; صفد مقابل خيبر ... وأم الفحم مقابل أريئيل! | مجلة المجتمع

العنوان صفد مقابل خيبر ... وأم الفحم مقابل أريئيل!

الكاتب كمال الخطيب

تاريخ النشر الثلاثاء 25-يوليو-2000

مشاهدات 68

نشر في العدد 1410

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 25-يوليو-2000

استضاف الرئيس كلينتون المفاوضين الإسرائيليين والفلسطينيين سعيًا لابتزاز وسرقة توقيع فلسطيني، إن حصل فإنه يعني نهاية سقف المطالب الفلسطينية وطي مجلد الآمال الفلسطينية ووضعه في متحف التاريخ. 

إجراء تلك المفاوضات في ظل سعي رئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود باراك للمضي قدمًا والوصول إلى ذلك التوقيع رغم انسحاب ثلاثة أحزاب مشاركة في الائتلاف إنما مرده إدراك باراك ومعه أساطين حزب العمل أنها فرصة العمل الثانية التي يجب الإقدام عليها ولو بمغامرة، تمامًا مثلما كان إعلان إقامة دولة إسرائيل عام ١٩٤٨م فرصة العمل الأولى التي أقدم عليها بن جوريون بنفسه وحده، وكانت عين الصواب يومها من المنظور اليهودي والإسرائيلي ووفق مقتضيات انتهاز الظروف. 

ولئن كان البعض ينظر إلى انسحاب الأحزاب المتدينة والوطنية من الائتلاف الحكومي على أنه سيضعف من موقف باراك التفاوضي فإن الصواب عكس ذلك، إذ سيقدم باراك على الضغط على الجانب الفلسطيني ملوحًا بأن هذه الفرصة قد تفوت ولا تعوض للتوقيع على اتفاق وفق المواصفات والشروط «الباراكية»، لأن عكس ذلك يعني أن قوة التيارات الدينية في الساحة الإسرائيلية في ازدياد الأمر الذي يضعف احتمالات التوقيع مستقبلًا.

 وعليه، وبما أن قضية القدس تمثل حجر الزاوية وبيت القصيد فإن تزامن الحملة الإسرائيلية الرسمية والشعبية برفض المساومة والتنازل عن حجر واحد في القدس مع المفاوضات لم يكن عفويًا وارتجاليًا، ليس هذا فحسب، بل إن اعتماد بعض الممارسات الشاذة أخلاقيًا إنما يرمي إلى تلاشي وتغييب أي أمل في مستقبل القدس على صعيد المفاوضات، ومن أمثلة تلك الممارسات:

1- عرض الأفلام الذي أقامته الوكالة اليهودية على جدار المسجد الأقصى الجنوبي، حيث جعلت من جدران المسجد شاشة عرض كبيرة لأفلام وثائقية ذات أهداف ورسالات صهيونية.

2- التحريض والتهويش الأرعن ضد أعمال الصيانة والترميم في ساحات المسجد الأقصى والتي تبارى فيها اليمين واليسار، والمطالبة بمنع أعمال الترميم ومنع إدخال مواد البناء، وتتويج ذلك بالمطالبة بتقديم قيادات الحركة الإسلامية للمحاكمة بدعوى أنهم هم الذين يقفون خلف أعمال الترميم تلك عبر جمعيتهم المعروفة باسم جمعية الأقصى.

3- عرض الأزياء الذي جرى في مدينة القدس والذي قدمت فيه عارضات الأزياء العروض على وقع آيات القرآن الكريم المرتلة بدل الأغاني.. إن ازدراء القرآن الكريم على هذه الشاكلة وفي مدينة القدس بالذات ليحمل أكبر الدلالات وخاصة أن هذا التصرف الحاقد والعنصري تزامن مع استرداد إسرائيل بواسطة رئيسها عيزرا وايزمن نسخة من التوراة كانت وقعت بأيدي المصريين عندما أسروا بعض الجنود الإسرائيليين في حرب ۱۹۷۳م، فكيف تتناغم إساءتهم لكتاب الفلسطينيين والعرب والمسلمين المقدس مع ما يبذلون من جهودهم الكبرى لاسترداد نسخة من كتابهم؟

4- توزيع المنشور الدموي على مداخل القرى العربية بما يحمل من تحريض على العرب والمسلمين وشتم الرسول الأعظم محمد -صلى الله عليه وسلم- بأشنع الشتائم والتهديد بحرق العرب وإبادتهم خلال عام واحد، وقد وقفت خلف المنشور مجموعة دينية محسوبة على الأحزاب الدينية الرسمية، الأمر الذي يحمل رسالة لمن يريد أن يفهم أن مجرد أن تعقد القمة في «كامب ديفيد» «أي معسكر داوود» ليحمل أعظم الدلالات على أن وراء الأكمة ما وراءها، وكيف لا والرئيس المصري يومها -السادات- قد أغمض عينيه، وأصم أذنيه عن رأي الشارع العربي ووقع الاتفاقية الأولى في كامب ديفيد، وها هو الرئيس الفلسطيني في هذه الأيام يذهب إلى هناك ضعيفًا ليجعل من نفسه لبنة طرية بين مطرقة كلينتون وسندان باراك.

 إن الحديث عن شبه اتفاق وخطوط عريضة عامة متفق عليها إن حدث فعلًا -مع تأكيد باراك للاءاته الخمس- فإنما هو سبة ستظل تطارد من يوقعون بأقلامهم على أي اتفاق لا يعيد القدس واللاجئين، ويخرج المستوطنين، ويأتي بدولة لها أرض وسماء وحدود ليس هذا فحسب، فقد أورد بعض الصحف الأمريكية أن مؤسسات يهودية أمريكية بالتنسيق مع الحكومة الإسرائيلية قد قامت بإعداد دراسات وتحديد مطالب، ورصد مقدرات اليهود الذين خرجوا وأخرجوا من جزيرة العرب زمن الرسول -صلى الله عليه وسلم، وهم بنو قريظة، وبنو النضير وبنو قينقاع، ويهود خيبر، وغيرهم من القبائل اليهودية، وذلك من أجل المطالبة بتعويضات عن البيوت والجمال وأشجار النخيل، وآبار الماء التي خلفوها وراءهم، ولسان حالهم يقول: نحن خرجنا من المدينة ومن خيبر ولم نرجع إليها ونريد تعويضات تمامًا مثلما أنكم أيها الفلسطينيون العرب خرجتم من عكا وصفد وطبريا فلا تفكروا بالرجوع واقبلوا بالتعويضات.

 إن صلف المفاوض الإسرائيلي ووقاحته لا تعرف الحدود حين تجري المقارنة بين الذين أخرجوا من خيبر أو المدينة المنورة بعد أن حبكوا المؤامرات وعبثوا بالصف الداخلي لسكان المدينة، وخططوا وحاولوا قتل النبي -صلى الله عليه وسلم، واعتدوا على أعراض المسلمات، وتآمروا مع كفار قريش ضد مسلمي المدينة، وبين الذين أخرجوا من عكا وصفد وبيسان ظلمًا وقهرًا وعدوانًا، وهم الذين لم يعتدوا على أحد، ولم يسلبوا أرض أحد، ولم يقطعوا الطريق على أحد. 

إن هذه المطالب للمفاوض اليهودي لتجعل المفاوض العربي والفلسطيني الذي يريد سلخ القضية الفلسطينية عن بعدها الديني والإيماني يخجل من نفسه وهو يرى المفاوض الإسرائيلي اليهودي يفتح ملفات طويت قبل ألف وأربعمائة عام كتلك الملفات التي فتحها حيي بن أخطب -ذلك الزعيم اليهودي في يثرب- ولم ينسها باراك وشلومو بن عامي أستاذ التاريخ وعلم الحضارات، ويريد أن يطالب بها اليوم.

ولا يقل خطورة عن ذلك جدية الحديث في الآونة الأخيرة في سراديب اللقاءات والمفاوضات السرية التي جرت في أوسلو وواشنطن وإيلات عن إمكان إجراء تبادل جغرافي بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية يتم بموجبه ضم منطقة أم الفحم، وجزء من وادي عارة إلى السلطة الفلسطينية مقابل ضم مستعمرة أريئيل إلى السيادة الإسرائيلية الكاملة تكون المعادلة في ذلك تخلص إسرائيل مما يزيد على ٥٠ ألف فلسطيني، وبالذات أنهم سكان أم فحم وما حولها، وبالمقابل ضم ما يزيد على ٣٠ ألف مستوطن على الأرض والسماء للسيادة الإسرائيلية مع أنهم يسكنون أرضًا فلسطينية محتلة.

ولعل ذروة سنام الخيبة والفضيحة أن تنطلي حيلة المفاوض الإسرائيلي على المفاوض الفلسطيني من خلال الحديث عن توسيع دائرة نفوذ وجغرافية مدينة القدس لتضم قرى عربية ومستعمرات يهودية في المحيط الواسع لها، ثم تقوم إسرائيل بإعلان تنازل عن جزء منها على اعتبار أنه تنازل عن جزء من القدس، ثم الموافقة على رفع العلم الفلسطيني فوق الأقصى، وذلك ذرًا للرماد في عيون الشعب الفلسطيني، ولعل هذه الخطة من جعبة أحاييل بني إسرائيل من لدن أصحاب موسى وحتى اليوم، لعله مثلها تمامًا قيام بني إسرائيل برمي شباكهم في البحر يوم الجمعة وجمع صيدهم يوم الأحد. واهمين أنفسهم أنهم لم يعملوا يوم السبت. 

الأيام والأشهر المقبلة، حبالى، وستلد، وما هو خافٍ اليوم فلن يكون كذلك غدًا، وإن أسرار اليوم هي حقائق الغد، وعليه فإننا نقول للمفاوض الفلسطيني الذي يحترم نفسه إنه أولى له وخير ألف مرة أن يكسر قلمه من أن يوقع به على ورقة ستحفظها كتب التاريخ لتسجل صاحبها في ذاكرة الأبناء أنه فرط وضيع وتنازل، إذ إنه «لن يضيع حق وراءه مطالب»، وإياكم والإصغاء إلى ترهيب كلينتون وترغیب مادلین أولبرايت. 

نعم إياكم والتصديق بأنها الفرصة التي إن ماعت فقد يضيع الحلم الفلسطيني، إياكم والتصديق لأن عودة الحق إلى أصحابه، وعودة الموازين إلى طبيعتها بعد حالة الاختلال التي شهدتها، وإن زوال الظلم، واندثار البغي ليس حلمًا إنما هي حقيقة آتية لا ريب فيها بإذن الله.

﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران:139)، فصفد لنا، وأرض خيبر لنا، وأم الفحم لنا، وحيث أقيمت أريئيل لنا، والقدس لنا، وكل أرضنا لا تقبل التنازل ولا البيع ولا المبادلة.

(*) نائب رئيس الحركة الإسلامية في فلسطين المحتلة عام 1948م 

بين كامب ديفيد (١) و (٢) 

توفيق محمد عريعر[1]

عندما غادر إيهود باراك مطار بن جوريون متوجهًا إلى كامب ديفيد (۲) كان وزير الإسكان في حكومته إسحاق مردخاي قد وضع في يده كتاب الاستقالة وكان البرلمان الإسرائيلي قد صوت بأغلبية ٥٤ نائبًا مع إسقاط حكومته. وكانت ثلاثة أحزاب رئيسة في حكومته «شاس» و«المفدال» و«يسرائيل بعليا»، قد انسحبت من حكومته، وتركته وحزبه وحيدين على كراسي الحكومة.

وعندما سافر مناحيم بيجن عام ١٩٧٨م إلى كامب ديفيد كان يحظى بدعم أكثر من ثلثي أعضاء الكنيست.

ياسر عرفات -رئيس السلطة الفلسطينية- سافر إلى كامب ديفيد (۲)، وهو يعلم أن الدول العربية التي وقعت اتفاقات مع إسرائيل استعادت كامل ترابها حسب قرارات الأمم المتحدة، هكذا كان في اتفاق كامب ديفيد (1) والذي بموجبه استعادت مصر الأراضي التي احتلت في سيناء وطابا، وهكذا كان في اتفاق وادي عربة مع الأردن، وهكذا لدى انسحاب إسرائيل قبل شهرين من جنوب لبنان، وهكذا الأمر على ما يبدو مع سورية.

 الصورة الحالية التي تبثها قمة كامب ديفيد (۲) هي صورة زعيمين ضعيفين، أحدهما تخلى عنه ائتلافه الحكومي بالكامل وتخلى عنه وزير خارجيته، وأرسلته الكنيست مقصوص الجناحين مع غالبية برلمانية تؤيد إسقاط حكومته، ومن المؤكد أن هذه الأوراق الثلاث التي ظاهرها يبدي زعيمًا إسرائيليًا ضعيفًا في بيته منهكًا بعد معركة برلمانية من المؤكد أنها ستكون أوراق ضغط شديد على المفاوض الفلسطيني، فباراك الذي بدا كمن يضرب عرض الحائط بائتلافه الحكومي وتفوقه العددي في الكنيست ليصل إلى قمة كامب ديفيد (۲) يريد في نهاية المطاف من ياسر عرفات أن يوقع له جملة وبهذا يكون الصراع الفلسطيني -الإسرائيلي قد انتهى، وليس للفلسطينيين بعد اليوم أي مطالب أخرى من إسرائيل، وذلك ضمن لاءاته الخمس التي تشكل خطوطًا حمراء في وجه أي تسوية سياسية مع الفلسطينيين.. وفي حال عودة باراك باتفاق من هذا القبيل سيضمن لنفسه انتصارًا كاسحًا في الانتخابات المقبلة. 

وفي الجانب الفلسطيني فإن الأمر لا يبدو مريحًا للسلطة الفلسطينية بعد رزمات التنازلات الكثيرة التي قدمت منذ توقيع اتفاق أوسلو ۱۹۹۳م خاصة بعد أن تمكن حزب الله وهو ليس دولة، وليس سلطة لها سيادة –ولو جزئية- معترفًا بها تمكن من طرد المحتل من الجنوب اللبناني حتى آخر شبر، بعد أن حصلت الدول العربية التي وقعت اتفاقات تسوية على كامل حقوقها، وبعد إسكات المعارضة الفلسطينية وتكميم أفواهها كليًا، بل حتى ضم ممثلين من الجبهة الديمقراطية وحزب الشعب «الشيوعي» إلى الوفد المفاوض -وإن كانت نسبة الحزبين في الشارع تؤول إلى الصفر- مقابل علو وجلجلة صوت المعارضة الإسرائيلية. 

المطلوب من المفاوض الفلسطيني في هذه المرحلة المصيرية صك تنازل نهائي عن مدينة القدس التي يشكل الأقصى المبارك قلبها، وعن الحقوق الفلسطينية مقابل توقيع اتفاق نهائي تقوم بموجبه دولة فلسطينية تكون كلماته: «وبهذا الاتفاق تكون المطالب الفلسطينية قد انتهت كليًا، وليس لنا أي مطالب أخرى».

هل من صلاحية المفاوض الفلسطيني أن يخط مثل هذا التوقيع حول قضية تهم مليار مسلم؟ ثم هل بإمكان المفاوض الفلسطيني أن يخط قلمه مثل هذا التوقيع.

وإن غدًا لناظره قريب .

[1] كاتب فلسطيني من سكان أراضي ١٩٤٨م

الرابط المختصر :