; صفحات من دفتر الذكريات (67) جاءوا من الغرب 1962م | مجلة المجتمع

العنوان صفحات من دفتر الذكريات (67) جاءوا من الغرب 1962م

الكاتب الدكتور توفيق الشاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 03-أكتوبر-1995

مشاهدات 72

نشر في العدد 1169

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 03-أكتوبر-1995

كانت جبهة التحرير الوطني الجزائري التي قادت الثورة حتى النصر قد أنشأت الحكومة الجزائرية المؤقتة في القاهرة لتمثلها رسميًا في المعترك الدولي وحصلت لها على اعتراف الدول العربية وبعض الدول الصديقة، وهي التي كانت تمثل الجبهة في المفاوضات مع فرنسا، وعقدت معها اتفاقية «إفيان» التي تعهدت فيها الحكومة الفرنسية بالاعتراف باستقلال الجزائر، وتسليم السلطة لهذه الحكومة الجزائرية بإجراءات معينة، ومنه تشكيل حكومة انتقالية يرأسها جزائري تثق فيه فرنسا هو السيد: مصطفاي، وكانت حكومته تضم وزراء يمثلون الجالية الفرنسية إلى جانب الوزراء الجزائريين، على أن تسلم هذه الحكومة الانتقالية السلطة للحكومة الوطنية عقب انتقالها للجزائر العاصمة. 

وبينما كانت هذه الحكومة المؤقتة تدرس إجراءات انتقالها للعاصمة الجزائرية قادمة من القاهرة أو طرابلس أو تونس من جهة الشرق، كانت أجهزة المخابرات الفرنسية ترسم الخطة لكي يدخل بن بيلا وجماعته قادمين من «الغرب» عن طريق الرباط ثم وجدة وتلمسان، وأن يسبقوا الحكومة المؤقتة التي كان يرأسها في ذلك الوقت يوسف بن خدة، والهدف هو تسليم السلطة لجماعة بن بيلا بدلًا  من حكومة بن خدة، ولو كان ذلك يؤدي إلى انقسام جبهة التحرير ووقوع حرب أهلية - هذا هو ما اكتشفته بكل أسف «بعد فوات الوقت». 

ولا شك أن فرنسا لم تكن وحدها في إعداد هذه الخطة ولا في تنفيذها، بل إن الوقائع تدل على أنه كان لها شركاء في المخابرات المصرية والمغربية.

لقد كنت أنا وكثيرون غيري ممن سعدوا بوصول بن بيلا ورفاقه إلى العاصمة المغربية، وخاصة الجماهير الحاشدة التي ملأت الشوارع لتهتف للزعماء الذين هزموا الاستعمار الفرنسي، وحققوا لبلادهم النصر، وهم معتقلون داخل السجون الفرنسية لمدة ست سنوات، كانت هذه الجماهير تعتبر زيارتهم للمغرب تكملة للرحلة التي بدأوها من القاهرة عام 1956م متجهين للمغرب لزيارته استجابة للدعوات الكريمة التي وُجهت من الملك محمد الخامس، والتي لم تتم بسبب اعتقال فرنسا لهم في الطريق. 

دور المخابرات الفرنسية

وإذا كانت القرصنة قد مكنت المخابرات الفرنسية من اعتقالهم وسجنهم ست سنوات، فإن الجهاد الجزائري قد استمر يقوده زملاؤهم في جبهة التحرير الوطني في داخل البلاد وخارجها، منهم من قضى نحبه شهيدًا، ومنهم من واصلوا الكفاح حتى شكلوا حكومة جزائرية في المنفى مقرها القاهرة، وهذه الحكومة المؤقتة هي التي حققت للجزائر النصر الذي اعترف به الفرنسيون في معاهدة «إفيان»، وها هم الزعماء الأسرى قد أُفرج عنهم تنفيذًا لهذه المعاهدة وجاءوا إلى المغرب لإتمام الزيارة التي حال دون تمامها اعتقالهم وسجنهم، كل ما هنالك أن إتمام هذه الزيارة تم بدعوة من الملك الحسن الثاني بعد وفاة والده العظيم الذي وجه لهم الدعوة الأولى عام 1956م. 

لم يدر بخلد واحد ممن هتفوا لموكب بن بيلا ورفاقه في شوارع الرباط، ولا من كتبوا في الصحف ونشروا صور الموكب، أنه كان للزيارة هدف آخر وهو أن يسبقوا الحكومة الجزائرية المؤقتة إلى دخول الجزائر، ثم الوصول إلى العاصمة لاستلام السلطة، ويضعوا زملاءهم وإخوانهم في الحكومة المؤقتة أمام أمر واقع لا مفر منه، إلا إذا رفعوا السلاح في وجوههم، وبدأت حرب أهلية تسير فيها دماء الجزائريين بأيدي إخوانهم ومواطنيهم.

’’المخابرات الفرنسية رسمت خطة دخول بن بيلا وجماعته من المغرب ليسبقوا الحكومة المؤقتة في الاستيلاء على السلطة بهدف انقسام الجبهة ووقوع حرب أهلية‘‘

لقد كنت من بين السذج الذين غابت عنهم هذه الحقيقة فترة طويلة، لكنني اكتشفتها تدريجيًا ومتأخرًا، بعد أن ركبت السيارة مع بن بيلا وصديقه محمد خيضر، وقطعنا الطريق الطويل من الرباط إلى وجدة، بل بعد أن وصلنا فعلًا إلى تلمسان في غرب الجزائر، وعقد بن بيلا مؤتمرًا صحفيًا أعلن فيه تشكيل مكتب سياسي لجبهة التحرير، وبعد أن تحقق لهم الهدف الأول وهو الوصول إلى العاصمة قادمين من «الغرب» قبل الحكومة المؤقتة التي ما زالت في «الشرق» ومن الغريب والمؤلم لي أنني كنت مرافقًا لهم في هذا السباق دون أن أعرف عنه شيئًا. 

