; المجتمع الثقافي: 1134. | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي: 1134.

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 17-يناير-1995

مشاهدات 58

نشر في العدد 1134

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 17-يناير-1995

 إصدارات

"صقور القوقاز”

«إن التاريخ يعيد نفسه» مقولة قرأناها واقتنعنا بها كنظرية مجردة.. وجاءت أحداث "الشيشان" لتجعل منها صورة حية مليئة بالحركة والتلألؤ .. ولا يسع قارئ رواية «صقور القوقاز»، وهو يتابع أخبار المعارك الشرسة والبطولات الفذة التي يبديها الشيشانيون إلا أن يصدق جازمًا أن التاريخ يعيد نفسه. 

روايتنا هذه تدور أحداثها في النصف الأول من القرن التاسع عشر ومع ذلك فهناك العديد من صور التشابه بين الأمس واليوم.. إنها قصة التضحية والفداء التي سطرها الإمام والقائد العسكري الشيخ «الشامل»، أسد "القوقاز" الذي دوَّخ روسيا القيصرية وتصدى لظلمها وجبروتها.. لم يكتبها بقلمه ولكن بدماء الشهداء حيث ترويها كل شجرة وكل قمة في جبال "القوقاز"، إنها ملحمة خالدة أملاها الشيخ شامل ورجاله البواسل على مسمع الزمان. 

إنها سجل تاريخي وتقرير عسكري رفيع وشامل عن الخلجات النفسية والانفعالات والتحركات العسكرية معركة بعد معركة.. إنه تاريخ "القوقاز" ربط المؤلف بين أحداثه ربطًا فنيًا محكمًا.

وفي البداية لا بد من لمحة عن شخصية الإمام “شامل” الذى كان الرصاص المنطلق من بنادق رجاله خلف جنرالات الروس المهزومين لا يلحقهم لسرعة الفرار ولشدة الذعر والفوضى بين الجنود الروس.

اقرأ معى هذه الفقرة التي تصور شخصية الشيخ «شامل» المرهوبة الجانب: «نظر إليه الشيخ "شامل"، نظرة خاطفة جعلت الرجل عاجزًا عن ابتلاع ريقه فتوقفت الكلمات في حلقه، ثم تعثر في الكلام عدة مرات واضطر إلى أن يدير رأسه إلى جهة أخرى». 

أما رجال الإمام "شامل" فتصور الرواية ملاحم من خلال المعارك المستمرة والمصائد الماهرة التي كانوا يدبرونها لجرذان الروس وفئرانهم، تابع معي هذا المشهد من الرواية.. «لم يدرِ الروس أن الحاج موسى «أحد رجال الشيخ شامل» وخمسمائة من رجاله قد تركزوا داخل قرية خاراجي، لذلك دخلوا القرية وهم يهزون أياديهم .. ساروا وهم في سكرة النصر حتى ساحة القرية دون أن يحدث شيء يعكر صفوهم فصرعوا بفعل إطلاق خمسمائة بندقية فجأة في لحظة واحدة، وبعد أن كان الحاج موسى يأمر جنوده بإطلاق النار أمرهم بالخروج من خلف المتاريس والانطلاق نحو الروس بالسيوف، وكما هو العهد به دائمًا كان في مقدمة جنوده المجاهدين وكان الروس- كما هم في كل الأوقات- يهربون».

وصورة ثانية تكاد تنسينا الصورة الأولى إنها عن الحاج مراد أحد رجال الشيخ "شامل".. «طار بخمسمائة فارس على متاريس العدو وكان يتقدم دون أن يعبأ بالنيران الكثيفة كانت مخيفة تلك الثغرات التي ظهرت في الصفوف وأمر صعب هو الموت قبل الوصول إلى القلعة، اتخذ قرارًا سريعًا جدًا.. أمر باستخدام السياط في آخر سرعة للجياد نحو النقطة التي تتركز وتتكاثف فيها النيران احترقت النعال وطارت في الهواء وعلت أصوات التكبير.. الله أكبر.. وغطَّت على صوت هدير المدافع ونجح الحاج "مراد" في الوصول إلى هدفه تسلق مع صحبه إلى الداخل من بدن القلعة وأسكتوا المواقع المتعبة وعملت سيوف الداغستانيين عملها سريعًا .. سقطت الرؤوس المليئة بالحنق والثأر بجانب الأحذية ولم يستطع إنقاذ روحه من الروس إلا هؤلاء الذين طلبوا الأمان..»

وكأن "شيشان" الحاضر قرءوا جيدًا وصية الإمام الشامل الذي قال لمن جاؤوا لزيارته وهم يريدون الهجرة من الظلم والبطش «لا تتحركوا من أرضكم ولا تفقدوا إيمانكم بأن هذا الوطن سينال حريته ذات يوم إن لم أكن موجودًا فبالتأكيد سيأتي واحد منا وسيقود حركة الحرية».

وعندما يسأله أحدهم إن كان يثق بجنوده يجيبه الشيخ "شامل" «إني أثق بالله» في إشارة إلى شعلة الإيمان المتقدة التي يشعل لهيبها الثورة ويفجر البركان ويعلي نداء الحرية.

وعن خبرة الشيخ "شامل" بفنون الحرب تطلعنا الرواية على أن الشيخ المجاهد كان يدرس نفسية أعدائه ويضع نفسه مكانهم ليعرف كيف يفكر عدوه ويعرف بالتجربة والخبرة والذكاء نقطة الضعف عند أعدائه ويبني خططه العسكرية على هذه الاستنتاجات والاقتراحات التي تحتاج إلى ذكاء خارق. 

هل أدركت قارئي العزيز كيف يعيد التاريخ نفسه؟ عندما تنتهي من قراءة هذه الرواية سوف تتأكد أن تاريخ القوقاز وجهاد الإمام "شامل" وإباء الشعب هناك للظلم وإصراره على التحرر يتكرر كل يوم كما تخبرنا وسائل النقل الإعلامي الحي.

بقي أن أقول إن رواية «صقور القوقاز» تحتاج إلى مخرج ومنتج يضحيان لإخراج عمل سينمائي ضخم وإذا كان الغربيون يصنعون من الحبة قبة ويهولون في أفلامهم فما أحرانا أن نلج هذا المجال ليكون لنا عمل سينمائي كذلك الذي أنتج عن عمر المختار- رحمه الله- وإذا فاتنا شيء من أحداث التاريخ فبطولات الحاضر تكمل النقص وتجلي صورة الملحمة التي خاضها ولا يزال يخوضها شعب "الشيشان" المجاهد.

  • الكتاب : صقور "القوقاز"
  • المؤلف: "سلجوقي قللي"
  • الناشر: دار المنارة للنشر والتوزيع "جدة": ٢١٤٣١ - ص.ب: ١٢٥٠ هاتف: ٦٦٠٣٢٣٨ - السعودية.
  • الصفحات : ٢٥٣ صفحة من القطع الكبير.

قراءة نقدية في قصيدة «إلى الجزائر» للشاعر "أحمد محمد الصديق" المنشورة في العدد «۱۱۲۸» من «المجتمع»

بقلم : محمد شلّال الحناحنة[*]

يتعرض أدبنا الإسلامي لمحاولات خبيثة من الطمس والتشويه والتضييق عليه ممن: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِيْ صُدُوْرُهُمْ أَكْبَرُ(آل عمران: 118)، ولكنه ظل- بعون الله- طودًا راسخًا أمام تلك المحاولات اليائسة ومضى أدباؤنا في دربهم بكل ثبات المؤمن وعزمه وإرادته، ولم يكن تأسيس رابطة الأدب الإسلامي قبل سنوات قليلة إلا نمطًا متقدمًا من هذا الثبات، وشاعرنا الإسلامي "أحمد محمد الصديق" في مواقفه وأدبه وشعره يحضن باقة شذية من تاريخ هذه الأمة وقيمها ومثلها السامية، وقصيدته الأخيرة «إلى الجزائر» المنشورة في المجتمع تحتدم بنكهة الجرح الإسلامي، وتحاور هذا الأسى في بلد عزيز على قلوب المسلمين:

من أي باب یا جزائرُ أدخلُ 

   والأفق دونكِ بالسلاسل مقفلُ 

أهفو إليكِ عزيزةٌ فوق الذرى 

          وعلى جبينك غرةٌ تتهللُ 

تتوضئين بنور ربك حرةٌ 

والصبح غضٌّ بالصلاةِ مجللُ

والكونُ يشهد مولدًا متجددًا 

لشبابه أما الظلامُ فيرحلُ

هذا التساؤل في بداية القصيدة يفجر حزنًا وألمًا دفينًا، لما آلت إليه «الجزائر» الأبية من دمار وخراب وقتل وتشريد لشعب أعزل لأنه قال «ربي الله» والقصيدة تقدم لنا البديل لما يحدث الآن من قهر وتسلّط على إرادة هذا الشعب، إنه البديل الإسلامي في العودة إلى الله، ليولد الفجر من جديد ويدحر قوى الظلام، ويمزج الشاعر في أبياته السابقة بين الدلالات الحسية والمعنوية لألفاظه، من خلال صور شعرية مشرقة، ترنو لمجد الإسلام رغم ما أصاب أهله كقوله:

تتوضئين بنور ربك حرةٌ 

والصبح غضٌّ بالصلاة مجللُ 

وليس غريبًا على بلد إسلامي كالجزائر أن ينهض من كبوته، فإن له قصصًا من التضحية والبطولة والثبات على الحق: 

لكِ في البطولةِ قصةٌ لا تمّحى 

صفحاتها أبدًا ولا هي تذبلُ

أنشودةُ الأحرارِ أنت على المدى 

والمجدُ فيكِ على الثبات مؤثل 

في محضنِ الإسلامِ دوحكِ قد نما 

وجذورهُ تحت الثرى تتأصلُّ 

وثمارهُ أرواحنُا وقلوبُنا

والشملُ موصولٌ العرى لا يُفصلُ 

هكذا تغدو الجزائر عند شاعرنا "أحمد محمد الصديق" أناشيد بطولته للأحرار، ودوح يتفتح في محضن الإسلام، الإسلام الذي حطَّم الأنظمة الضالة، وأزلامها وطقوسها المنحرفة، ليقف شامخًا متحديًا جبروت الباطل مهما علا وتجبر!

لا تخرج القصيدة في لغتها عن دفء المعجم الإسلامي وإيحاءاته ولكنه معجم يقطف باقات ندية من الألفاظ ليهبها صيغًا جمالية جديدة وقريبة إلى روح المسلم مهما تكالبت عليه الهموم والآلام كقوله: «وثماره أرواحنا وقلوبنا» وقوله كذلك:

وملامحمُ التاريخِ بعدك لم تزلْ 

تقفو خطاكَ ومن خيوطك تغزلُ 

وتبث القصيدة حماسها وهمومها من خلال استرجاع لتاريخ الجزائر، هذا التاريخ القريب حيث الشهداء يزفون إلى الحور العين في جنات الخلد، وحيث دماؤهم الزكية تعطر الأنداء، إنها ملحمة الشهادة، ملحمة هذا الشعب الأبي الذي قدم مليون شهيد في جهاده ضد المستعمرين الفرنسيين وأعوانهم: 

إني لأذكرُ يوم نودي للوغى 

والخيلُ صافنةُ القوائم تصهلُ 

الغاصبون المعتدون بحقدهم 

وشرورهم من كل فجٍّ أقبلوا 

وتجاوبت لنزالهم كلُّ القرى 

فالأرضُ تحت العدى تتزلزلُ 

«اللهُ أكبر»، صيحةٌ علويةٌ 

بالحق في ساحِ القتالِ تجلجلُ 

«اللهُ أكبر» لا مردَّ لسهمه 

                        حيث الجهادُ هو الطريق الأمثلُ 

«اللهُ أكبر» هو السر العلوي الذي يقود هذا الجهاد من فوق سبع سماوات، «اللهُ أکبر» هو الرعب الذي زلزل قوى الطغيان والكفر من مسيرة شهر، «اللهُ أكبر» سهم صائب لا يخطئ أبدًا، وهذا المعنى بكل جلاله ودلالاته المعنوية والفكرية والمادية هو وحده الذي قاد أجدادنا الأوائل من نصر إلى نصر، وسيقود أحفادهم بإذن الله، وهو وحده كذلك قد جعل دوائر النفاق والكفر من صليبية ويهودية ومن ظاهرهم تعمل بكل طاقتها للوقوف أمام هذا المد الإسلامي الذي سيجرفهم لا محالة بعون الله. 

إن شاعرنا "أحمد محمد الصديق" لا ينأى في قصيدته «إلى الجزائر» عن صفاء هذا النبع الرباني:

قل للدجى لن تطفئ الشمسُ التي

عين الوجودِ بها غدًا تتكحلُ 

والطيرُ تعرف عشَّها مهما نأت 

ولكم يطيب إذا استقرَّ المنزلُ

عودي فدربك يا جزائرُ واضحٌ 

عودي ووجهُكِ بالتقى يتجملُ 

عودي إلى النبعِ الأصيلِ فإنه 

للظامئ الحيرانِ نعمَ المنهلُ 

إن آفاق الاستعارة والكناية في القصيدة آفاق شفيفة قريبة إلى أذهاننا لا تحتاج إلى جلاء، وهي ترتكز على الفعل الذي يهبها زخمًا متجددًا. أما عروض القصيدة فجاءت على الكامل الذي تعلو فيه النبرة، وهو يلائم في إيقاعه ما في القصيدة من صدق وأصالة!!. 

أخيرًا تبقى القصيدة في ثرائها نافذة مشرعة لإخوتنا في الجزائر، ولكل الصابرين المجاهدين لاقتناص الفجر الآتي.
[*] عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية.

الرابط المختصر :