العنوان صفات الداعية المسلم
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 10-أبريل-1979
مشاهدات 81
نشر في العدد 440
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 10-أبريل-1979
ضمن الموسم الثقافي الذي نظمته اللجنة الثقافية بجمعية الإصلاح الاجتماعي، ألقى الدكتور محمد محمد أبو شهبة محاضرة بعنوان «صفات الداعية المسلم»، نورد هنا موجزًا لها.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الذي خاطبه الله بهذا الخطاب العظيم. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾ (سورة الأحزاب: 45- 46). والصلاة والسلام على آله وأصحابه وأتباعه ومن نهج منهجه إلى يوم الدين.
أما بعد فيا أيها السادة والإخوان والأبناء، أحييكم بتحية الإسلام فأقول السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الدعوة إلى الله هي أشرف وظيفة إنسانية، لأن الدعوة إلى الله وظيفة الرسل الأولى، وقد سمعتم خطاب الله لنبيه صلى الله عليه وسلم فقد ذكر بعد البشارة والنذارة أنه داعية إلى الله. ولذلك يعد الدعاة إلى الله على إرث من إرث النبوة. ليست الدعوة إلى الله في الإسلام وظيفة دنيوية، ولا منصبًا، وإنما هي أمر واجب على كل مسلم، وعلى المسلمين أن يعينوا من بينهم فئة عالمة قادرة على نشر الإسلام في بلاد المسلمين وغير بلادهم.
الداعية إلى الله في بلاد الإسلام، يبين محاسن الشريعة وفضائلها، ويدعو الناس في أول ما يدعو إلى التنفيذ، والإيمان بالرسل، والإيمان باليوم الآخر، وبذلك يثبت عقائد المؤمنين.
إن مما يؤسفني أن أقول لكم إن غيرنا من أصحاب الديانات الأخرى، وهي ديانات ما عاد لها مكان في الدنيا بعد مجيء الإسلام، ولكنهم مع هذا فإنهم يقومون في سبيل الدعوة إلى أديانهم بما لا تقومون به.
وأنه، والله لأمر يؤسف له، أن يعملوا على دفع باطلهم أكثر مما نحن نعمل على دفع حقنا.
ولولا أن الإسلام دين إلهي، قوي بعقائده وبتشريعاته وبعباداته وبأخلاقياته لما بقي هناك إسلام، لأن الإسلام من يوم أن بعث الله به النبي، بلي بعداوات كثيرة، عداوات المكذبين، عداوات المنافقين، عداوات اليهود، ثم بلي بعد ذلك بعداوات الزنادقة زنادقة اليهود والفرس ثم التتر. ثم يلي بعد ذلك بالصليبية التي مازالت حتى الآن، لم تنته، ولكنها اتخذت شكلًا أخر. كانت حربًا عسكرية معلنة، وأصبحت الآن دهاء وسياسة.
ولا أكتمكم أن المستعمرين وأعداء الإسلام نجحوا، ولكن إلى حد ما، فقد كان لسمو تعاليم الإسلام صخرة تكسرت عليها رؤوس هؤلاء.
إذا أردنا أن نبين صفات الداعية، فما هي هذه الصفات؟
لا أريد أن أبتعد عن القرآن والسنة والسيرة، وسأجعل استدلالاتي كلها من هذه المصادر.
أول صفة لا بد منها للداعية إلي الله هي الإيمان، والإيمان ليس كلمة لبنة. وإنما هي كلمة عميقة الجذور، ومتشعبة الفروع. الإيمان بالله، الإيمان بالرسالة وبالرسول، الإيمان بأننا أفضل أمة أرسلت للناس، وأن القيادة في العالم ينبغي أن تكون لهذه الأمة، الإيمان باليوم الآخر وما فيه من نعيم مقيم ومن عذاب الجحيم.
ولن أكثر من ضرب الأمثلة، لأني لو أكثرت منها لما فرغت من هذه المحاضرة، ولكني سأكتفي بمثال أو مثالين لكل أصل من هذه الأصول.
الإيمان بالله لا بد أن يكون أول صفة يتحلى بها الداعية، وأن الله بيده الكون كله، وبيده النصر والتوفيق. لا بد لكل داعية أن يعتقد هذا، سأضرب لكم مثلين من السيرة النبوية، سيرة الداعي الأكبر والأول رسولنا صلى الله عليه وسلم.
لما سعى المشركون إلى أبي طالب شيخ قريش بعد أن يئسوا من وسائل الإيذاء للمسلمين وللنبي عليه الصلاة والسلام ومن وسائل الإغراء أيضًا، سلكوا مسلكًا آخر، وهو مناشدة أبي طالب. وذهب وفد كبير من زعماء قريش إلى أبي طالب. وقالوا له: يا أبا طالب: «أما أن تسلمنا ابن أخيك وإما أن تنازلك». وحينئذ ستكون حرب أهلية مدمرة. وأبو طالب هو النصير الوحيد له من قوم النبي، وكان رجلًا مهيبًا، وقد جعله ردءًا للنبي على كفره، وعرض أبو طالب الأمر على النبي الذي قال له قولته المشهورة، عن إيمان لا حدود له:
«والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه».
ثم مضى لحاله وقد استعبر وبكي.
لم يبك النبي حزنًا على نفسه، إنما حزنًا على الدعوة. ولم يبك النبي قط إلا هذه المرة ويوم مات ابنه إبراهيم. لم يبك حين أحاطت به جحافل الشرك.
وشده أبو طالب من هذا الإيمان الخارق، فقال للنبي يا بن أخي تعال. فجاء النبي، فقال له: لن أسلمك إليهم أبدًا، فأمض في دعوتك.
ومضى النبي في دعوته كما شاء ربه وأراد.
الموقف الثاني حين وقفت مكة عقبة كؤودا بعد عدة سنوات من الدعوة، فرأى النبي أن ييمم وجهه شطر الطائف، عسى الله أن يهديهم إلى الإسلام، وثقيف كانت فيهم شدة وغلظة، فلم يستجيبوا للرسول. وأغروا به الصبيان والسفهاء الذين صاروا يضربونه بالحجارة، فدميت عقب النبي صلى الله عليه وسلم، وسال الدم الذكي على أرض الطائف، حتى لجأ النبي إلى بستان، ودعا فيه بدعاء لم أجد له مثيلًا، لا عن نبي سابق، ولا عن أحد فيما بعد.
توجه إلى الله فقال:
أنت ربي ورب المستضعفين. اللهم.. إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي، وهواني على الناس. أنت ربي وأنت رب المستضعفين. إلى من تكلني؟ إلى عدو يتجهمني؟ أم إلى غريب ملكته أمري. ثم توجه إلى الله فقال: إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي. اللهم إني اسألك بنور وجهك الذي أشرقت له السماوات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن تنزل بي غضبك، أو يحل بي سخطك. لك العتبى حتى ترضى. ولا حول ولا قوة إلا بالله».
إيمان يزلزل الجبال، بل يجعل الحجارة الصماء تتأثر بهذا الدعاء.
ثم أشار المحاضر إلى الإيمان بالجنة ودوره في جعل الداعية يوقن أنه إذا استشهد فإنما ينتقل من دار الفناء إلى دار البقاء.. وضرب أمثلة لهذا الإيمان من حيوات الصحابة رضوان الله عليهم.
الصفة الثانية من صفات الداعية هي قوة القلب ورباطة الجأش. فالداعية الذي يتملكه الخوف لا يقدم على القتال. أكبر مثل لهذا الداعية الأول في بيعة العقبة حين طلب من بايعوا الرسول على الإسلام أن يرسل معهم من يعلمهم القرآن، ومن يصلي بهم، فأرسل النبي معهم مصعب بن عمير وعبد الله.
لقد أجاد النبي الاختيار، فمصعب بن عمير كان من أشراف بني عبد الدار، آثر الفقر مع الإسلام، على النعيم الذي كان فيه، حتى كان النبي يصفه بقوله: ما رأيت لمة أحسن من مصعب بن عمير ولا أنعم نعمة من مصعب بن عمير.
ولما ذهب مصعب صار يدعو إلى الله وإلى الإسلام، فكان أول داعية خرج إلى المدينة قبل الهجرة.
وعرض المحاضر لدعوة مصعب لأسد بن حضير وسعد بن زرارة، وكيف قابلهما بقلب ثابت، ونفس واثقة مطمئنة.
أما الصفة الثالثة فهي التضحية بالمال والنفس والأهل والولد، وضرب الدكتور أبو شهبة أمثلة لتضحيات الصحابة بأنفسهم، وبذلهم الأموال في سبيل الدعوة.
والصفة الرابعة هي العلم: العلم بالقرآن حفظًا، وتجويدًا، وعلمًا، وعملًا، وسلوكًا. فالقرآن هو صاحب الدور الأكبر في نشر الدعوة الإسلامية.
سواء أكان داعية في بلاد المسلمين أم في غيرها من البلدان، فلو كان الداعية الذي يصلي بالناس يقرأ عليهم السور القصار فحسب، فهذا أمر غير مقبول، ولذلك كان الداعية الأول من حفظة القرآن. ولما أراد النبي أن يرسل الدعاة إلى نجد وما حولها أرسل القراء.
وكذلك حفظ السنة، والأحاديث الكثيرة، ومعرفة الموضوع منها من الصحيح. لأن في الغرب فئة همها إدخال الشبه على الإسلام، وفي مقدمتها فئة المستشرقين الذين حاولوا الطعن في الإسلام.
هذا عدا عن العلوم الإنسانية كعلم النفس، والتاريخ، والاجتماع، وعلم الفلسفة والمنطق والمجادلة، فهناك أناس مهمتها إعداد الشبه، فلا بد للداعية من مواجهتهم بأساليبهم نفسها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل