; صفحات من دفتر ذكريات (81)- زواج في السجن | مجلة المجتمع

العنوان صفحات من دفتر ذكريات (81)- زواج في السجن

الكاتب الدكتور توفيق الشاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 09-يناير-1996

مشاهدات 69

نشر في العدد 1183

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 09-يناير-1996

منذ 19 يونيو ١٩٦٥م، يقي بن بيلا مسجوناً بأمر صديقه بومدين، الَّذي كان يتحاشى ذكر اسمه، وكان يصر على أنه ليس مسجوناً وإنما موضوع تحت الإقامة الجبرية، ورفض جميع المساعي الَّتي بذلت للإفراج عنه من بعض رؤساء الدول مثل: الجنرال ديجول، والرئيس كاسترو، والرئيس عبد الناصر، الَّذي كان الحليف الأكبر لـ: "ين بيلا"، ويُقال إن بومدين عندما عرض عليه وساطة عبد الناصر أجاب بأنه مستعد للحديث في هذا الموضوع بعد أن يفرج عبد الناصر عن محمد نجيب الرئيس الأول لجمهورية مصر، والواقع أن محمد نجيب لم يجد من يدافع عنه على المستوى الدولي؛ لأن الجوَّ في تلك الفترة مَكَّنَ الاشتراكيين واليساريين الفرنسيين من أن يبذلوا مجهودات كبيرة لصالح بن بيلا الَّذي كانوا يعتبرونه واحدًا منهم، وواصلوا مساعيهم حتى أفرج عنه في عهد بن جديد. 

كان صديقي الدكتور حافظ إبراهيم في مدريد من أكثر أصدقائه وفاءً، وقد سارع بمجرد الانقلاب العسكري الَّذي أطاحَ بالرئيس بن بيلا إلى إرسال خطاب إلى رئيس الانقلابيين يلفت نظره إلى الحالة الصحية للرئيس بن بيلا، ونشر هذا الخطاب في إحدى الصحف الفرنسية بالمغرب، ويشير فيه إلى تقرير طبي وقع عليه أحد الأخصائيين الإسبان الَّذي وقع كشفًا على بن بيلا بتاريخ ٢٣/٩/١٩٦٥م،«سوف ينشر هذا الخطاب والتقرير في المرفقات»، وكان يزودني بكل ما يقوم به دفاعًا عنه، وما زالتُ احتفظُ بكثير من الرسائل، وما أرفق بها من مقالات في الصحف الفرنسية، وأذكر منها مقالًا نشرته مجلة إفريقيا الفتاة "جين أفريك" الفرنسية، بتوقيع المسيو بوجيس بتاريخ ١٥ يوليو ۱۹۷۷م، وهو من الفرنسيين الذين استعان بهم بن بيلا عندما كان رئيسًا للحكومة، وفي مقاله كان يدعو الحكومة الجزائرية إلى أن تنظر في الإفراج عن بن بيلا ويدعو الحكومة الفرنسية إلى التدخل لصالحه.

لجنة للدفاع عن بن بيلا

وفي عام ١٩٧٧م، كتب إلي حافظ إبراهيم بأن لجنة عالمية أنشئت لهذا الغرض، وأرسل إلي أوراقها، وطلب مني الانضمام إليها ومساعدتها. وقد ذهبت بنفسي إلى باريس والتقيت بالمحامي "فيرجيس" الَّذي يتولى الموضوع مع السيدة المحامية المعروفة لافي فيرون، وقد جلست مع فيرجيس، وقتًا طويلًا، واتفقنا على ما تستطيع عمله لنجاح اللجنة، وسلمني صورة لما قدمته اللجنة من مذكرات للدفاع عن وجهة نظرها وقدمت إحداها للرئيس الأمريكي كارتر بتاريخ 19/3/١٩٧٧م.

 وقد نشرت اللجنة أسماء عدد كبير ممن يؤيدونها، وكان على رأسهم المشير السلال، والقس ديماس كما نشرت صورة خطاب وجهته هذه اللجنة إلى بومدين تطلب منه الإفراج عن بن بيلا، ويتبين من منشورات هذه اللجنة أنه قد انضم إليها وأيدها عدد كبير من البلاد العربية وكذلك البلاد الأوروبية والإفريقية، وخاصة من الاشتراكيين واليساريين، ومن بين ما أرسلته إلى صورة مقال نشرته مجلة «باري ماتش» الفرنسية المصورة يروي ما يتعرض له بن بيلا في سجنه من مضايقات، ويستعرض قصة زواجه في السجن، وهي قصة مثيرة كتبت بأسلوب مؤثر ولابد من الإشارة إليها.

 كانت والدته هي الوحيدة الَّتي صرح لها بزيارته خمس أو ست مرات كل سنة، ولما بلغت سن الثمانين وشعرت بالقلق على ابنها بعد وفاتها. عرضت عليه أن تزوجه فوافق على ذلك بشرط أن تجد له من تقبل مشاركته في حياة السجن ومخاطره وقسوته، وأن يراها قبل أن يتزوج بها. ولم يكن هناك فتيات كثيرات يقبلن هذه المغامرة ولكنها وجدت ضالتها أخيرًا في الأنسة «زهرة سلامي»، وكان سنها في ذلك الوقت ثمانية وعشرين عامًا، وكانت تشتغل صحفية في مجلة جزائرية فرنسية تسمى الثورة الإفريقية، وكانت ذات اتجاهات أكثر يسارية واشتراكية، من بن بيلا، ومع ذلك قبلت أن تزوره رغم أنها لم تكن متحمسة لآرائه من قبل، لأنها كانت تعتبره معتدلاً في الاشتراكية، وقد حملت والدة بن بيلا صورتها إلى ابنها ووافق على زيارتها له ليراها ويتحدث إليها، وكلف والدته بأن تحصل لها على إذن بهذه الزيارة، وحصلت على الإذن ودامت الزيارة بضع ساعات انتهت باتفاقهما على الزواج على أن يكون بأسرع ما يمكن، ويقال إن ضغوطًا وقعت على هذه الفتاة لتحولها عن قرارها بالموافقة على الزواج. ووصلت هذه الضغوط إلى حد فصلها من عملها. بل حاول أهلها أن يثنوها عن الإسراع وحذروها من المخاطرة بأن تحيا في السجن مع رجل أكبر منها سنًا، ولا يعرف مصيره، ومع ذلك فإن إرادتها تغلبت على كل الضغوط والمصاعب، وأخيرًا وافق والدها، وأقيم حفل الزفاف في بيت والدها دون حضور الزوج الموعود، وتم الزواج بوكيل عن الزوج طبقًا للشريعة الإسلامية وحضور شاهدين.

زواج في المعتقل

وتم العقدُ في العاصمة بإشراف مفتي الجزائر وأحد القضاة الَّذي وقَّعَ العقد مكتفيًا بشهادة اثنين مع وكيل عن الزوج، وارتدت العروس ثوب الزفاف واحتفلت العائلة في غياب الزوج، ولكن كان هناك عدد كبير من الأصدقاء. وقد لقي المفتي والقاضي اللذين أتما العقد كثيرًا من المصاعب بعد ذلك من الجهات الرسمية، وفي نفس الليلة توجهت الزوجة إلى المعتقل الَّذي يقيم فيه بن بيلا، واجتازت حواجز الحراسة الشديدة. وتعرضت للتفتيش لكي تدخل السجن راضية بمشاركة الرجل الَّذي اختارت الزواج منه. وعاشا معًا في المعتقل طوال مدة اعتقاله، وكان طعامهما مماثلًا لما يأكله الجنود الذين يحرسون المعتقل، وما كاد الزواج يتم حتى انتقلت والدته إلى جوار ربها بعد خمسة شهور فقط وقد دفنت في قريتها مغنية، وقد حضرت زهرة المأتم ولم يحضر بن بيلا، وفي إحدى المرات الَّتي صرح لها بالخروج لزيارة والديها عرضت عليها إحدى صديقاتها أن تتبنى طفلة حديثة الولادة، وسميت هذه الفتاة «مهدية»، وسر بها بن بيلا وعاشت في حضانتهما عامين.

 وقد عادت زهرة إلى تبني طفلة ثانية سمتها "نورة"، وكان سنها عامين، وكانت طفلة سوداء معاقة، لكنها أصرت على تبنيها وحملتها إلى زوجها ووافق على تبنيها، وأصبحت العائلة تضم طفلتين عاشتا معهما طول مدة السجن الطويلة وقد رأيت هاتين الطفلتين بعد ذلك بأعوام عندما أفرج عن بن بيلا وحضر هو وزوجته وطفلتاه إلى العمرة أولًا، والحج ثانيًا.

الإفراج عن بن بيلا

عندما تولى الشاذلي بن جديد رئاسة الجمهورية استجاب للمساعي العديدة الَّتي بذلت للدفاع عن بن بيلا، وأفرج عنه، وخصص له «فيلا» في إحدى ضواحي الجزائر، وبمجرد أن نشر الخبر في الصحف استطعت أن أحصل على رقم هاتفه واتصلت به هاتفيًا فعرفني بأنه ينوي بأن يحضر لأداء العمرة هو وأسرته، وقد طلب الحصول على التأشيرة من السفارة السعودية.

