العنوان صفقة «S 400».. محك جديد للعلاقات التركية - الأمريكية
الكاتب د. سعيد الحاج
تاريخ النشر الخميس 01-أغسطس-2019
مشاهدات 52
نشر في العدد 2134
نشر في الصفحة 36
الخميس 01-أغسطس-2019
واشنطن لا تبدو راضية عن مجمل المواقف التركية من قضايا المنطقة مثل سورية ومصر وفلسطين
أنقرة سعت لدى حلفائها الغربيين وخصوصاً أمريكا لشراء منظومة دفاع صاروخية لكن دون جدوى
«الناتو» لم يهدد بعقوبات على تركيا معتبراً أن قرار شراء المنظومة الروسية سيادي ويخصها وحدها
أنقرة تمتلك أوراق قوة تجنبها عقوبات حقيقية مثل مكانتها في «الناتو» ودورها في القضية السورية
لم تعد الشراكة الإستراتيجية التي أعلنت بين تركيا والولايات المتحدة الأمريكية عام 1995م هي التعبير الأمثل عن العلاقات بين البلدين؛ بل إن العضوية المشتركة لهما في حلف شمال الأطلسي (الناتو) لم تمنع تكرار الأزمات بينهما وتعمقها في السنوات القليلة الأخيرة.
يبدو للمتابع أن تركيا والولايات المتحدة لم تستطيعا بعدُ بلورة نسق علاقة جديد مختلف بعد انتهاء مرحلة الحرب الباردة، أو لنقل: إن واشنطن لم تتقبل بعدُ النقلةَ التي صنعتها أنقرة لنفسها ونظرتها لمكانتها ودورها مع حكم العدالة والتنمية، وخصوصاً سعيها الحثيث نحو امتلاك أوراق القوة والاستقلالية النسبية في سياستها الخارجية.
وعليه، تراكمت الملفات الخلافية بين الطرفين على مدى السنوات القليلة الأخيرة، من دعم الولايات المتحدة المعلن والمتنامي لوحدات حماية الشعب وقوات سورية الديمقراطية في سورية، التي تعتبرها تركيا منظمات إرهابية، إلى مماطلتها تركيا في تسليمها «فتح الله كولن» الذي تتهمه الأخيرة بالوقوف خلف المحاولة الانقلابية الفاشلة عام 2016م، أو حتى التحقيق الجدي معه.
في المقابل، لا تبدو واشنطن راضية عن مجمل المواقف التركية من قضايا المنطقة من سورية إلى مصر إلى فلسطين وغيرها، فضلاً عن ملفات فرعية خلافية أخرى مثل قضية القس الأمريكي «أندرو برونسون»، والنائب السابق لمدير مصرف «خلق» التركي «محمد حاقان أتيللا»، وصولاً إلى التحقيق مع الحرس الرئاسي لـ«أردوغان» في الولايات المتحدة.
وفقَ كل ذلك، لا يعد مستغرباً أن تفرض الولايات المتحدة على «شريكتها الإستراتيجية» عقوبات اقتصادية العام الماضي، كما تفرضها على دول مثل روسيا أو إيران أو كوريا الشمالية، وهي العقوبات التي ساهمت في أزمة مالية واقتصادية لم تتعافَ منها تركيا بعد.
صفقة «400 S»
كشفت بعض تطورات الأزمة السورية حاجة تركيا لمنظومة دفاعية صاروخية، لا سيما حادثة إسقاط أنقرة للمقاتلة الروسية «سوخوي 24» خريف 2015م، وقد سعت أنقرة لدى حلفائها الغربيين وخصوصاً الولايات المتحدة لشراء إحداها -تحديداً صواريخ «باتريوت» الأمريكية- لكن دون جدوى.
دفعت مماطلة الحلفاء الغربيين، إضافة لشعور تركيا بحاجتها للمنظومة، فضلاً عن أزمة الثقة المتزايدة بينها وبين حلفائها الأطلسيين، دفعت بأنقرة للبحث خارج إطار «الناتو»، وفي عام 2015م أوشكت أن تعقد صفقة مع الصين، لكن الضغوط الأطلسية جعلتها تتراجع عنها في حينه، بينما لم تفلح تلك الضغوط في صرف نظرها عن صفقة «S 400» الروسية مؤخراً.
فقد أبرمت أنقرة الاتفاق مع موسكو، ثم دفعت دفعات مالية أولية، ثم رتبت معها مواعيد التسليم، قبل أن ترفع واشنطن من مستوى التهديدات بعقوبات شديدة عليها.
حاولت تركيا مراراً مع الولايات المتحدة لثنيها عن مسار العقوبات وتأزيم العلاقات، بما في ذلك مقترح تشكيل لجنة مشتركة من البلدين لدراسة الآثار السلبية المحتملة للمنظومة على الأسلحة الأمريكية، وكذلك استعداد أنقرة ضمناً لحلول وسط مثل تأجيل استلام المنظومة أو نشرها أو تفعيلها، لكن دون جدوى.
ومع بدء استلام تركيا قِطَع المنظومة الروسية خلال شهر يوليو الماضي كما كان مجدولاً، ارتفع سقف التصريحات الأمريكية المتعلقة بالعقوبات عليها، وهو ما بدأ مساره العملي بالفعل.
العقوبات الأمريكية
لم يرحب حلف «الناتو» يوماً بالصفقة التركية – الروسية، واعتبرها غير مناسبة للحلف، لا سيما أن تركيا هي القوة العسكرية الثانية فيه بعد الولايات المتحدة، لكنه لم يهدد بعقوبات عليها، معتبراً أن قرار شراء المنظومة الروسية سيادي ويخص تركيا وحدها، لكن ذلك لم يكن نفس موقف واشنطن.
فقد هددت الأخيرة تركيا بعقوبات حقيقية، بعضها مباشر ويتعلق بمشاركتها في مشروع مقاتلات «F 35»، وبعضها الآخر تحت لافتة قانون «مكافحة أعداء الولايات المتحدة من خلال العقوبات» (CAATSA)، الذي سنه الكونجرس عام 2017م لمعاقبة روسيا.
تحققت الخطوة الأولى في العقوبات الأمريكية فعلاً بتعليق مشاركة تركيا في مشروع «F 35»، رغم أنها شريك فيه وليست مجرد دولة مستوردة للطائرات، وهو ما يتناسب مع الرغبة الأمريكية في إثبات رد فعل جاد لمحاولة منع صفقات روسية إضافية لدول أخرى.
لكن التطور الأهم هو مناقشة إدارة «ترمب» إمكانية فرض عقوبات على تركيا ضمن قانون «كاتسا»، وهو ما يثبت أكثر من أي شيء آخر مدى تدهور مستوى العلاقات بين الجانبين، يتيح القانون للرئيس الأمريكي اختيار 5 مواد بالحد الأدنى من بين 12 بنداً عقابياً يشمل الأشخاص والهيئات المتعاونة مع روسيا -أو أحد خصوم الولايات المتحدة الآخرين- لا سيما في مجالات الدفاع والأمن والغاز والنفط والمال، ورغم أن القانون سُنَّ بعد إبرام الصفقة التركية الروسية (ما يعني عدم إمكانية تطبيقه بأثر رجعي على تركيا من ناحية نظرية)، فإن الأصوات الخارجة من الكونجرس تقول بعكس ذلك، وتريد معاقبة أنقرة لانتهاكها إحدى مواد القانون من وجهة نظرها.
الآفاق المستقبلية
يبقى القرار الأخير بيد الرئيس الأمريكي «دونالد ترمب»، الذي يملك وفق القانون إمكانية تأجيل تطبيق القانون لستة أشهر، أو على الأقل تطبيق مواد رمزية غير مؤثرة، مثل حظر التأشيرات عن بعض الأشخاص وتجميد أموالهم -إن وجدت- في المصارف الأمريكية وهكذا، إلا أن «ترمب» يتعرض فيما يبدو لضغط حقيقي من الكونجرس -لا سيما الحزب الجمهوري- وكذلك من بعض أفراد إدارته، مثل مستشار الأمن القومي «جون بولتون»، وكذلك وزير الخارجية «مايك بومبيو» الذي قال: إن «القانون هو القانون» في إشارة لقانون «كاتسا»، وإنه يتوقع من الرئيس أن يطبقه.
سيرسم مستوى العقوبات الذي سيختاره «ترمب» -إلى حد بعيد- المسار المستقبلي للعلاقات الثنائية بين أنقرة وواشنطن.
وما زالت أنقرة تمتلك أوراق قوة تجنبها عقوبات حقيقية، مثل أهميتها لحلف «الناتو» في عدد من الملفات، وكذلك دورها في القضية السورية، وحاجة الولايات المتحدة لها في سياق الضغط على إيران وغير ذلك، إلا أن كل ذلك لا يعني أنها محصنة من عقوبات «ترمب».
خلال قمة العشرين، قدم الرئيس الأمريكي تصريحات إيجابية أمام نظيره التركي، وكاد أن يتبنى الرواية التركية، محمّلاً إدارة «أوباما» مسؤولية «اضطرار» تركيا للسلاح الروسي، إلا أنه كذلك لم ينفِ بشكل واضح وحاسم إمكانية فرض عقوبات عليها، فضلاً عما بات معروفاً عنه من تذبذب في المواقف، والرضوخ لضغوط المؤسسات الأخرى لا سيما البنتاجون الذي لا يحمل نظرة إيجابية لتركيا.
إنَّ مُضي «ترمب» في عقوبات حقيقية على تركيا، لا سيما إن كانت اقتصادية في ظل الأزمة الحالية، سيعني تدهوراً خطيراً في منحى العلاقات الثنائية يذكّر بأزمة سبعينيات القرن الماضي على خلفية تدخل تركيا عسكرياً في قبرص، كما أن حظر طائرات «F 35» عن تركيا قد يدفعها هذه المرة لشراء سلاح هجومي من موسكو، أي مقاتلات «S 35»، وهو ما أبدت الأخيرة استعدادها له فور صدور قرار تعليق مشاركة تركيا في مشروع «F 35»، رغبة في المكسب الاقتصادي والعسكري للصفقة، وكذلك الجانب الإستراتيجي في توسيع الشُقَّة بين تركيا والولايات المتحدة.
لا شك أن فجوة الثقة بين الطرفين باتت كبيرة، لكنهما يدركان مخاطر تدهور العلاقات أكثر من ذلك، ولذا فلا تبدي أنقرة حتى اللحظة رغبة حقيقية في ترك تحالفاتها الغربية نهائياً والتحول تماماً نحو الشرق، وإنما موازنة علاقاتها الشرقية والغربية بما يمنحها مزيداً من المرونة والاستقلالية ويحقق لها مصالحها الوطنية.
لكن استمرار التأزيم من طرف الولايات المتحدة قد يدفعها دفعاً على المدى المتوسط لتعميق تفاهماتها مع روسيا، في ظل تعاونهما في أكثر من ملف، بما في ذلك سورية والاقتصاد والطاقة والأسلحة الإستراتيجية، بما يزيد من ابتعادها عن منظومة تحالفاتها التقليدية مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وحلف «الناتو»، لحين توصلها لمرحلة مقبولة من التصنيع والاكتفاء الذاتيين، وهو المسار الذي تعمل عليه منذ سنوات.>
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل