العنوان أدب وثقافة
الكاتب المحرر الثقافي
تاريخ النشر الأحد 26-يناير-1992
مشاهدات 62
نشر في العدد 986
نشر في الصفحة 42
الأحد 26-يناير-1992
صرخات في تيه العرب
بقلم: سليم عبد الرحمن الزغل
أولئك الجالسون في حلق الشعب من غير نداء
ولا بيعة، كالضيف الثقيل الآتي من غير دعوة ولا ميعاد، يتصرف في شؤون البيت بفضول
مفضوح، متغيبًا راعي البيت رغم حضوره مدعيًا أنه الأول والثاني والثالث وراعي
البيت بعد لم يأت.
أيها الأدعياء أينما كنتم من أين جئتم؟ من
الذي جاء بكم؟ ولماذا جيء بكم؟ هل جئتم من جرح الشعب ومن قهر الشعب كما قلتم؟
لا والله ما أتيتم من هناك، بل جئتم من أمكنة أخرى، ونزلتم في محطات
لم ينتظركم الشعب فيها يومًا.
أيها الجالسون في حلق الشعب من غير نداء
ولا بيعة، لماذا كنتم ومازلتم ملحًا أجاجًا في جراح الشعب؟ لا تقتاتون إلا بصراخه،
ولا تتنفسون إلا بعويله ونحيبه، ولا تنتشون وتطربون إلا على صوت السياط تلهب ظهره
صباح مساء، وأنتم في مخادعكم وعلى سرركم، وقد امتلأت بطونكم، وانتفخت جيوبكم،
وغيبت ضمائركم، ولم يكن لديكم في يوم من الأيام إلا ادعاء الثورة والثوار، فأين
أنت يا ثورة الثوار؟ وماذا جرى للتقدميين والرفاق؟ هل يا ترى
ما زالوا مصرين على أن العودة لن تكون بغيرهم، وأن القدس لن تفتح إلا في
ظل بيارقهم؟
أيها الثوار في كل مكان في الفنادق لا في
الخنادق، كما آمن الشعب يومًا.. في منتجعات الشتاء والصيف.. عفوًا لدخولي عليكم
بلا استئذان فقد قطعت عليكم حبائل أحلامكم في خلواتكم واستجماماتكم المستمرة
بلا انقطاع، ولكنها الغصة، أتدرون ما الغصة؟ إنها نبض صرخاتي من على شرفات
المنافي والاغتراب، أطلقها داوية مدوية تهز أرجاء الأرض، وترج أعماق
النفس، إنها الغصة في الحلق، أجل أيها الراقصون على جراحنا، أيها الثوار
الذاهبون إلى الرماد هل تذوقتم يومًا طعم الغصة في الحلق؟ سيكون الجواب
صمتًا، بل نفيًا، فتصورا القوافل شعب في أمة تجرعت الغصة أحقابًا دهرية
لقوافل شعب بشرية يقتات الغصة، يتجرعها ولا تكاد تسيغها.
أيها الثوار، أيها التجار، يا معشر السمار،
يا كل مخازي الأمس وكل العار.. إنني إن نسيت فلن أنسى طعم الغصة في حلوقهم
جميعًا، وهم يطردون من ديارهم فيخرجون منها وهم ألوف حذر الموت في رحلة الضياع
والتشتت والتبعثر في عام النكبة الأولى، يخرجون منها وكأنهم خلفوا وراءهم جبالًا
وفيافي من الأسى، واللوعة، والحسرة، والألم.
تركوا المرابع والديار ومدارج خطى الأطفال
ورفاة الآباء والأجداد في أجداثهم، الآباء شهدوا مصارع أبنائهم وهم يذودون عن
الدار، الأبناء شهدوا مصارع آبائهم فتجرعوها غصة علقمية في حلوقهم، ما كان لهم أن
يطعموا طعمها ومنظرها القاني، وعلى متن قافلة الألم واللوعة هذه لفظتكم أوكار
الخيانة العربية لتقفوا في طريق الأمة، وملأوا بكم مكانًا ظل شاغرًا حتى
لا يأتي صلاح الدين، أتذوقتم طعم الغصة هذه يا ثوار؟
استفتوا شيخكم.. من جاء به؟ من بايعه؟ ومن
وكله؟ وفي أي البرلمانات انتخب، بل من الذي انتخب مجلسه الوطني؟
يا شيخًا مهزومًا في الثورة، مطرودًا
من قلب الثوار، سترحل حتمًا وبكل سيوف النار
يا شيخا ثوريًا مرتدًا، قذفته إلينا أمواج
النيل في زمن الثورة والثوريين
وحملت إلينا أوزارًا، وأحلامًا
بالعودة، وحملت إلينا كل مآسي المرتدين
يا جبلًا منخورًا هشًا
من أرسل بالثورة والثوار في أيلول
إلى دبين؟
سيرنا أبناء بررة، وشيعنا الركب بأدمعنا.
وتقول لنا أنت الحادي والركب جهاد،
فيتوه الركب من الأغوار إلى جزين
ونعود نحدق في تيه ونلملم كل مآسينا، وننزح
صوب المنسيين
الثورة فرت من بيروت، والركب تمزق
أوصالًا بخناجرها، وبكل سيوف المرتدين
الحرم القدسي يلعنكم، والأرض الرحبة
والوادي، من شرم الشيخ إلى نعلين
أتبيعوا أرضا مروية بدماء ليست ثورية،
بل ببيارق عز الدين؟
أيها الجالسون في حلق الشعب من غير
نداء ولا بيعة
يا حيفا يا جرحي الدامل
يا عكا يا راية مجد خفاقة
يا قلعة عز في قلبي
سنعيد إليك الجزار
ونحرق كل ثياب العار
يا جوهرة، يا لؤلؤة في قلب محار
الليل بهيم، والفصل خريف
وشراع الأمس حرقناه في يوم القدس
ويبيعك شيخ الثوار
في قمر بدري دوار
أيها الرايات الأممية، في جنيف
وواشنطن، اجمدي لا تخفقي، فمراكب نصف من تشرين ليست من أرض فلسطين
مراكب نصف من تشرين، مهربة، مزيفة، ممسوخة
شهادة منشأها، كرايات التحرير العربية
يا صرخة أم في قبية، يا شهقة أخت في
الرملة، يا كل صراخ النسوة، في كل الأرض العربية
المعتصم الثوري في أرض الشهداء مع مجلسه
الوطني، مع ألف دعي قد يتم شطر البيت الأسود في خشوع وخنوع، وتلقي
صرخات نساء عربيات، وتزلزل عمق بوادينا،
وتجلجل أن وامعتصماه، لكن أبا جهل سافر، والعرب تفرق حاديهم، فارفق
بعبادك يا رباه
الجيل الآتي فوق النار، من كابول إلى
الأغوار، لن يترك ثغرًا مكشوفًا، أو صوت نشاز
في وطني، أو (رمزًا صعبًا) خوانًا، ما ازداد الناس به إلا
رهقًا، يا صوتًا ربانيًا يصرخ في قعر الوديان، ورجع صداء يمزق كل
سحائب النسيان، وألوية الرحمن تهادي والخطب جهاد.
الأمل
شعر: عبد الرزاق عناد العنزي
يا أخا الإسلام يا رمز البشائر
يا ضياء
الفجر رغم الجاهلية
إن تكن دارت على الحق الدوائر
فلنا في
صفحة المجد بقية
إن كانت قد عطلت فينا الشعائر
فشعور
الصدق تذكيه الحمية
إن يكن جرح الدعاة اليوم غائر
فقلوب
القوم مازالت فتية
إن يكن فينا بطيء العزم خائر
يعشق
الكأس وأفخاذ البغية
أو كغور قد أتى كل الكبائر
منكر تلك
الحياة الأخروية
أو جهول قد مضى في الدرب حائر
تائهًا لم
يدر ما معنى القضية
فلنا في ظلمة الليل ضمائر
تعشق
الموت وتزهو بالمنية
بقلوب مخلصات وسرائر
لم تكبلها
قيود دنيوية
يحذرون الذنب لو كانت صغائر
يتمنون
الجنان السرمدية
كم أبي بجــراح الكف سائر
يقتفي
آثار سعد وسمية
وفتى يمسك الراية ثائر
لم تروعه
جيوش بربرية
إنه الإسلام رغم الظلم صائر
لشموخ
والأمجاد بهية
هكذا فلنعـتبر أين البصائر؟
أين أرواح
نمت وهي زكية
ومضة
بعد أن انتهت الأوضاع في الجزائر إلى ما انتهت إليه، أحب أن أسجل
كلمة في هذا المضمار.
فقد تباينت الانطباعات فكتب أحدهم يصف نتيجة الانتخابات بأنها بداية
النهاية للديمقراطية، وقال آخر إنها دليل على هبوط مستوى الشعب، وتجرأ ثالث فعدها
انتكاسًا لمسيرة البشرية، ورجوعًا بها إلى الماضي السحيق.
ولست معنيًا بالدفاع عمن صوت الشعب لصالحه
بنسبة تزيد عن (٨٠%) لكن يهمني معرفة
الأسباب التي حدت بهؤلاء إلى التباكي على الديمقراطية، علمًا بأنهم ليسوا إلا
فلولًا لتلك الأنظمة التي ما أقامت يومًا للديمقراطية أي وزن، ولا اتخذت
منها إلا شعارًا للتضليل والاستهلاك.
وأعتقد أن كتاباتهم هذه ما هي إلا رد فعل
يعكس أثر الصدمة النفسية التي أصابتهم في الصميم من جراء انتصار الفكر الذي ظلوا
زمانًا يحلمون باندثاره، وإذا بهم يفاجَؤون بظهوره وارتفاع شأنه بصورة أذهلتهم،
وأفقدتهم صوابهم، وخيب آمالهم في جدوى الوسائل الكثيرة والأجهزة المختلفة التي
استخدموها لمحاربة التوجه الإسلامي في هذه الأمة؛ مما دفع أحدهم في غمرة خوفه على
الديمقراطية أن يطالب بتدخل الجيش لفرض الديمقراطية، نعم هكذا
لغرض الديمقراطية.
لا تعجب، فقد اعتمدت دولة كبرى -آلت
إلى السقوط حديثًا- على فكرة دكتاتورية البيروليستاريا التي تجبر الشعب على
تبني الفكر المفروض، وصبه في قالب واحد، وتعليمه كلمة واحدة هي نعم، ونعم فقط لكل
ما يصدر عن القيادة الديمقراطية الشعبية التاريخية الأزلية العمالية الفلاحية
العسكرية، التي لا تخطئ، ولا تسهو، ولا تنام، ولا تتبدل، ولا تترك القصر إلا إلى
القبر لظن وأودت هذه الفكرة البالية بال أولئك الحاقدين على المد الإسلامي
المتنامي، فإن الحسرة والمرارة ستعود إليهم سريعًا ان اعتبروا بما حل بالاتحاد
السوفيتي؛ لأنه في النهاية لا يصح إلا الصحيح، ولا يستمر إلا ما يلائم
الفطرة التي فطر الله الناس عليها.