 وقد سارعت بالذهاب إلى وكيل وزارة الخارجية في جدة لكي أعرف إن كان هناك ترتيب خاص له أو أتولى ذلك بنفسي، وقد أخبرني بأن السفير الجزائري قد أخبرهم بموعد حضوره، وأنه سيكون في ضيافتهم، وفعلًا التقيت به بمجرد وصوله ونزوله في ضايفة الحكومة السعودية وصحبته هو وأسرته في بعض الجولات في جدة وفي الحرم، وقد لاحظت أنهم كانوا متأثرين جدًا بهذه العمرة، وكانوا يطيلون الجلوس في الحرم وكانوا متعلقين بهذه الأماكن المقدسة، حتى إنه قال: لي عندما غادر المملكة إنه سيحضر للحج في أول فرصة، وكنت على اتصال دائم به تليفونيا بمنزله في الجزائر حتى موعد الحج، وأبلغني بعزمه على أداء الفريضة هو وأسرته.

الإقامة في فرنسا

وقد تفضلت الحكومة السعودية باستضافته في الحج كما استضافته في العمرة، وحضر الحفلة الملكية الَّتي تقام في موسم الحج لكبار الحجاج الرسميين، وأخبرني عند سفره أنه ينوي الا يعود إلى الجزائر، وأن يقيم في الخارج، وأنه سوف يتوجه إلى باريس ويقيم بها لأنه غير راض عن الأوضاع السياسية السيئة الَّتي تعيشها البلاد، وأنه سيتولى قيادة المعارضة النشطة حتى يصلح هذه الأوضاع.

 وقد اتصلت به مرارًا تليفونيًا في باريس وزرته هناك، وقضيت معه ساعات في منزله. ولاحظت أنه يحظى بحراسة وتسهيلات توفرها له السلطات الفرنسية، كما أنه شارك مع الأمير محمد الفيصل، والصادق المهدي، وسالم عزام في إنشاء لجنة إسلامية للدفاع عن حقوق الإنسان مقرها باريس. 

ويظهر لي أن رضاء الحكومة الفرنسية عن نشاطه كان مؤقتًا، وكانت تقصد بذلك الضغط على الحكومة الجزائرية حتى تحصل منها على مطالب خاصة بها. ولما تحقق لها غرضها وحصلت من الحكومة الجزائرية على ما كانت تريده فاجأت بن بيلا بتغيير موقفهم منه. وحذرته بأنها ستوقف كل نشاطه وتحاصره وعلمت بأنهم فتشوا مكتبه وقبضوا على من يعملون في حراسته، وأبلغني أنه اضطر إلى اللجوء إلى سويسرا، وأقام في لوزان.

الانخراط في العمل السياسي

اتصلت به تليفونيًا في منزله بلوزان وزرته هناك عدة مرات، وكان حديثه معي عن الإسلام وأنه يرى أنه الحل الوحيد للأوضاع السيئة في الجزائر، وقال: لي إنه أنشأ حركة أو حزبًا للدفاع عن الديمقراطية وإصدار مجلة بعنوان: «البديل» عربية وفرنسية، وكان يؤكد فيها اعتقاده الجازم بأن النظام الإسلامي هو البديل الَّذي يريده الشعب، وأن مستقبل الجزائر في الإسلام، وكان يبدي حماسه وسروره النجاح الثورة الإسلامية الإيرانية، ويعلن تأييده لها في كل مناسبة، ولكني عرفت أن حكومة إيران عاتبته بسبب لقائه مع بني صدر الَّذي كان رئيسًا لجمهورية إيران وهرب منها وانضم إلى المعارضة بسبب علاقاته العائلية مع زعيم جماعة مجاهدي خلق، وهي في نظر الحكومة الإيرانية عميلة للقوى الأجنبية الَّتي تعادي الإسلام والثورة الإسلامية في إيران، وقد أُتِيَح لي أن أتحدث مع بن بيلا في هذا الموضوع. فعرفني بأنه خُدِعَ وأن أحد الأفراد دعاه إلى عشاء، وفوجئ بأنه دعا بعض رموز المعارضة الإيرانية، ونظرا لأن له معرفة سابقة ببني صدر فإنه تحدث معه ولكنهم استطاعوا أخذ صورة له دون إذنه واستغلوها في الدعاية للمعارضة، وقال لي إنه لم يتردد في أن يقدم لبني صدر نصيحة حازمة في عدم التورط في عمل مناهض الحكومة بلاده ذات الاتجاه الإسلامي الَّتي تواجه عداء شديداً من الدول الَّتي تحارب العرب والمسلمين في كل مكان، وأنه يأملُ أن يأخذ بني صدر بهذه النصائح، وقال إنه يتمنى أن يزور إيران، ولكنه يخشى أن يتخذ ذلك حجة لدى بعض المسؤولين في الجزائر لتوجيه اتهامات جديدة لإيران، كما يفعل غيرهم من الحكومات، ولذلك رأى أنه ليس من المصلحة أن يقوم بهذه الزيارة في ذلك الوقت.

 لقد تكلمت معه كثيرًا عن الإسلام، ولم ولتكن هذه أول مرة أحدثه في هذا، فقد ذكرت أنه كان من قبل يعتبر الإسلام عقيدة قلبية وسلوكًا شخصيًا، ولذلك فإن إسلامه لم يكن يتعارض مع اتجاهه الاشتراكي، وهذا أدى إلى التعاون مع اليساريين والاشتراكيين الجزائريين والفرنسيين وفضلًا عن ذلك فإن علاقته بعبد الناصر كانت تفرض عليه الفكر الاشتراكي، بل تجاوز ذلك عملًا؛ إذ كان عليه أن يبتعد عن كل من يخاصمون عبد الناصر، وقد فرضت عليه علاقته بعبد الناصر والاشتراكيين أن يعلن عداءه الكثير من الإسلاميين، وخاصة جمعية العلماء في الجزائر، والإخوان المسلمون، في مصر، وفهمت أنني مقصود بذلك. 

حين بالنسبة لي شخصيًا كان يشير إليَّ من حينٍ لآخرَ أن وجودي معهم في الجزائر يثير عليه انتقادات كبيرة من جانب المسؤولين في مصر ومن يمثلهم في الجزائر، ولكنه كان يصرح لي بأنه لا يهتم بهذه الانتقادات، ولكنني رأيت من الأفضل لي وله أن أترك الجزائر وأعود للمغرب. كما أشرت من قبل، وخصوصًا عندما سار في اتجاه مخالف لآرائي فيما يتعلق بتسمية الجمهورية باسم الجمهورية الديمقراطية والشعبية، وفيما يتعلق بالجنسية، وكذلك بشأن الدستور، وإن كان هو في جميع هذه الحالات الأخذ بنصائحي بسبب يحتج بأنه مضطر لعدم معارضة إخوانه في المكتب السياسي، وخاصة الذين كانت لهم اتجاهات غير عربية وغير إسلامية مثل عباس فرحات. 

الانفتاح على الفكر الإسلامي

ذكر لي في أحد لقاءاتنا في سويسرا أنه جاءه بعض الناصريين المصريين، وذكر ليَّ أسماءهم، وأنه تحدث معهم في ضرورة الانفتاح على الفكر الإسلامي بصورة أكثر حتى يتجاوزوا الخصومة الَّتي حدثت بين عبد الناصر والإخوان، وأن أحدهم على الأقل، ولا أريد أن اذكر اسمه الآن التزم بذلك وسار في هذا الاتجاه فعلًا. كما ذكر لي أن الشيخ محفوظ نحناح الَّذي يرأس الإخوان المسلمون، في الجزائر زاره وتحدث معه، ويعتقد أنه سيكون هناك تعاون بين حزبه والإخوان في الجزائر ولكن بعد نشأة جبهة الإنقاذ في عام ١٩٨١م لم تتح لي فرصة للقاء بن بيلا أو التحدث معه بشأن جبهة الإنقاذ، ولم أكن حريصًا على ذلك. لأني وجهت وجهي شطر الجزائر، ووجدت الطريق مفتوحًا أمامي للتعاون مع التيار الإسلامي الجديد الَّذي تمثله هذه الجبهة.

 أما بن بيلا فكنت أرى كثيرًا مِمَّا ينشرُ عنه في الصحافة الفرنسية والأوروبية، وكان يفهم منه أنهم يأملون أن يكون حزبه بديلًا عن جبهة الإنقاذ الإسلامية ويدفعونه لذلك دفعًا، ولاحظت أن عواطف الشعب الجزائري تنصرف عنه لهذا السبب، وقد ظهر هذا واضحاً عند عودته للجزائر؛ حيث لم يلقَ الاستقبال الشعبي الَّذي كان يتوقعه. 

الرابط المختصر :