ان تخشى القاهرة أن يصبح الجنوب مرتعًا للصهاينة في حالة انفصاله وقد خرج المبعوثان السودانيان من لقاءات القاهرة يؤكدان وجود «تحفظ مصري واضح وهاجس كبير بشأن قضية تقرير المصير، وفصل الجنوب لأن قيام دولة في الجنوب معناه تمكين إسرائيل من الوجود هناك بما يعني تهديد الأمن القومي المصري».
ثانيًا: الانفصال معناه تهديد حصة مصر من مياه النيل، البالغة ٥٥ مليار متر مكعب مقابل ۱۸ مليار متر مكعب للسودان، خصوصًا أن حركة التمرد تتحفظ على الحصة المصرية الكبيرة وتطلب اتفاقًا جديدًا، كما أنها تريد بيع مياه النيل. والاستفادة منها على غرار ما تفعله تركيا، ولا ننسى هنا أن زعيم حركة التمرد جون جارانج نال درجة الدكتوراه من جامعة أبوا الأمريكية عام ۱۹۸۱ م عن أثر قناة جونجلي على المواطنين المحليين.
ثالثًا: الخوف من زيادة سيطرة الإسلاميين على الحكم في شمال السودان، حتى إن دبلوماسيًا غربيًا قال لوكالة الأنباء الفرنسية وإن مصر لا تخشى فقط أن يؤدي قيام دولة في الجنوب إلى مزاحمتها على المياه، وإنما تتخوف من أن يسفر ذلك عن قوة دفع للإسلاميين في شمال السودان.
وما يقصده هذا الدبلوماسي الغربي أن عدم استقرار الحكم في السودان الحكومة الإنقاذ التي ترفع شعار «الإسلام والشريعة» كان لمصلحة التوجه المصري الحاكم، مما دفعهم للاعتماد على مصر وطلب مساندتها، لكن حل مشكلة الجنوب وزيادة إنتاج النفط سوف يرفع من شأن وقوة السودان وحكومته، وهو ما يعني زيادة نفوذ الإسلاميين على حدود مصر الجنوبية.
بعبارة أخيرة جاء اتفاق «مشاكوس»، ليعيد العلاقات بين البلدين إلى نقطة الصفر بعدما تحسنت بيد أن تعامل القاهرة مع هذه الأزمة يتسم بالعقل حتى الآن والسعي الحماية الخرطوم من الانزلاق في أحضان أمريكا الشرهة لبترول السودان.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل