العنوان مشروع قانون العقوبات الإسلامي الواقع والتحديات
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 28-نوفمبر-1978
مشاهدات 84
نشر في العدد 421
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 28-نوفمبر-1978
الخطوة الموفقة التي أقدمت عليها الحكومة في الأسبوع الماضي حينما أعلنت على لسان وزير الدولة للشؤون القانونية والإدارية الشيخ سلمان الدعيج عن مشروع قانون العقوبات يستمد أحكامه من أحكام الشريعة الإسلامية، تعد منعطفًا هامًا في تاريخ الكويت وحدثًا ينبغي تسجيله بكل تفاؤل بمستقبل أفضل للكويت وأهله .
لكن اهتمامنا بهذا الحدث الفريد يجب ألاينسينا أبدًا المنطق السليم في معالجة الأمور، وحكها بمحك الواقع و دراستها دراسة واعية متلبثة حتى لا يحاسب غيرنا على جريرة أخطاء ارتكبناها نحن وحتى لا نقع مستقبلًا ضحية متغيرات يمكننا
الآن ضبطها وتوجيهها التوجيه السليم .
هذا المنطق في دراسة الأمور يفرض علينا أن نعمل بمبدأ- الدين النصيحة- وأن نبادر إلى ذكر ما يجول بخاطرنا بشأن هذه القضية الهامة لعلنا نسهم بدورنا في دفع هذه الخطوة الرائدة إلى الأمام .
-المشروع يواجه التحديات-
أولى هذه التحديات هو ما تشيره بعض الجهات وخاصة الصحف الغربية المتتبعة للأوضاع السياسية من شبهات بخصوص موجة الرجوع إلى تحكيم الشريعة الإسلامية في دولنا وأنها ما هي إلا محاولة لاستيعاب الشعور الديني ومواجهة التيارات اليسارية في المنطقة والدليل على ذلك أنها تقتصر في غالب الأحوال على قانون العقوبات دون غيره فقط .
هذه الشبهة تعد تحديًا حقيقيًا يفرض على الحكومة :
أولًا: أن تبادر سريعًا الى الاخذ بالنظرة الشمولية للإسلام، وأن الشريعة الإسلامية لم تأتي للعقاب فقط، لكنها جاءت أساسها لترسم للناس مناهجًا للحياة بكافة جوانبها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتشريعية مناهجًا تتكاتف فيه التوجيهات الإيمانية النابعة من تربية الأفراد على مراقبة الله مع القوانين الضابطة للعلاقات بين الفرد والجماعة أو بين الأفراد أنفسهم أو بين الجماعة وغيرها من الجماعات الاخرى
مناهجًا يقوم الحياة الاجتماعية ومن حاول الشذوذ عنه بارتكاب جريمة زنا أو قذف أو غيره عوقب بموجب قانون العقوبات الإسلامي سواء كان العقاب دنيويًا أو أخرويًا مناهجًا يقوم الحياة الاقتصادية ومن حاول الشذوذ عنه باستغلال الحق العام للناس سواء بالاحتكار أو الغش أو التعامل بالربا أو سرقة المال العام عن طريق التلاعب بالمشاريع العامة التي تخص عموم الشعب أو غيرها عوقب بموجب قانون العقوبات الإسلامي سواء كان العقاب دنيويًا أو أخرويًا .
مناهجًا يقوم الحياة السياسية ومن حاول الشذوذ عنها بالتعامل مع الكفار أو المرتدين .
أو الأعداء من أهل الكتاب أو عطل نظام الشورى واستبد برأيه أو غيره عوقب بموجب قانون العقوبات الإسلامي سواء أكان العقاب في الدنيا أو الآخرة .
إذن فالاصل في التشريع الإسلامي أنه جاء ليرسم للناس منهجًا متكاملًا أهدى عناصره الهامة ما فيه من عقوبات رادعة تقوم من أراد الشذوذ عن هذه المناهج لانحراف في شخصه أو سلوكه أو تفكيره .
هذه النظرة الشمولية تجعلنا نتساءل: هل نحن مستعدون لرد هذه الشبهة ودحضها بمعنى هل نحن مستعدون :
لإعادة صيانة مناهجنا التربوية والإعلامية بصورة أساسية وجذرية لتسهم في ترسيخ الاتجاه الإسلامي لدى الجيل الجديد والشعب بشكل عام؟
للبدء في إعداد مشاريع قوانين تقضي على كثير من الأمراض الاجتماعية والاقتصادية والسياسية .
فتحرم الربا مثلا وتشجع بيوتات المال الإسلامية ..
وتمنع الاحتكار وتقضي على المآسي الاجتماعية والاقتصادية المترتبة عليه مثل أزمة السكن وغلاء المعيشة وانخفاض المستوى المعيشي لكثير من الأسر.. إلخ .
وتشيع جو من العدالة والأمن يطمئن فيها الشعب إلى أن يد الفقير لن تقطع في حين أن كثير من الأيادي الغنية تعبث بأموال الأمة ولا تطالها طائلة القانون .
وتشيع جو من الحرية يتيح للمواطن المسلم أن يعبر عن رأيه دون أن يخشى في الله لومة لائم .
ثانيًا: وإذا نظرنا لقانون العقوبات الذي أقر الآن كأمر واقع فإن دحض هذه الشبهة يقتضي من الحكومة أن تكون على وعي تام أن كثير ممن استبشروا بهذه الخطوة المباركة يأملون أن تصل يد القانون الإسلامي كما أراد لها الله - جل وعلا- إلى كثير ممن غفل قانون العقوبات السابقة عن تجاوزاتهم وعبثهم بأموال الشعب على موائد القمار وحفلات الرقص المختلطة وأكلهم لكثير من حقوق الناس المعيشية بغير وجه حق لهم.
ذلك لأن قطع يد سارق واحد من عامة الشعب يجب أن يسبقها قطع لأيادي كثيرة قدر لها أن تضع أيديها على هذه الأموال والمنافع المعيشية العامة، وإلا فسوف يصيبنا الهلاك الذي أشار إليه الرسول - صلى الله عليه وسلم- إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد.
أو كما قال :
الإعلام والتحدي الثاني- ثاني هذه التحديات التي تواجه الحكومة الهجمة الإعلامية التي بدأت تشنها بعض الصحف اليومية ضد التوجه الإسلامي في مشاريع القوانين الجديدة، التي تضع الحكومة أمام واقعين:
واقع أنها فعلا اختارت هذا التوجه الاسلامي في مشاريع قوانينها لمسايرة التيار الشعبي الإسلامي وأنها غير مقتنعة تمامًا بجدوى الأخذ بمبادىء الشريعة الإسلامية، وبالتالي فإن هذه الصحف ترجو أن تثنى الحكومة عن عزمها على صياغة القوانين صياغة إسلامية.
أو أنها اختارت هذا التوجه كنوع من التعبد الله وحمدًا له على نعمه وطاعة لأوامره، وهذا الواقع يقتضي من الحكومة أن تبادر فتقطع ألسنة السوء تلك وتحجر على حريتها الصحفية فإنه إذا كان الحجر على مال السفيه أو المجنون من قواعد النظرية الاقتصادية الاسلامية فإن الحجر على حرية الصحيفة التي تنشد الهدم وتقويض أركان المجتمع الإسلامي أولى وأجدر بالعناية ..
هذه بعض التحديات وأهمها في وقفة سريعة لنا مع هذه الخطوة الطيبة التي أقدمت عليها حكومة الكويت نرجو أن تسهم في وضع تصور سليم عما يجب أن يتبعها من خطوة في طريق السعادة التي ننشدها جميعًا.