إن «إسرائيل» استعملت نفس الأسلوب في حرب يونيو عام 1967م، إذ صرح عبد الناصر بأن الطائرات الإسرائيلية قد استطاعت ضرب القواعد الجوية المصرية دون مقاومة، وذلك على حسب قوله بأنه كان يتوقع مجيئها من الشرق، لكنها جاءت من الغرب، وبذلك كسبت الجولة باستعمال عنصر المفاجأة. 

لم تكن إقامة بن بيلا في الرباط طويلة، فقد استضافهم الملك الحسن في القصر الملكي «دار السلام» بطريق زعير خارج الرباط، وقال لي إنه كان في حاجة لمقابلات عديدة داخل المدينة، وقد جعل هذه المقابلات بمنزلي الذي اتخذه هو ومحمد خيضر مكتبًا لهما، وقد كان هذا هو «المكتب الثاني» للأغراض التي لا يريدون أن يطلع عليها المغاربة أو غيرهم أو تشترك فيها سفارة الجزائر التي كان يتولاها في ذلك الوقت صديقنا العزيز الدكتور شوقي مصطفاي. 

الدخول من المغرب

وبعد أن انتهت زفة الوصول تفرق الجميع وبقي بن بيلا وخيضر بعَض الوقت في الرباط، وفوجئت بعد أيام قليلة بأن محمد خيضر يعرفني بأنهم سيتوجهون إلى الجزائر غدًا، واقترح علي أن أرافقهم ما دمت في عطلتي الصيفية، وذلك تنفيذًا لوعدي السابق لهم بأن أدخل الجزائر معهم في اليوم الذي يدخلون فيه قبل الاستقلال أو بعده، وأيد بن بيلا هذا الاقتراح فوافقت فورًا، وعرفت أننا سنتجه بالسيارة إلى وجدة، وسنجد الطريق مفتوحًا عبر الحدود إلى تلمسان، وكانت الحكومة الانتقالية ما زالت قائمة رسميًا في الخارج، لكن السلطة الفعلية كانت لرؤساء جيش التحرير الداخلي في الولايات الست وللحكومة الانتقالية طبقًا لمعاهدة إفيان. 

كانت «وجدة» مقرًا لقاعدة المجاهدين الجزائريين الموجودين في المغرب، وكانت هذه القاعدة يقودها بوتفليقة، وكانت هناك قاعدة أخرى مماثلة في تونس، وهاتان الوحدتان قد وضعتا تحت قيادة موحدة للهواري بومدين، وكانت نواة «الجيش الوطني الجزائري» مضافًا إليهما مجموعات من أفراد المجاهدين من الولايات في الداخل يتفاوت أعدادها حسب موقف كل ولاية من المكتب السياسي، والتزامهم بالولاء إلى هواري بومدين بالذات. 

وعندما جاء بن بيلا وخيضر إلى منزلي لأرافقهم جاءت سيارة أخرى وسلمتهم صندوقًا كبيرًا فتحه خيضر أمامي، وشاهدت فيه كميات ضخمة من النقود الفرنسية، بل وغيرها من العملات الصعبة، ولم أسأل عن مصدر هذه النقود ولا وجهتها، لأن الصندوق وضع في شنطة السيارة التي كنا نستقلها، وفهمت منذ ذلك الوقت أنها هدية من الملك، ولم يكن هذا في نظري غريبًا على كرم المغرب، ومن جانب حكومته وملكه الحسن الثاني. 

ولهذه النقود قصة لا بد أن أذكرها:

فبعد أن تركت الجزائر غاضبًا وعدت إلى المغرب حيث كنت، واشتد النزاع بين بن بيلا وحكومته مع محمد خيضر على ما يسمونه «أموال جبهة التحرير في الخارج»، واستطاع محمد خيضر الخروج من الجزائر كما سأذكر فيما بعد، وفي أحد لقاءاتي معه بالمغرب أسر إلي أن أحد أصدقائه منذ زعماء المغاربة اقترح عليه أن يرد هذه النقود خصمًا من الأموال التي تحت يده في الخارج لحساب جبهة التحرير، وقال لي خيضر ضاحكًا: إنه شخصيًا لا يملك اتخاذ هذا القرار الآن إلا بعد صدور قرار من ممثلي الجبهة في اجتماع يعقد لذلك، ولم يتم الاجتماع حتى وقع اغتياله رحمه الله. 

كانت القرية التي ولد فيها بن بيلا تسمى «مغنية» قرب الحدود المغربية، حتى إن كثيرين كانوا يعتبرونه من أصل مغربي، ولذلك فإن توجهه إلى «وجدة» لم يكن يثير أي شكوك حول هدف الرحلة، إذ ظن كثيرون أنه ذاهب لزيارة المجاهدين الجزائريين في القاعدة القريبة من «وجدة» أو أنه على الأكثر سيزور والدته في قريته «مغنية» التابعة لولاية تلمسان القريبة من الحدود المغربية.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل