; صفحات من دفتر الذكريات (63) بين المغرب والجزائر ١٩٦٢ - ١٩٦٣م | مجلة المجتمع

العنوان صفحات من دفتر الذكريات (63) بين المغرب والجزائر ١٩٦٢ - ١٩٦٣م

الكاتب الدكتور توفيق الشاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 05-سبتمبر-1995

مشاهدات 61

نشر في العدد 1165

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 05-سبتمبر-1995

  • إن الهجوم على «الإخوان المسلمون» منذ عهد فاروق ومن بعده، لم يكن لأهداف داخلية، وإنما كانت تلح عليه القوى الأجنبية.

كان أول ما استفدته من إقامتي في المغرب هو أنني كنت قريبًا من الجزائر، واستطعت أن أتابع أحداث الثورة الجزائرية وأتتبع أخبارها ولكن من بعيد، وخاصة عن طريق سفير الحكومة الجزائرية هناك، صديقي الدكتور: شوقي مصطفاي، الذي تعرفت عليه في باريس أثناء إقامتي بها، وكنت ألتقي معه أسبوعيًّا، وكنا نتحدث عن تطورات الثورة الجزائرية ومستقبلها، وكان أملنا أن تنجح هذه الثورة، ومن حسن الحظ أن مرور الأيام كان يبشر بنجاحها، وكنا نتابع أخبار الشهداء الذين نعرفهم، والذين كان لهم دور خاص مثل العربي المهيدي، الذي كان إعدامه نقطة تحول في الثورة الجزائرية، لأنه زاد فياشتعال الثورة وإظهارها.

كان أعضاء الحكومة الجزائرية المؤقتة يأتون إلى المغرب كثيرًا، وخاصة رئيس الحكومة عباس فرحات الذي لم يكن لي به آية علاقة شخصية، ولاحظت أن اختياره روعي فيه أن يكون مقبولًا في الرأي العام الفرنسي، نتيجة للحملة الإعلامية التي روجوها له في عام ١٩٤٦م، باعتباره يؤيد اندماج الجزائر في الاتحاد الفرنسي.

فهمت من الدكتور مصطفاي أن العلاقة بين المغرب والحكومة الجزائرية المؤقتة تتحسن يومًا بعد يوم، وأن القضية الأساسية في هذه العلاقات هي مطالبة بإقليم «تندوف» وهي منطقة كانت جزءًا من المغرب، ولكن الفرنسيين ضموها للجزائر قبل استقلال المغرب بمدة قصيرة في عام ١٩٥٤م، والمغاربة يعتبرون أن لهم الحق فيها، وطبعًا كانوا يتحدثون مع الجزائريين بشأنها، وفي هذا الوقت كان الجزائريون يتمنون الاستقلال، وكانوا يقولون للمغاربة إنهم لا يجدون مانعًا في أن تقع تسوية بينهم وبين المغرب في هذه القضية، لكن بعد الاستقلال. ويظهر أن المغاربة اعتبروا أن ذلك كان وعدًا من الحكومة الجزائرية المؤقتة بأن هذا الموضوع سيحل لصالحهم، ولذلك كان الجزائريون يتمتعون بامتيازات كثيرة على الحدود الجزائرية المغربية، وكانت لهم هناك قوات تتدرب وتتسلح، وطبعًا كان الفرنسيون يحتجون من حين لآخر، ولكن المغرب كان مصممًا على مساعدة الجزائريين، وكان الملك محمد الخامس يأمر بأن تقدَّم لهم جميع التسهيلات الممكنة، وكانوا سعداء بذلك، وكان من أثر ذلك أن تونس كانت تضطر إلى أن تعمل نفس الشيء لكي تنافس المغرب في التقرب من الجزائريين، وكان هناك أيضًا جيش جزائري في تونس مهمته أن يساهم في تغذية الثورة بالأسلحة والأموال والدخول والخروج، وكان الفدائيون يخرجون ويدخلون إلى الجزائر من المغرب وتونس و يحملون الرسائل و الإمدادات وما إلى ذلك. 

ومن ناحية أخرى كنا نتابع أخبار الزعماء الجزائريين المعتقلين في فرنسا، وكانت أخبارهم تدل على تحسُّن في معاملتهم حتى قيل إنهم ليسوا في سجن إنما نقلوا إلى إقامة جبرية في وسط فرنسا، وكان كثير من المغاربة يحصلون على الإذن من الحكومة الفرنسية بزيارتهم وغير المغاربة كذلك، ولكن طبعًا بإذن من وزارة الداخلية الفرنسية التي تعطي التصريح بالمقابلة. 

دعاني شوقي مصطفاي أن أذهب معه في رحلة إلى طنجة، حيث استقبلنا زوجتَيْ: محمد خيضر، وحسين آية أحمد وأولادهما، وقد علمت أن أزواجهم نصحاهم بأن يذهبوا إلى المغرب ويقيموا في «تطوان» حيث لهم أقارب هناك، وأنهم سيكونون أقرب إلى فرنسا. 

مفاوضات إفيان

لقد كنت أحب لقاءاتي مع شوقي مصطفاي وأصدقائه الجزائريين الذين كانوا يترددون على المغرب ويقيمون فيها، وكنا نتكلم دائمًا عن آمالنا بالنسبة للجزائر واستقلالها في مستقبل قريب، وعندما بدأت مفاوضات «إفيان» كنا نتتبع أخبارها، وكان هذا تطورًا مهمًّا لأنه ظهر أن ديجول قَبِل مبدأ استقلال الجزائر، وكانت المفاوضات والمناقشات موضوعها بعض الشروط والضمانات التي تطالب بها فرنسا في مرحلة الاستقلال، وكان صديقي الدكتور شوقي مصطفاي يقضي وقته في القراءة، وكانت هوايته صيد السمك، وكان يخرج إلى الشواطئ القريبة والبعيدة مع بعض إخوانه لصيد السمك، وذهبت معه إلى بعض الأماكن في الصيف، وكانت تأتيني رسائل في المغرب من محمد خيضر وزملائه، وكانوا يتابعون الكتابة إليَّ ورسائلهم كانت تأتيني بالبريد العادي في بعض الأحيان مباشرة أو طريق الرسائل التي يرسلونها إلى أُسرهم. 

في سنة ١٩٦٢م بدأت المفاوضات بين الجزائريين والفرنسيين في «إفيان» بعد أن اقتنع ديجول بضرورة الحل السلمي عن طريق التفاوض، وقبل مبدأ الاستقلال وتصفية الوجود الفرنسي، مما أدى إلى اتفاقيات «إفيان» المشهورة، ونفذتها فرنسا تنفيذًا حرفيًّا، وكانت أول خطوة هي إنشاء حكومة انتقالية تضم وزراء جزائريين وفرنسيين، وكان يرأسها السيد مصطفاي، وكان عمًّا لشوقي مصطفاي، والذي رشحه الحكومة الجزائرية المؤقتة التي كانت في الخارج، وأعتقد أن ترشيحه كان بناءً على اقتراح بن بيلا، لأن العلاقات بينهما كانت مستمرة عن طريق مدير مكتبه الطالب الشاب محمد الخمستي الذي اختاره بن بيلا بعد ذلك أول وزير خارجية في حكومته، وكان هذا الاختيار محل دهشة كثيرين من زعماء جبهة التحرير لصغر سنه وقلة خبرته، لأنه كان طالبًا ترك دراسته في فرنسا قبل أن يتمها تنفيذًا لأمرٍ أصدرته جبهة التحرير لجميع الطلاب الجزائريين في فرنسا في ذلك الوقت، وقد انتهى الأمر باغتياله قبل أن يتم عامًا في منصبه.

كانت مهمة هذه الحكومة الانتقالية هي أن تستلم الإدارة من الفرنسيين وتسلمها للحكومة الجزائرية في مرحلة الاستقلال، وكان من ضمن شروط اتفاقية «إفيان» أن الفرنسيين الذين يريدون الخروج من الجزائر يخرجون، وفعلًا خرج أكثر المعمرين أو الاستعماريين الذين كانوا في الجزائر سواء كانوا هناك بصفة موظفين في الإدارة، أو بصفة ملاك للأراضي يستغلونها، وتركوا أملاكهم ومساكنهم، وكان التنافس بين الجزائريين على الاستيلاء عليها له دور كبير في إحداث فتن داخلية واجتماعية، وفساد أخلاقي، أعتقد أنه ساهم إلى حد كبير في سخط الشعب على حكومات جبهة التحرير.

ميثاق طرابلس

أُفرج عن المعتقلين الجزائريين وأولهم بن بيلا وأصحابه، فجاءوا للمغرب ثم ذهبوا إلى مصر، وفي طرابلس ليبيا شكلت الحكومة الجزائرية المؤقتة بناء على اقتراح بن بيلا لجنة لإعداد ميثاق وطني سمي «ميثاق طرابلس»، وكان معه مجموعة من اليساريين الذين يريدون جعل هذا الميثاق وسيلة ليكون لهم دور توجيهي في سياسة الجمهورية الجزائرية بعد استقلالها، وكان الغرض من هذا الميثاق تحديد سياسة الحكومة الجزائرية على أساس اشتراكي يساري أو علماني بصورة تُطَمئن الفرنسيين على مصالحهم وعلاقتهم مع الدولة الجزائرية الجديدة، لذا رفعوا شعار الاشتراكية الذي يتضمن في نظرهم الإلحاد العلمي، وبذلك اتخذت الاشتراكية شعارًا ونظامًا مقبولًا لدى القوى الأجنبية، لأنه يمكن اتخاذه وسيلة لاستبعاد الإسلام، بل والعروبة عند الاقتضاء، وقد وضع هذا الميثاق أحمد بن بيلا وحوله جماعة من المثقفين الجزائريين اليساريين الذين ترضى عنهم العناصر الاشتراكية في فرنسا، ولهم صداقات مع الأحزاب اليسارية في أوروبا والاتحاد السوفييتي، وكان من الواضح أنه كان لهم علاقة وثيقة ولقاءات متعددة مع بن بيلا في فترة الإقامة الجبرية في فرنسا، كما فهمت أن عددًا منهم من الاشتراكيين والشيوعيين الفرنسيين الذين كانوا يقومون بدور من الدعاية للقضية الجزائرية في فرنسا في الرأي العام والصحافة، أو من المحامين الذين كانوا يقومون بالدفاع عن الجزائريين الذين يحاكمون في الجزائر أو في فرنسا، وكان هذا الاتجاه الاشتراكي يرضي مصر في ذلك الوقت نظرًا لأنها كانت ترفع شعار الاشتراكية والتحول الاشتراكي، وكانت تحارب «الإخوان المسلمون» ومن يدافعون عنهم بحجة أنهم أعداء الاشتراكية، ومن أجل ذلك كانت العلاقات بين بن بيلا واليساريين الفرنسيين تحظى بتأييد المخابرات الناصرية التي كانت تدفع الطرفين لمهاجمة الإسلام والإسلاميين لتبرير سياستها ضد الإخوان. 

بعد أن دخلتُ الجزائر مع بن بيلا وجماعته اكتشفت تدريجيًّا -ولكن بعد فوات الأوان- دلائل أقنعتني بأنهم مؤيدون من قبل مخابرات الحكم الناصري وحكومة المغرب وفرنسا، ومن عناصر جزائرية من جماعة عباس فرحات، واليساريين من اشتراكيين وشيوعيين وقوميين، ولاحظت -كذلك تدريجيًّا-أن الاتجاه الإسلامي لم يكن له أي دور في هذه المجموعة. 

إنني ذهبت لأنني كنت قد تعهدت لهم بذلك منذ عام ١٩٥٦م، وكان أملي أن أستطيع وضع النصوص الدستورية التي تشير إلى الطابع العربي والإسلامي للجزائر المستقلة، ونسيت أن هذه الجهات التي ساعدت بن بيلا وجماعته لكي ينفرد بالسلطة لن تسمح بذلك، كما نسيت أنهم -رغم علاقتي الشخصية بكثير منهم- سوف يفضلون علاقتهم مع مصر، وفرنسا، ومع الاشتراكيين الفرنسيين، والسوفييت، واليساريين عمومًا على علاقتي بهم، لأنني لا أمثل قوة سياسية فاعلة، بعد أن تم ضرب «الإخوان المسلمون» وتفتيتهم في مصر منذ عام ١٩٥٤م.

إنني موقن منذ زمن طويل أن الهجوم على الإخوان منذ عهد فاروق ومن بعده لم يكن له أهداف داخلية في مصر كما يدعون، بل كانت تلح عليه قوى أجنبية منها فرنسا وبريطانيا والصهيونية العالمية، لأن قوة الإخوان كانت تهدد خططهم ومصالحهم في كثير من الأقطار العربية والإفريقية في مرحلة تصفية الاستعمار، التي كانت في نظرهم مجرد مرحلة للتحول من أساليب الاستعمار القديم إلى الاستعمار الجديد، الذي يعتمد في نظرهم على النفوذ الثقافي والإعلامي والاقتصادي، والذي تبيَّن أنه يمكِّنهم من السيطرة على الدول والحكومات الوطنية أكثر مما كانوا يتوقعونمن قبل .

(*) أستاذ القانون الدولي السابق- بجامعة القاهرة

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل