; صلاح الدين الأيوبي والنموذج الممكن للمقاومة | مجلة المجتمع

العنوان صلاح الدين الأيوبي والنموذج الممكن للمقاومة

الكاتب عبد الرحمن فرحانة

تاريخ النشر الثلاثاء 12-أكتوبر-1999

مشاهدات 57

نشر في العدد 1371

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 12-أكتوبر-1999

يحاول بعض الفئات من النخب الثقافية المدجنة، ممن أصيبوا بمس الفزع الحضاري بسبب الوهدة الحضارية الطارئة التي تمر بها الأمة، ووقعوا فريسة لحالة حادة من الاستلاب الثقافي. يحاول هؤلاء أن يؤسسوا لإطار فكري جديد بمفردات تبدو متدثرة بالمعاصرة، وجوهرها الحقيقي التغريب أو الخضوع للسقف الفكري للعولمة الغربية (الهيمنة الأمريكية والتقولب وفق أطرها). 

ليس ذلك فحسب، بل ينطلقون من هذه القاعدة ليسلوا سيف ما يسمونه «الإطار المعرفي» في وجه كل من يود الخروج من ريقة هذا الإطار الفكري المستلب ثقافيًا، أو من يريد التمرد عليه، ويصفون كل خارج عن إطارهم المعرفي هذا بصفات مكررة كأنها كلاشيهات مفصلة تفصيلًا، يختم بها كل صوت يتمرد على إطارهم. فيقولون مثلًا: "هذا فكر خارج عن الإطار المعرفي" أو "ذاك طرح ماضوي أو خارج عن التاريخ"، وهكذا.

وفي هذا الإطار، فإن أهم مفردة من قبل دعاة هذا الإطار الفكري هي ظاهرة المقاومة، إذ يعتبرونها لا تتوافق مع الواقع الحالي لاعتبارات في نظرهم من أهمها: المناخ الدولي السائد وما يلتصق به من اختلال في ميزان القوى الاستراتيجي، وسيادة فكر العولمة، والانفتاح الحضاري المناهض لفكرة الحرب والصراع العسكري. وفي مناخ هذا التوجه الفكري، يرون أن من حق أي جيل أن يتصرف بمصيره وفق قواعد الحالة التاريخية التي يعيشها، بعيدًا عن "يوتوبيا" التاريخ والفكر المقدس. وقد انبثقت عن تلك المقولة الداعية للقبول بالعدل الممكن بدلًا من العدل المطلق بعيد المنال، خضوعًا لسقف المرحلة، وبطبيعة الحال، فقد كانت المقولة الأخيرة أساسًا في الفكر السياسي العربي الذي ولد مشروع التسوية في الصراع العربي - الصهيوني. 

ولكن هل فعلًا من حق أي جيل أن يتصرف بقضايا تمس مستقبل الأمة تحت ذرائع تقرير المصير في حالة تاريخية ما؟ وهل حقًا أن ظاهرة المقاومة وعلى وجه الخصوص المقاومة المسلحة أصبحت مستحيلة؟

الواقع أن حقائق المقدس ومنطق التاريخ ينفيان ذلك تمامًا. 

فعلى الصعيد الأول: تؤكد حقائق الوحي المقدس سنتين أو قوانين أساسيين هما: قانون المداولة ﴿وَتِلۡكَ ٱلۡأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيۡنَ ٱلنَّاسِ﴾ «آل عمران: 140» وهو قانون يجعل حركة التاريخ تسير على وتائر متفاوتة، وبالتالي لا ضمانة لثبات أي حالة تاريخية مهما كان ضعفها أو قوتها على حد سواء، بمعنى أنه لا توجد "استاتيكية تاريخية"، أي تسكين لحركة التاريخ.

أما القانون الآخر الذي يفرضه الوحي، فهو قانون المدافعة ﴿وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّفَسَدَتِ ٱلۡأَرۡضُ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ «البقرة: 251»، وهو ما يعنى بقانون الصراع الذي يمثل إحدى الآليات الأساسية في حركة التاريخ، ووفقه تتصادم قوى الحق مع الباطل وتتفاوت النتيجة بين النصر والهزيمة وفق نواميس الله تعالى.

وهكذا فإن هذين القانونين ينفيان توقف التاريخ عند مرحلة ما كما يقول فوكومايا في نظريته "نهاية التاريخ". وبالتالي، فإن حالة الهيمنة الأمريكية الحالية ليست قدرًا ثابتًا لا يتحول، بل إن بعض مفكري الغرب يرون أن المدى التاريخي المتوقع لإمبراطورية أمريكا ليس طويلًا.

أما على الصعيد التاريخي، فإن منطق التاريخ وفلسفته يؤكدان أن الوجود البشري يعيش دائمًا في حالة تحول دائمة، وتتفاوت حالات الأمم بين وهدات الهزيمة وذرا النصر. والأمة الحية هي التي لا تخضع لحالة الاستضعاف الطارئة، بل تبقى تقاوم وفق معطيات المرحلة دون استسلام تحت ذريعة أن من حق كل جيل أن يقرر مصيره بنفسه، وإن كان على حساب الأجيال القادمة.

وكشاهد تاريخي على ذلك، تبرز ظاهرة صلاح الدين الأيوبي الذي ظهر في حالة مشابهة للحالة التاريخية التي نعيشها الآن. فقد برز صلاح الدين الأيوبي في فترة الاحتلال الصليبي للمنطقة، وفي بيئة سياسية مماثلة تتسم بالتبعثر والانشقاق، متمثلة بالكيانات الإسلامية المتبعثرة جغرافيًا، والمتنافرة سياسيًا، ومع ذلك رفض صلاح الدين أن يخضع لمنطق الواقعية المتقاعس ولسياسة الأمر الواقع التي فرضتها موازين القوى المختلة آنذاك لصالح الصليبيين، بل عمل باتجاهات متوازية داخل الجسم الإسلامي وخارجه، مؤمنًا بحتمية انتصار الأمة إذا توافرت الإرادة. نجح صلاح الدين في تصليب إرادة الأمة وتابع مسيرة الجهاد خلال أكثر من ثلاثة عقود حتى أشرقت شمس حطين وعادت مآذن الأقصى تصدح بنداء الإسلام.

وعلى الرغم من حالة الأمة في الوقت الراهن، إلا أن التيار الإسلامي العامر بالمنطقة بكافة أطيافه ومشاريعه قادر على أن يتحول إلى كتلة تغيير فاعلة إذا استدبر التنافر وتكاملت الجهود وتطورت مناهج التفكير لدى العاملين في رحم هذا التيار. وإذا كانت ظاهرة التغيير في حالة صلاح الدين مبعثها فرديًا، فربما تكون ظاهرة التغيير في عصرنا الراهن تتجه للنزعة الجماعية.

وهكذا كانت ظاهرة صلاح الدين دليلًا تاريخيًا وعمليًا على إمكان المقاومة المسلحة ونجاحها أيضًا. ولأهمية الظاهرة، فقد برزت عشرات مراكز البحوث الصهيونية ومناظرات الأبحاث التي درست الحالة الصليبية وظاهرة صلاح الدين المشابهة لحالتنا الراهنة. بل إن العديد من الباحثين الصهاينة دعوا مؤخرًا بصوت عال في سياق التطبيع بضرورة إسقاط فترة صلاح الدين الأيوبي من مناهج التاريخ في المدارس العربية لتعزيز ما يسمونه بثقافة السلام في المنطقة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

2057

الثلاثاء 17-مارس-1970

الافتتاحية

نشر في العدد 17

100

الثلاثاء 07-يوليو-1970

حدث هذا الأسبوع - العدد 17